سلايدرسياسة

في تذكر الملك الحسن الثاني

لا توجد أسئلة محرجة ... لكن قد توجد إجابات محرجة

طلحة جبريل

كنت قد كتبت هذا المقال في أربعينية  العاهل المغربي الملك الحسن الثاني رحمة الله عليه، ونشر وقتها في إحدى اليوميات، أعيد نشره ، في ذكرى وفاة الملك الراحل.

***********

الحبر والورق عنصران محايدان، لكن الصحافي عندما يكتب بتوقيعه يفترض أن يتحمل كامل المسؤولية حتى يعفي الصحيفة من أي مسؤولية.

ثم أنني كنت وما زلت حتى الآن صحافياً همومه في الحاضر والمستقبل وليس في الماضي لذا فأنا أفضل أن أكون قارئا للتاريخ وليس كاتبا له. ولا شك في أن سرد شيء من التاريخ حين يتعلق الأمر بملك في حجم الملك الحسن الثاني أمر في غاية الصعوبة . كما أن بعض الأحداث يذهب عنها وهجها الإخباري لكن بعض قيمتها تظل باقية لأنها ببساطة تتحول من أخبار إلى قضايا.

وهنا صعوبة إضافية .

كما أن المخاطرة التي بدت لي حول الموضوع، تمثلت في أنني سأكتب اعتمادا على الذاكرة ، لقد جربتها من قبل فلم تخذلني، بيد أن الأمر في هذه المناسبة تكتنفه تعقيدات ومصاعب .

عندما غادرت صحيفة ” الشرق الأوسط ” في المرة الأولى وكان ذلك في أبريل عام 1996 ، تركت خلفي من بين ما تركت أرشيف كتابات امتدت في الزمان 17 سنة . وسيدرك القارئ بفطنته أن العودة الآن إلى ذلك الأرشيف غير متاحة.

حزينا أقولها.

في تلك الكتابات كان الملك الحسن الثاني  حاضرا باستمرار .

***********

الآن أحاول أن أتذكر .

كانت أول مرة أشاهد فيها الملك الراحل عن قرب في فاس  عام 1981 في ما عرف آنذاك بقمة فاس الأولى .

انعقدت القمة بصعوبة بالغة وكان مزاج العالم العربي وقتها مكدراً  لا يتقبل تلك الجملة التي أرادت قمة فاس تبنيها وهي “حق جميع دول المنطقة في العيش بسلام ” .

تلك الجملة كانت تعني الاعتراف بإسرائيل، وإسقاط لاءات الخرطوم الثلاث : ” لا اعتراف ولا صلح ولا سلام مع إسرائيل “  .

غاب عن القمة قادة مهمون، لكن غياب الرئيس حافظ الأسد كان هو المعضلة . وضع السوريون وقتها تجاه أزمة الشرق الأوسط معادلة تقول : الحل معنا متعب ومن دوننا مستحيل .

كان الملك الراحل يبحث عن معادلة : لا يخسر فيها المعارضون كل شيء و لا يربح فيها المؤيدون كل شيء .

افتتحت القمة في القصر الملكي بفاس ليلاً. رابطنا نحن مجموعة من المراسلين أمام باب القصر ننتظر بيانا سيصدر عن الجولة الأولى .

وفي ساعة متأخرة خرج الملك الراحل نحو الباب.

تدافعنا نحوه فقال: علقت قمة فاس والمغرب يرحب بالوفود كضيوف .

قال الملك تلك الجملة الصاعقة وهو رابط الجأش. تأملته جيداً وظلت صورته وهو قرب تلك الباب الخشبية الضخمة في ذهني إلى حد أنني كدت أن أنسى ما قال.

ملك مهيب. كان جلياً أنه يدرك أهمية الاعلام. متوهج رغم أن المناسبة غير سارة. نظراته متوقدة تفيض قوة ودهاء. في صوته نبرة قوية . يضغط جيداً على مخارج الحروف. كان في تلك الليلة اللولب والنجم. في ملامحه ذرى المجد.

في السنة الموالية انعقدت قمة فاس الثانية في سبتمبر 1982 وأقرت تلك الجملة الصعبة “حق جميع دول المنطقة في العيش بسلام”.

عقد الملك الراحل ندوة صحافية فتسنى لي لأول مرة أن أساله.

كان رحمه الله في ندواته الصحافية ممتعاً ، إذا لم يمنحك خبراً مدوياً للصفحة الأولى منحك تعليقاً قوياً يصلح لمقال افتتاحي .

في مايو عام 1983 حصلت صحيفة “الشرق الأوسط ” على قرار رسمي بالطبع في المغرب ، وبموازاة مع ذلك فتحت مكتباً لها في الرباط . أثار ذلك القرار غضب واحتجاج الصحافة المغربية فشنت عليه حملة واسعة ، ووصل الأمر حد احتجاب جميع الصحف عن الصدور تعبيرا عن استيائها على اعتبار ان الصحيفة تملك امكانية ضخمة ممايتعذر على الصحف المغربية منافستها.

كان رأيي آنذاك عدم الرد على تلك الحملة، على الرغم من أن انهاراً من الحبر سالت على تلال من الورق، بل البحث عن كيفية تطبيع العلاقات مع الصحافة المغربية والنقابة الوطنية للصحافة المغربية.

لعل من حسن الحظ ان ذلك الرأي وجد آذانا صاغية داخل إدارة الصحيفة.

في صيف ذلك العام سيصل محمد على حافظ ناشر الصحيفة الى فاس لتقديم تشكراته للملك الراحل الذي كان هو صاحب القرار الفعلي بالموافقة على الطبع.

تلقيت اتصالاً من فاس بضرورة التوجه فوراً الى هناك بعد ان قرر الملك الحسن الثاني ألا يقتصر اللقاء مع ناشر  “الشرق الأوسط” على الشكر بل بإجراء حوار مع الصحيفة .

كان مطلوباً مني إعداد محاور الحديث والمشاركة  في إجرائه.

وصلت إلى فاس وعلمت أن الموعد قد حدد بعد ظهر ذلك اليوم، لكننا تلقينا اتصالاً من القصر الملكي بتأجيله إلى اليوم التالي . ثم أبلغنا بتأجيل اللقاء بسبب وصول الرئيس الغيني الراحل أحمد سيكتوري في زيارة غير متوقعة للمغرب.عدت إدراجي إلى الرباط محبطاً على ضياع فرصة إجراء حوار مع الملك .

كانت الحملة تزداد ضراوة ضد “الشرق الأوسط ” وبلغت الأمور حد أن قاطعت معظم الفعاليات السياسية الصحيفة ، فوجدت نفسي معزولا في مكتبي في شارع الحسن الأول في وسط الرباط  أكاد لا أتلقى ولو مكالمة هاتفية واحدة طوال النهار.

قررت أن ألتزم صمتاً بدا لي آنذاك أبلغ من الكلام . صمت يكاد أن يصبح صوتاً.

لم يكن هناك من حل سوى إجراء حوار مع الملك الحسن الثاني.

طرقت كل الأبواب .

في خريف عام 1984 أبلغت  أن الملك وافق على إجراء المقابلة، فجاء الزميل عرفان نظام الدين وكان رئيساً لتحرير ” الشرق الأوسط ” .

كان آنذاك في تونس وذهبنا سوياً إلى إفران حيث يوجد الملك .

أمضينا ليلة في  فندق “ميشليفن ” نستمع إلى عازف هاوٍ لا علاقة له بالموسيقى في مقصف الفندق.

في اليوم التالي تناولنا الغداء مع المستشار أحمد بن سودة وعبد اللطيف الفيلالي وزير الاعلام يومئذ، عليهما الرحمة. كان يفترض أن يتم اللقاء بعد الظهر.

ذهب السيد بن سودة إلى القصر الملكي ثم جاء لإبلاغنا أن اللقاء قد تأجل لأسباب طارئة لم يحددها.

في مطلع يناير من عام 1985 كان الملك في مراكش، وتلقيت من جديد ما يفيد أنه وافق على إجراء الحوار .

وصل الزميل عرفان نظام الدين من لندن هذه المرة . في الرباط التقينا عبد اللطيف الفيلالي  وزير الإعلام وأبلغنا أن الملك وافق على إجراء المقابلة وأنها ستكون في مراكش  فتوجهت مع الزميل عرفان إلى هناك.

أمضينا ليلتنا نبحث عن فندق فقد كان بداية السنة والفنادق ممتلئة ملء سعتها .

كانت هذه إشارة غير إيجابية، تملكني شعور بأن المقابلة لن تتم، لكنني لم أرغب في الحديث عما يخالجني للزميل عرفان .

في صباح اليوم التالي التقينا المستشار بن سودة . وبقينا معه ننتظر مكالمة من القصر الملكي .

في حدود الواحدة بعد الظهر  جاءت المكالمة المرتقبة فانتقلنا إلى القصر رفقة بن سودة ، وفي قاعة انتظار داخل القصر وجدنا عبد اللطيف الفيلالي .

أمضينا زهاء ساعة في الانتظار وكنا نتجاذب أطراف الحديث مع السيد بن سودة ، وأتذكر أنه كان حول أوضاع العالم العربي والفترة الناصرية .

بعدها طُلب منا التوجه إلى القاعة حيث يوجد الملك .

كنت أتقدم الآخرين وفي مدخل القاعة وجدت نفسي وجها لوجه مع جلالته رحمه الله .

قدمت له الزميل عرفان نظام الدين وبادرني بسؤال حول ظروف مجيئي من السودان إلى المغرب.

أجبت : جئت للدراسة في الجامعة المغربية في كلية الآداب بمنحة من حكومة جلالتكم .

سأل : كيف وجدت مستوى كلية الآداب وما هي انطباعات الطلاب غير المغاربة عن الكلية ؟

قلت : يا صاحب الجلالة شهادتي مجروحة لأن أي طالب يعتز بالكلية التي درس فيها.

سألني عن أساتذتي وعددت له الأسماء.

ثم انتقل إلى موضوع آخر وقال هل تعرف تاريخ العلاقات المغربية السودانية ؟

قلت أعرف أن المغرب والسودان هما البلدان العربيان الوحيدان اللذان يتبعان مذهب الأمام مالك ، وزدت : سمعتكم مرة يا صاحب الجلالة تشيرون إلى ذلك في أحد خطاباتكم الرسمية.

تلقى الجواب باستحسان وقال أرجو ألا تكون الأسئلة التي أعددتها طويلة، والواقع أنني اندهشت لهذه المعلومة فقد كنت بالفعل قد كتبت الأسئلة لكنني عرضتها فقط على الزميل عرفان.

بعدها التفت نحو الزميل عرفان وقال له مبتسماً: قررت أن أخصص لكما 45 دقيقة ..لكن سنرى .

كانت تلك إشارة إلى أن كل شيء سيعتمد على نوع وطبيعة الأسئلة التي سنطرحها .

كنت قد اقترحت على الزميل عرفان بأن يبدأ الحوار بطرفة، خصوصاً وأن بعض اسئلتي كانت محرجة الى حد ما.

ونحن نهم بالجلوس في قاعة  تعد من تحف المعمار المغربي قال جلالته رحمه الله :

بالنسبة لي لا توجد أسئلة محرجة ولكن قد تكون هناك إجابات محرجة.

اعتدل الملك الراحل في جلسته فوق كرسي أحمر اللون عليه شعار المملكة في حين جلس الزميل عرفان على يمينه في كرسي غطي بقماش مزركش وجلست  أنا على يمين الزميل عرفان .

كانت جلستنا على شكل زاوية مستقيمة.

وضعت إلى يمين الملك طاولة صغيرة عليها جهاز هاتف وبعض الأدوات المكتبية ، وأمامنا وضعت طاولتين صغيرتين من الخشب المنقوش بعناية . فوق الطاولة كانت هناك باقة زهور وبعض أزهار القرنفل. وصناديق صغيرة وضع بداخل أحدها لفافات تبغ من نوع خاص وكتبت على العلبة “  القصر المكي بمراكش”  أما فوق الطاولة الثانية فقد كانت هناك بعض الحلويات المغربية .

وضعت فوق الطاولة جهاز تسجيل لكن جلالته خاطبني قائلا : لا تحتاج إليه سيسلم لك شريط فيديو وكذا شريط تسجيل للمقابلة.

كان مصورو التلفزيون قد استعدوا للتصوير وبإشارة من الملك بدأ الحديث.

أستهل الزميل عرفان المقابلة قائلا : نشكرك يا صاحب الجلالة على اتاحتك لنا محاورة أحد كبار القادة العرب والعالميين في العصر الحديث ، لكن يجب أن نقول لك يا صاحب الجلالة أننا ركضنا خلف هذا الموعد ربما أكثر مما ركض البطلين المغربيين سعيد عويطة ونوال المتوكل.

ابتسم جلالته لهذا التشبيه وانفرجت أساريره واستهل الحديث منوها بصحيفة ” الشرق الأوسط ” وقال إنها صحيفة موضوعية ومعقولة يجد فيها كل قارئ ما يبحث عنه.

كانت تلك الكلمات في الواقع إيذانا بإيقاف الحملة ضد الصحيفة، راودني شعمور وقتها بأنني أنجزت مهمتي .

انطلق الحوار الذي قدر له جلالة الملك رحمه الله أن يستمر 45 دقيقة فإذا به يستمر ساعتين . تخللته فترة  استراحة . فقد طلب الملك إيقاف التصوير وسألنا إذا كنا نرغب في شرب قهوة أو شاي؟

كنت قد قلت للزميل عرفان إذا اقترح علينا جلالته أن نتناول شيئا نطلب الشاي الأخضر مراعاة لأصول الضيافة المغربية رغم أنني شخصيا لا أشربه.

بإشارة منه جاءت القهوة والشاي فشرب هو كأس قهوة ، وراح يسأل الزميل عرفان عن الصحيفة وأماكن طباعته والتقنيات المستعملة لنقل صفحاتها واقترح أن يضاف مركز طباعة آخر في أمريكا اللاتينية .

سألناه عن ما يقرأ من الصحف والمجلات فقال إنه يقرأ معظم الصحف المغربية والعربية والأجنبية . صمت لبرهة وقال : هناك صحيفة لم أعد أقرأها لأنها حادت عن الموضوعية وهي صحيفة لوموند الفرنسية .

ثم استأنفنا الحوار.

طرحت الكثير من الأسئلة القضايا الداخلية وبعض الأسئلة عن القضايا الخارجية .

بعد انتهاء الحوار قال لي رحمه الله: أعتقد أنه حوار طويل لذلك من الأفضل نشره على حلقتين او حتى ثلاث.

بعدها خرجنا في جولة قصيرة مع جلالته في حديقة القصر وكان المطر يتهاطل بعد طول انقطاع فقال يبدو أنكما فأل حسن على المغرب، وزاد: نطلب من الله أن يستمر هذا الخير .

ودعنا جلالة الملك وعدت في اليوم نفسه إلى الرباط وعملت الليل كله في تفريغ الأشرطة حتى تكون جاهزة في اليوم التالي ليأخذها الزميل عرفان نظام الدين معه إلى لندن .

فور أن نشر الحوار هدأت الضجة ضد الصحيفة ثم تلاشت ووصل توزيعها إلى أرقام قياسية .

بعد حوار يناير المميز في مراكش . أتيحت لي في تلك السنة فرصة أخرى للقاء مع الملك رحمه الله .

كان ذلك في صيف عام 1985. ذلك الصيف دعا المغرب إلى قمة عربية طارئة عقدت في الدارالبيضاء ، وكان من حسن حظي أن أنال شرف تسريب معلومة أساسية حول تلك القمة.

كان ذلك بإيعاز من جلالته.

طلبني المستشار احمد بن سودة في الديوان الملكي، وعندما التقيته تحدث طويلاً عن القمة التي دعا المغرب إلى انعقادها، وكانت هناك ثلاث دول أساسية تعارض عقدها.

طرحت على المستشار بن سودة هذا الاحتمال قال :” صاحب الجلالة مصمم على عقد القمة حتى ولو حضرت دولة واحدة “.

استفسرت : هل هذا للنشر فأجاب بكلمة واحدة : تصرف .

فنشرت تقريراً في اليوم التالي وقلت ان القمة ستنعقد بمن يحضر .

وشاع ذلك التعبير وأصبحت بالفعل قمة “بمن حضر “  .

قبل  يوم من انعقاد القمة دعا الملك إلى ندوة صحافية في القصر الملكي في الصخيرات .

توجهنا إلى هناك مجموعة منتقاة من الصحافيين وكنا نتوقع أن يعلن العاهل المغربي عن إلغاء القمة لكنه فاجأ الجميع بانعقاد القمة الطارئة في الدارالبيضاء.. وبمن يحضر.

في تلك الندوة كنت سعيداً عندما خاطبني جلالته بالاسم.

حضرت بعد ذاك ضمن آخرين من الزملاء من داخل وخارج المغرب جميع مؤتمراته الصحافية ، كما رافقته في جولاته داخل وخارج المغرب .

في عام 1988 ستتاح لي فرصة حضور لقاء صحافي نادرة للملك الحسن الثاني .

في تلك السنة عقدت اجتماعات مطولة للجنة الثلاثية حول لبنان والتي تضم المغرب والجزائر والسعودية  على مستوى القمة قي قصر دار السلام في الرباط ، وبعد ليلة بيضاء تقرر أن يعقد الملك لقاء صحافياً مع حوالي سبعة من الصحافيين العرب كنت من بينهم .

عقدت الندوة في القصر الملكي في الرباط . جاء الملك وكان الإجهاد بادياً عليه بسبب الاجتماعات المطولة وبأسلوبه المعهود قال لنا بلطف :” أمضينا ليلة طويلة من الاشتغال لذلك أرجو أن تكون أسئلتكم مركزة ودقيقة وقصيرة”.

وكان أن وقع علي الاختيار بإيماءة  بطرح السؤال الأول . لم أعد أتذكر نص السؤال لكن لعله قد راقه.

ومنح لكل صحافي فرصة سؤال واحد، وبعدها تلقيت إيماءة أخرى لأطرح عليه ما أريد من أسئلة ، وإذا اللقاء يتحول إلى حوار خاص مع الملك.

بعد الندوة الصحافية تقدمنا للسلام عليه فقال لي عبارة مقتضبة: شكراً..تبارك الله عليك .

في صيف عام 1990 دخل العالم العربي في دوامة أزمة الخليج .

ثم اندلعت الحرب وتحولت المنطقة إلى عاصفة من النار والدم .

تأثرت مبيعات صحيفة ” الشرق الأوسط ” تأثراً كبيراً بتلك الأزمة . وهوت أرقام التوزيع إلى الحضيض . كان الأمر يتطلب معجزة لإعادة الأمور إلى سابق عهدها، ورغم أن الزمن ليس زمن المعجزات لكن المعجزة حدثت .

كانت تلك المعجزة التي أنقذت توزيع الصحيفة في المغرب هي كتاب “ذاكرة ملك”.

في شتاء عام 1992 أتصل بي الصديق عثمان العمير الذي كان قد تولى رئاسة تحرير صحيفة ” الشرق الأوسط” منذ العام 1987 ، وأظن أنه كان في إحدى الدول الخليجية وقال عبر الهاتف: لدي أخبار سارة .. نلتقي في فاس .

كنا قبل ذلك قد حاولنا مراراً إجراء حوار مع الملك لكن جميع تلك المحاولات باءت بالفشل .

التقينا في فاس وأوضح لي العمير أن ” الشرق الأوسط”حصلت على حق نشر كتاب

“ذاكرة ملك ” الذي كان عبارة عن حوار، وأن المؤسسة ستتولى طبع النسخة العربية.

وزاد: سيستقبلنا الملك في فاس لبحث التفاصيل .

كان عراب هذا المكسب المستشار اندري ازولاي .

ذلك الصباح من صباحات خريف مدينة فاس انتقلنا إلى فندق قصر الجامعي. اجتمعنا  هناك مع أزولاي وقدم لنا إيضاحات حول الموضوع . مؤكداً أن اللقاء عن الكتاب مشدداً أن الأمر لا يتعلق بحوار صحافي .

ثم انطلقنا إلى القصر الملكي في فاس، ذات القصر التي رأيت فيه الملك لاول مرة منذ ما يزيد عن عقد من الزمان .

دخل المستشار أزولاي يرافقه الزميل عثمان العمير إلى حيث يوجد الملك وكان هناك بعض المستشارين والمسؤولين .

طُلب مني البقاء في قاعة جانبية الى أن يتم استدعائي . ثم بعد فترة طلب مني الدخول الى حيث يوجد الملك .

بعد السلام قدمني الزميل العمير على أنني سأتولى عملية مراجعة الصياغة والإشراف على الطباعة.

جلست وأستأنف الملك حديثه ، ومما بقي في ذاكرتي أنه ألح أن توزع الطبعة العربية في الأسواق المغربية قبل الطبعة الفرنسية التي كان قد بدأ في توزيعها في الخارج .

قال يومها “أنا ملك عربي ومسلم ولا بد أن تسبق الطبعة العربية الطبعة الفرنسية” . مشيرا الى أن ريع الكتاب سيخصص لرعاية الطفولة في المغرب .

جرى نقاش حول شكل النسخة العربية . وختم اللقاء موجها حديثه للزميل العمير : إنني على يقين من أنكم ستعتبرون هذا الكتاب كتابكم وان مساعديك سيولون الأمر الأهمية التي يستح .

وأحسست أنني طوقت بشرف كبير في أن يسند إلى أمر الإشراف على مراجعة وطباعة كتاب “ذاكرة ملك “.

تسلمت المخطوط الأصلي، كان علي الإشراف على تصفيفه ومراجعته ثم إرساله إلى لندن ليتم تنسيقه و إخراجه وسحبه على أفلام .

بعد اتصالات ومشاورات أبلغت إدارة الصحيفة أن أفضل مكان لطبع الكتاب سيكون في إحدى المطابع الإسبانية الكبرى في ضواحي مدريد، إذ  أتـضح لي من خلال المعلومات التي جمعتها أنها من أفضل المطابع التي تعاملت مع الكتاب العربي لا من حيث الجودة أو التكلفة .

سافرت إلى مدريد وجاء إلى هناك اثنان من الزملاء من لندن لمساعدتي . أمضينا أسبوعاً ونحن نصارع الزمن مع المطبعة حتى استطعنا إنجاز مهمتنا بنجاح . هاتفت الزميل العمير وقلت له : تم كل شئ بنجاح وبحوزتي الآن خمسة آلاف نسخة تشكل الدفعة الأولى من الكتاب سأعود بها إلى المغرب وستصل بعد ذلك الدفعات تباعاً .

حال عودتي إلى مطار محمد الخامس وجدت من كان ينتظرني ليحمل نسخاً من الكتاب إلى القصر الملكي في فاس ليطلع جلالته عليها ثم يأذن بتوزيعه.

بعدها طلبنا حواراً صحافياً مع الملك .

بعد بضعة أسابيع وفي يناير من عام 1993 تحدد موعد الحوار مع جلالته . ذهبت إلى فاس وجاء إلى هناك الزميل العمير، تفاكرنا حول محاور الحديث ثم انتقلنا إلى القصر الملكي في فاس وكان الوقت بعد الظهر، دخلنا قاعة كبيرة من قاعات القصر الملكي، وجدنا الأستاذ عبد الحق المريني في انتظارنا. أذكر انه استفسر عن كلمة منطاد ثم عاد إلى حيث يوجد الملك .

لم يطل انتظارنا فطلب منا الدخول إلى قاعة آية في البهاء والجمال، وكانت مفاجأة سارة أن وجدنا أنفسنا أمام الملك رحمه . قال أرجو ألا تطيلوا لأنني سأستقبل بعدكما الأمير محمد شقيق الملك حسين وكان آنذاك داخل القصر .

جلس الملك على كرسي أحمر وجلسنا قبالته على كرسيين من الجلد لونهما أحمر كذلك. أمامنا طاولة سوداء اللون رتبت فوقها باقات من الزهور .

كان الملك بادي الانشراح ورحنا نفرغ ما في جعبتنا من أسئلة.

خلال ذلك اللقاء الذي استمر زهاء ساعة ونصف تأملت الملك كثيراً . كان يرتدي بذلة تميل الى اللون الأخضر . قميص أزرق مع ربطة عنق سوداء . ومنديل أبيض وضع بعناية داخل الجيب الأعلى للبذلة . أنيق المحيا. عينان تقدحان وتتألقان ذكاء وحزماً. تعابير وجه تدل على السطوة وقوة الشكيمة . يتحدث بصوت خفيض لكن له صدى وجاذبية. تحس في كلامه ان التاريخ تجمع كله في لحظة مجد شامخة.

عقب اللقاء استأذنت جلالته في أن اقدم له الإصدارات الجديدة للمؤسسة فكان أن طلب التقاط بعض الصور أثناء تقديم تلك الإصدارات.

بعد أشهر من ذلك اللقاء تقرر تنظيم احتفال بمناسبة صدور كتاب” ذاكرة ملك ” أستدعي لذلك الاحتفال نخبة من المفكرين والمؤرخين والصحافيين من جميع أنحاء العالم العربي.

وترأس الاحتفال ولي العهد آنذاك الأمير سيدي محمد (العاهل المغربي الملك محمد السادس) وشقيقه الأمير مولاي رشيد. سعدت كثيراً بأن اقدم لهما لمحة عن ظروف طباعة الكتاب وعن مزايا النسخة العربية .

في اليوم التالي ، وكان يوم أحد، كانت مفاجأة سارة في انتظارنا فقد قرر الملك رحمه الله إقامة حفل شاي تكريماً للضيوف العرب الذين حضروا الحفل .

انتقلنا إلى الرباط وكانت هناك مفاجأة أخرى، إذ قرر الملك استقبالنا في الجناح الخاص به من القصر الملكي في الرباط .

دخلنا جميعا إلى قاعة جانبية وجاء الأستاذ عبد الحق المريني وأبلغ الزميل العمير بان عليه تقديم الضيوف العرب للملك . توقعنا أن تنشأ حساسية في مثل هذه المواقف . فاقترحت أن يتم تقديم الجميع طبقا لتسلسل الحروف الأبجدية اعتماداً على الإسم الشخصي . هكذا سيكون الكاتب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي أول من سيتقدم للسلام على الملك .

أُخبرنا أن الملك قادم . فتأهب الجميع . وقف الملك أمام ساحة داخل القصر وشرع الضيوف يسلمون عليه الواحد تلو الآخر . وبالفعل كان إميل حبيبي هو الأول .

أتذكر أن الملك خاطبه قائلا : لا ندري هل نرحب بك أم نلومك لأنك تأخرت كل هذا الوقت لتزور المغرب .

كنت آخر من سلم على جلالته . فعبر لي عن رضاه لما قمت به في الإشراف على طباعة كتاب ” ذاكرة الملك ” .

وبعد أن تناولنا المشروبات والحلويات . جلسنا في قاعة جانبية . وسحب الملك لفافة تبغ وقال ممازحاً الجميع لا بد أن يشاركني أحدكم التدخين ، فتناول الشاعر العراقي المرحوم بلند الحيدري لفافة هو الآخر وراح يدخن بدوره . بعدها جرى حوار لم يكن للنشر عن كتاب “ذاكرة ملك”. ولعل من أهم الأسئلة التي طرحت على الملك وعلقت بذهني كان سؤالاً حول ما إذا كان قد مارس رقابة على نفسه وهو يتذكر فأجاب رحمه الله : يجب على رجل الدولة أن يمارس دائماً الرقابة على نفسه حتى لا يحرج الآخرين .

قمت بعد ذلك بتغطية أنشطة ملكية متعددة داخل وخارج المغرب ، لكن لقاء مساء الأحد في القصر الملكي في الرباط كان آخر لقاء عن قرب مع الملك .

*****

عندما كتبت هذا المقال وقعته بالصفة الصحافية التي كنت أحملها آنذاك ، وهي مدير مكتب وكالة ” يونايتد بريس انترناشونال” الاميركية في المغرب  .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق