سياسة

الفَقْرُ وتحرير التجارة العالمية

د. نازك حامد الهاشمي

يُعَرَّفُ الفقر بأنه هو الإفتقار الفردي والمجتمعي للموارد المالية الذي يوفر الحد الأدنى من أساسيات الحياة، أو أدنى حدٍ للحياة الكريمة. كما يمكن أن يُقَاسُ الفقر بعدم مقدرة دخل الأسرة على تلبية الحاجات الأساسية. أمّا المعيار الدوليّ للفقر المدقع فهو حصول الفرد على أقلّ من دولار أمريكي واحد في اليوم.

ويمكن أن يكون الفقر نسبياً أو مطلقاً؛ حيث يُعَرَّفُ الفقر النسبي بأنه الاوضاع الاقتصادية على المستوى العام للمجتمع، أو الحالة التي يفتقر فيها الشخص إلى أقل قدر من الدخل المطلوب للحفاظ على مستوى المعيشة الطبيعي. أما الفقر المطلق/ المدقع وفق تعريف الأمم المتحدة فهو»عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسيّة، وحالة الحرمان الشديد من الحاجات الاساسية مثل الغذاء والملبس والمأوى والتعليم والعلاج». كما أن الفقر المطلق لا يعترف بأن للأفراد إحتياجات إجتماعيّة وثقافيّة مختلفة ومتباينة من فرد لآخر.

كذلك من المؤكد بأن الفقر ظاهرة عالمية لا تسلم منها أي دولة (حتى الدول المتقدمة)، وأن أسوأ أشكال الفقر توجد – كما هو متوقع – في البلدان النامية. ودائماً ما يوصف الفقر بأنه ليس من صنع الفقراء، لكنه نتيجة لفشل الحكومات في صنع هيكلية ونظم اقتصادية واجتماعية ذات جدوى وفائدة لعموم شعوبها. كما يمكن أن يكون الفقر نتاجاً للاستجابات والممارسات السياسية والاقتصادية غير الملائمة في الدولة. وعادةً ما يمثل الفقر حلقة مفرغة من الاعتلالات، ويكلف ثمناً باهظاً يتسبب في أن يحدث تدميراً للحياة البشرية بصورة عامة. كما وأن له آثاراً سالبة على مستوى الفرد تتسبب في انخفاض القدرة على العمل، وضعف الإنتاجية، واعتلال الصحة. وتتمثل آثار الفقر على مستوى الأسرة في عدم كفاية التعليم، وعدم ضمان الدخل، ونقص المهارات. وهنالك آثار إضافية على المرأة خاصةً منها التسرب من التعليم (المنخفض أصلاً)، والزواج المبكر، والتبكير بالإنجاب. أما آثار الفقر على مستوى المجتمع، فتتمثل في سوء الصحة، والوفاة المبكرة، ونقصان متوسط العمر المتوقع. وأخيرا يشكل الفقر – على مستوى الدولة – نقمة تعوق النمو وتؤجج الاضطرابات، وتؤثر على حالة السلم والسلام فيها. ويتطابق هذا الوصف مع مقولة الاقتصادي الفرنسي فريديريك باستيا في القرن التاسع عشر: «عندما لا تعبر البضائع الحدود، فإن الجيوش ستفعل ذلك». ولذلك فإن انخفاض الصراعات ودرجة السلم تقود حتماً إلى ارتفاع الإنتاجية وزيادة تصدير السلع.

وتختلف وتتنوع تجارب الدول في محاربة الفقر، حيث لا تقدم بعض الدول سوى النَّزْر القليل من الدعم الذي لا يجدي كثيراً في التخفيف من تأثير الفقر الناتج من التضخم في بعض الحالات. ويظل معظم الناس يعانون من عدم الحصول على أي نوع من أنواع شبكات الأمان. غير أن الدعم يصبح أداة انتقالية فعالة للتخفيف من تأثير صدمة التضخم على الدخول المتدنية. بينما يرى بعض الاقتصاديين أن عملية تقديم الدعم المستمر في الدول النامية ذات الاقتصاد الريعي المحدود، قد تؤدي إلى حدوث آثار سلبية، وتنعكس مباشرةً على مستوى الإنفاق العام على التنمية الشاملة في مجالات البنية التحتية والتعليم والصحة وغيرها.

ومن جانب آخر، يرتكز الاقتصاد العالمي الحالي على التجارة الدولية بحسبانها أحد أهم أدواته للتنمية الاقتصادية، وأحد أسباب تحقيق الرفاه الاقتصادي والمستوى المعيشي المرتفع، حيث أن التحرير التجاري يؤدي إلى توسيع وتخفيف القاعدة الانتاجية وتطويرها وتحديثها، مع توفر خاصية التوزيع المستمر للمنتجات في كافة أنحاء العالم. كما أن التحرير التجاري يوفر الأدوات الإنتاجية، ويخفض من تكاليفها، ويعطي قدراً من المنافسة على المنتجات التي تحقق الوفرة للمستهلكين، ويمثل فرصةً لتقديم خيارات متعددة لهم. كذلك من فوائد التحرير التجاري للدول إسهامه في نقل التكنولوجيا الحديثة التي تساعد مباشرة في تعزيز النمو واستدامته، وتحسين فرص العمل للعديد من الأفراد، إضافةً للاستفادة المزدوجة من التخفيضات الجزئية والكلية للتعريفات الجمركية التي تنعكس على موارد الدول النامية، وتوفير السلع المتعددة لتصبح في متناول عدد كبير من المستهلكين على اختلاف مستويات دخولهم.

وتبدو العلاقة بين التجارة العالمية وتوفر أسباب الحد من الفقر علاقة معززة للبلدان النامية، من خلال إسهامها في زيادة حصتها من الصادرات العالمية وتخفيض مستوى الفقر في تلك البلدان. ويعد تحرير التجارة العالمية أيضا محفزاً للمنافسة، التي يمكن أن تأخذ عدداً من الأشكال الإيجابية منها ما يتعلق بمعدل النمو وغيرها. كما أن مخاوف بعض الدول النامية من تحرير التجارة العالمية تتلخص في أنها قد تعتبر أن تحرير الاستثمار وعولمة الأسواق المالية من الأمور المحفوفة بعدد من المخاطر مثل إضعاف السيادة الوطنية في مجال السياسة النقدية والمالية، وهروب الأموال الوطنية للخارج، ودخول وانتشار عمليات غسل الأموال عبر آليات تحرير رأس المال المحلي والدولي. لذلك ينقسم الاقتصاديون ما بين مؤيدين لتحرير التجارة الخارجية، أو معارضين لها، ولكل دوافعه وحججه في ذلك. ورغماً عن ذلك، واجهت التجارة الدولية عدة صعوبات أهمها أساليب الحماية المتعلقة بسياسات الاغراق للمنتجات من بعض الدول الأخرى مما يتسبب في كساد منتجاتها وعدم قدرتها على المنافسة، في حال عدم تساوي مستوى الجودة.

ومن الفوائد التي جنتها الدول الموقعة على اتفاقية التجارة العالمية انخفاض متوسط الرسوم الجمركية من 10.5% إلى 6.4% (أي إلى النصف تقريباً). كذلك يسهم تحرير التجارة الخارجية في الإصلاحات بعيدة المدى، والتزامات بفتح الأسواق فيما بينها ترتبط بزيادة دائمة في الدخل القومي. وتعد الدول النامية من أكبر المتاثرين بسياسات الإغراق، مقابل الدول الصناعية الكبرى، التي إدركت أهمية التجارة الدولية في تحقيق النمو والتنمية الاقتصادية وسعت للحصول على أدوات كفيلة بتنظيم التجارة الدولية وتحريرها، والتي تكتسب أهمية خاصة في ضوء التطورات المستمرة على الصعيد العالمي، خاصة في مجالات التطورات الاقتصادية، والتزايد نحو النهج الاقتصادي لإقامة التكتلات الدولية، والاستفادة من خصائص الاندماج في الاقتصاد العالمي. وقد إنتهت العديد من الدراسات والبحوث التي أُجْرِيَتْ إلى أن البلدان التي اُضْطُرَّتْ – تحت ظروف معينة – إلى انتهاج السياسات الانفتاحية، وحررت تجارتها الدولية بخطوات متسارعة، لم تستطع تحقيق أهدافها التنموية، في حين أن الدول التي قامت بتحرير تجارتها تدريجيا تمكنت أن تحقق معدلات نمو اقتصادي عالٍ ، وصمدت في مواجهة التحديات الاقتصادية. وبصورة عامة، لعل أهم ما يواجه قضية التنمية من تحديات في غالب الدول الأفريقية هو ضبط العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية مع العالم الخارجي، وما يترتب عليها من تداعيات تضع تلك البلدان في إطار الاستقلالية أو التبعية.

ومن مدونات البنك الدولي في هذا الصدد تقرير نُشِرَ في مايو2021م حول «الآثار التوزيعية للتجارة» والجدل بين التجارة والحد من الفقر في العالم: «وينظر التقرير عن كثب في تأثير التجارة في مستويات الأجور والتشغيل والدخل لدى الفقراء في خمسة بلدان: بنغلاديش والبرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا وسريلانكا. ويُعد هذا العمل بالغ الأهمية في وقت يتزايد فيه استخدام الآثار التوزيعية السلبية للتجارة المرتبطة بالعولمة كذريعة لتصاعد النزعات الحمائية». وظلت الدراسات والأبحاث دائما تركز على آثار تحرير التجارة في المقام الأول على الاقتصادات المتقدمة، غير أن هذا التقرير يعزز من الآثار التوزيعية على البلدان النامية أيضا، بحيث يتيح المفاهيم والإرشادات لتصبح أكثر شمولاً لجميع البلدان. ومن الأمثلة المطروحة في التقرير عن الآثار الايجابية للتجارة التوزيعية، مثل دولة بنغلاديش، حيث أدى تزايد الصادرات إلى زيادة الأجور، ومساعدة النساء على الانتقال إلى العمل ضمن نطاق الاقتصاد الرسمي. ومع مرور الوقت، طالت التأثيرات الإيجابية الأجور، وخفضت من أعداد العمالة غير المنتظمة قطاعات الاقتصاد. ويبرز ذلك التقرير أهمية أن تنظر الدول إلى التجارة باعتبارها إحدى مسارات التنمية. ويمكن للدول النامية إستخدام أدوات التجارة في تحسين فهم الآثار التوزيعية المحتملة قبل تنفيذها لسياسات التحرير. كما يطرح التقرير كذلك بعض الحلول للدول النامية من أهمها وضع سياسات للحد من التشوهات لتسهيل مزاولة الأعمال، وتخفيض تكاليف التجارة، وذلك من خلال تحسين تسهيل التجارة والخدمات اللوجستية، وللإسهام في إسراع وتكيف سوق العمل في طرح عدد وافر من الوظائف الجديدة للعمال. ويأتي كل ذلك في إطار يضمن للبلدان النامية حلولاً تدعم التجارة للحد من الفقر وإرساء الرخاء. وتواجه البلدان النامية في أحوال كثيرة عواملاً غير مباشرة تعوق وصولها إلى الأسواق العالمية، من أهمها محدودية قدرات البنية التحتية، والبيئة التنظيمية غير المواتية لنمو الأعمال والاستثمار، وضعف الروابط بالتجارة الدولية، مثل التوقيع على الاتفاقيات الدولية، وضعف اندماج البيئة المالية في البيئة المالية العالمية، وعدم قدرة الأنظمة المالية والمصرفية على تلبية المتطلبات الدولية للوصول إلى الاسواق المالية.

ومعلوم بأنه مع كثرة المنافع التي تحققها التجارة للاقتصادات، إلا أن مستويات الاستفادة من تلك المنافع تبقى متفاوتة بين السكان. فالتجارة والعولمة – بما تحققه من مكاسب في الإنتاجية وتطورات تقنية – قد تتسبب في فقدان وظائف لشرائح مختلفة في مناطق مختلفة وصناعات معينة. ومن جانب آخر، تستفيد شرائح أخرى غاية الاستفادة من الفرص التي تجلبها التجارة، بالإضافة للتغير التكنولوجي. وتستفيد بعض البلدان المتعاملة مع مجموعة البنك الدولي في تحسين إمكانية وصول الدول النامية إلى الأسواق العالمية، وفي تعزيز مشاركتها في الاقتصاد العالمي، من خلال تذليل هذه العقبات بوضع سياسات من شأنها أن تساعد البلدان النامية على الاستفادة من الفرص التي تجلبها التجارة والتغير التكنولوجي، بالإضافة للدعم الفني الذي يشمل برامج التدريب، ووضع استراتيجيات طويلة الأجل من شأنها أن تبني اقتصادات أكثر قدرة على زيادة الشمول المالي لتحقيق الهدفين الرئيسين: إنهاء الفقر المدقع وتعزيز الرخاء العالمي.

وبالنظر إلى القارة الافريقية، وعقب حصول مختلف دولها على إستقلالها في ستينيات القرن الماضي سعت منظمة الوحدة الأفريقية إلى المضي قدماً نحو ما يسمى بالوحدة (الاقتصادية) الأفريقية التي تشمل الاعتماد المتبادل والتكامل الاقتصادي، الذي تعثر كثيراً بسبب مجموعة من التحديات المستمرة. وشملت تلك التحديات فقر وضعف البنية التحتية، والأسواق الصغيرة، والتصنيع، وانخفاض مستويات التجارة فيما بين البلدان الأفريقية لإسباب تتعلق بدرجة السلم والأمن في المنطقة. ومن أجل التصدي لتلك التحديات دعت منظمة الوحدة الأفريقية إلى إنشاء الجماعة الاقتصادية الأفريقية بحلول عام 2028م كمبادرة للتكامل الاقتصادي للقارة، التي من أهم بنودها خطة للعمل بشأن تعزيز التجارة فيما بين دولها ، بإقامة «منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية» التي بدأ التخطيط لها في العام 2012م، والتي تعتبر أحد ركائز الإستراتيجية القارية الافريقية للتنمية المستدامة2063م. وهذه استراتيجية تدعو الدول الأعضاء في الاتحاد الافريقي للتعجيل إنشاء منطقة حرة تهدف إلى مضاعة التجارة فيما بين البلدان الافريقية.

غير أن السودان هو من الدول الأفريقية التي لم توقع أو تصادق بعد على اتفاقية منطقة التجارة الحرة للقارة الافريقية، رغم ضعف حجم التبادل التجاري مع الدول الافريقية. وبحسب التقرير الصادر من بنك السودان المركزي عن الربع الأول من عام2022م (الموجز الاحصائي للتجارة الخارجية) بلغ حجم صادرات السودان للدول الافريقية (168,816) دولار أمريكي، بينما بلغت وارداته منها (314,740) دولار أمريكي. كما يُلَاحَظُ من التقرير أن 90% من حجم ذلك التبادل تم مع جمهورية مصر. وقد يُعْزَى هذا التركيز مع مصر إلى وجود اتفاقيات ثنائية، وتوفر البنية التحتية المتمثلة في وسائل النقل والنقاط الجمركية، التي قد تكون مفتقدة مع الدول الإفريقية الأخرى.

ويفتقر السودان إلى الإجراءات المتعلقة بالجمارك والبنية الأساسية الضرورية لتيسير التجارة من دون رسوم جمركية بينه وبين معظم الدول الأفريقية الأخرى، كذلك ليس لديه بروتوكول لحقوق الملكية الفكرية وسياسة المنافسة، مما يعيق دخوله في الاتفاقية الافريقية للتجارة الحرة، هذا فضلاً عن إعاقة نظم التسويق التقليدي للمنتجات السودانية.

غير أنه من الممكن للسودان أن يساهم في زيادة التجارة الإفريقية البينية عبر المنتجات الزراعية ذات الجودة التنافسية العالية مثل القطن والحبوب الزيتية، خاصة الصادرات الصناعية والزراعية بشكل كبير، بحيث ستفتح مصادر هائلة لفرص العمل وتقرب من هدف القضاء على الفقر المدقع، وتحفز آفاق التنمية لصالح غالب السكان. وبالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من التدابير التي يمكن للسودان إتخاذها لخفض تكاليف التجارة ودعم تنويع الصادرات، من أهمها العمل بالمحطات الجمركية الحدودية وتفعيل الأسواق الحدودية لتسهيل حركة الصادر والوارد من البضائع، وذلك بقيام الدولة بمعالجة الاختلالات الاقتصادية، والتحكم في تهريب السلع الاستراتيجية. كذلك ينبغي العمل على توفير السلع الاساسية للولايات الحدودية بغرض خلق توازن بالأسواق الداخلية ومنع التهريب للوارد والصادر من السلع والبضائع. ويجب كذلك إيلاء أهميةً خاصة لقطاع النقل وإنشاء الطرق العامة والسريعة بمواصفات عالمية عالية الجودة، حيث أن الطرق المقامة حاليا لا تؤدي الغرض المنوط بها على أكمل وجه. وينبغي البدء في الاستثمار الجاد في الطرق ذات المواصفات العالمية ووسائل النقل الحديثة للوصول إلى بنية أساسية تدعم التجارة الداخلية والخارجية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق