ثقافة وفن

في فلسفة التاريخ ومعناه

هل التاريخ سلسلة متصلة ومتجانسة من المراحل والحلقات أم ركام هائل ومشتت من الحوادث والأحداث؟ اختلفت المداخل النظرية في رؤية التاريخ وفهمه وتفسير حركته. وقد استاثر مفهوم التاريخ قديماً وحديثاً باهتمام المؤرخين والكتاب والفلاسفة وتعددت الآراء والمباحث فيه، «حتى إلفينا أنفسنا أمام نتاج واسع يتناول التاريخ مصطلحاً وفكرة وفناً وموضوعاً وميداناً من ميادين المعرفة الإنسانية»وكلمة التاريخ من الكلمات التي تعرضت الى سوء فهم لا حدود له بسبب ما الصق بها من معان متعددة ودلالات مختلفة اذ اخذ الناس يطلقونها على ظواهر وأشياء لا حصر لها من قبيل: تاريخ الكون، وتاريخ العالم، والتاريخ العام، وتاريخ البشرية، وتاريخ الطبيعة، وتاريخ الإنسان، وتاريخ العلم، وتاريخ الحضارة، وتاريخ المدنية، وتاريخ الثقافة، وفلسفة التاريخ، وتاريخ الفلسفة، والمنهج التاريخي، والتاريخية، والحتمية التاريخية، وعلم التاريخ، والبحث التاريخي، والتاريخ السياسي، والتاريخ الاقتصادي، والتاريخ الاجتماعي….إلى آخره من الموضوعات التي تطلق عليها كلمة التاريخ إذ ان من يعود إلى مادة تاريخ في أية موسوعة يتعجب من عدد الكتب المؤلفة في موضوعها وذلك في لغة واحدة «وسيصعب تقدير حجم كتاب يؤلف اليوم على نمط القسم المخصص للتاريخ في فهرست ابن النديم»ولعل هذا اللبس الذي يكتنف مفهوم التاريخ هو ما يفسر حيرة الدارسين في فلسفة التاريخ، إذ نجدهم يتساءلون في بدء كل عمل عن «ما هو التاريخ؟» كيف نفهم التاريخ؟ ما هي فكرة التاريخ؟»

تعد مشكلة المفاهيم في حقل الدراسات التاريخية واحدة من المشكلات التي تواجه الباحث منذ الوهلة الأولى لشروعه ببحثه، فالفلسفة كأي خطاب آخر لا يتكلم بواسطة ألفاظ تستعمل مرة واحدة الى الأبد بل تعبر عن نفسها بواسطة المفاهيم. غير ان مفاهيم ما هو معاش ودنيوي تحت فلك القمر ولاسيما تلك التي تستعمل في التاريخ، شديدة الاختلاف عن مفاهيم العلوم الطبيعية. ويرى ﭙول ﭭيين «ان المفاهيم المتعلقة بالتاريخ زائفة على الدوام، وغائمة، لان موضوعها نفسه يتحرك دون انقطاع… وراء كل التصورات عن الدين وكل الأديان التاريخية لا توجد نواة قابلة للتعريف تصلح جوهراً للدين، فالعاطفة الدينية نفسها تتغير كسائر الأشياء» إن مفاهيم الفلسفة والتاريخ والحضارة والدين والثقافة والمدينة والعلم هي مفاهيم تاريخية ملتبسة ومتغيرة باستمرار، ولا يوجد اتفاق بين الدارسين حول معانيها المحددة، وكل تعريف هو تعريف تحكمي انه نابع من رأي المفكر أو الدارس حسب رؤيته للظاهرة المدروسة وسوف نرى مدى اختلاف الدارسين حينما يتناولون تلك المفاهيم التاريخية.ان أي مفهوم تاريخي لا يقدم تحليلاً للمفهوم ولا يستنفده وليس جامعاً مانعاً كما هو الحال في العلم الطبيعي نسبياً. ولكن اشد الإخطار هو خطر الكلمات التي تستثير في أذهاننا جواهر أو ماهيات فكرية مشخصة زائفة تملأ التاريخ سكان من الأسماء الكلية لا وجود لها في الواقع، وربما يعود تخلف الثقافة المعاصرة- بل في جميع عصورها الى ذلك الالتباس والغموض في استخدام المفاهيم إذ يتم الخلط بين قوى التاريخ خلطاً تفقد به الأسماء الدلالة على المسميات ولا تدل به المسميات على اسمائها، وفي هذا ما فيه من تعطيل لغة الكلام بقعودها عن القيام بوظيفتها التطورية وعن مواكبة حركة التاريخ، ومن هذا الخلط «ان الملأ يتحدثون عن الثقافة ولا يقصدون في حقيقة الأمر الا المدنية او الحضارة او المدنية والحضارة معاً، او المدنية والحضارة ومعهما الثقافة، ويتحدثون عن المدنية ولا يقصدون في حقيقة الأمر الا الثقافة او الحضارة او الثقافة والحضارة معاً، او الثقافة والحضارة ومعها المدنية»

ولعل الحاجة الى تعريف وتحديد المفاهيم المستخدمة في الدراسات التاريخية تزداد بعد استعمالها السيّء مثلما يحتاج مذهب بعد ظهور بدعة فيه.وقد برهنت التجربة على ان عدم الاكتراث بمناقشة الألفاظ يصاحبه في المعتاد تشوش في الأفكار حول الأشياء ومضامينها. وهذا ما نشاهده يوميا في أي نقاش بين الأساتذة والطلبة، بل بين الأساتذة أنفسهم من خلط ولبس وإبهام بسبب عدم الاتفاق مسبقاً على المصطلح والتعريف» وتعريف المفاهيم وتحديدها هو الخطوة المنهجية الأولى في الدراسات الأكاديمية، ذلك لانها تجعلنا على بينة من امرنا، بشان معاني تلك الكلمات التي نتحدث عنها، وما دامت هناك كلمات مختلفة فلا بد من ان نعرف ونحدد دلالاتها المتمايزة. إذ أن المفاهيم لا توجد في فلك الأفكار ومدونات اللغات فحسب، بل هي كائنات تاريخية شديدة الارتباط بسياقاتها الاجتماعية الثقافية المشخصة، ولكل مفهوم مكان وزمان ولادة وسياق نمو وتجربة ممارسة وعلاقات قوة وسلطة معرفة ونظام خطاب ومدونة لغة وفضاء فكر وحساسية ثقافة وحقل تأويل وشفرة معنى وأفق دلالة.. الخ غير أن مشكلة الإنسان مع المفاهيم المجردة تكمن في اعتقاده بانه يعرفها بمجرد النطق وحينما يسأل نفسه عن معناها؟ يكتشف جهله بمعناها الحقيقي وتلك هي قضية سقراط الذي أكد أن الفلسفة هي التي تعلمنا جهلنا ومعرفة الإنسان بجهله الذاتي هو الخطوة الأولى لتفتح العقل وفهم العالم. وفي سياق تتبعنا مفهوم التاريخ في الدراسات العربية والأجنبية وجدنا حشداً كبيراً من التعريفات لا يتسع المقام لإيرادها هنا، بل لابد من اختيار بعضها لأغراض هذا البحث. وقبل ان نفحص مصطلح التاريخ عند العرب لابد من التمييز بين معنيين لكلمة التاريخ: فالتاريخ بالهمزة هو عمل المؤرخ، تدوين وحفظ ورواية أفعال الناس في الماضي. والتاريخ دون همزة هو الخبرة العملية الفعلية في عالم الممارسة التاريخية .

لفظ التاريخ

يعد المؤرخ اليوناني هيرودوت الهاليكارسي (495-425ق.م) أول من استخدم كلمة التاريخ History بمعنى «دراسة أعمال البشر في الماضي، بهدف إنقاذ تاريخ البشر من النسيان، وحفظ الأعمال الرائعة التي اضطلع بها الهيلنيون والشرقيون بما هي اهل له من شهرة- خاصة تلك التي ادت الى صدام فيما بينهم»وفي هذا الاطار يأتي المؤرخ الاثيني توكوديدس 460-395 ق.م الذي عد التاريخ «رواية لقصة الحرب البنوبونيزية» وربما كان المؤرخ الميجالي بولوبيوس 201-120 ق.م اكثر وعياً بمهمته حينما كتب «تاريخ العالم» عادّاً «ان معرفة الاحداث الماضية هي بمثابة المقوم الحقيقي للطبيعة البشرية»ويبدو ان أرسطو (384-322 ق.م) قد انطلق من هذا المعنى الفني للتاريخ، حينما عرفه بانه رواية للاحداث التي وقعت، أي انه وصف للفردي من خلال مفاهيم كلية، وهذا ما جعله يضعه في المرتبة الثالثة بعد الفلسفة والشعر»

وسوف نلاحظ ان الفهم الفلسفي للتاريخ، من حيث هو فعل الإنسان الخلاق وخبرته المتراكمة في المدنية والحضارة والثقافة، ونشاطه المستمر في التقدم والتطور والارتقاء, لم يكن واضحاً في الفكر اليوناني، بل بدا مشوباً بغلالة أسطورية عند السفسطائيين وسقراط وربما أفلاطون.

التأريخ عند العرب

لفظة «التأريخ» عند العرب لم تكن تطابق كلمة Historyاليونانية، كما ان الكلمة لم ترد في القران الكريم بل احتوى على مادة مقابلة يمكن ان يفيد في تفسيرها معنى تاريخياً وهي مثل «اساطير الاولين» او «أنباء» او «قصص» كما جاء في الاية الكريمة: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثاً يفترى…»  سورة يوسف اية(111).

وهناك آيات عديدة تشير الى التاريخ، بمعنى الفائدة والاعتبار والموعظة والاخبار: (او لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) سورة فاطر أية (44).»كذلك نقص عليك من انباء ما قد سلف» سورة طه (99).

«نقص عليك من أنباء الرسل وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين» سورة هود أية (120), «لقد كان في يوسف واخوته أيات للسائلين» سورة يوسف (7), «…فأنظر كيف كان عاقبة الظالمين» سورة يونس (39).

وكلمة التأريخ من حيث الاصطلاح تعني الزمن والحقبة ولا يظهر هذا الاصطلاح بالمعنى الذي ذكره «محمد بن يحيي الصولي ت 336هـ، «تاريخ كل شي من حيث اللغة غايته ووقته الذي ينتهي اليه، ولهذا يقال فلان تاريخ قومه في الجود، أي الذي انتهى اليه، وتأريخ مصدر من «أرخ» بلغة قيس وهو اللفظ الشائع عند العرب او «ورخ» بلغة تميم. ويزعم بعض المؤرخين ان لفظ «تأريخ» مشتق من تأريخ العبرية بمعنى القمر او «يرخ» بمعنى الشهر وعلى اساس هذا الزعم يكون معنى لفظ «تأريخ» التوقيت او تحديد الشهر»ويذهب روزنتال في كتابه «علم التأريخ عند المسلمين» الى ان (لفظ «تاريخ» تعريب لكلمة «ماه روز» الفارسية ومعناها حساب الشهور، والايام او التوقيت حسب القمر)

على ان المستشرق «هملتون جب» نقل عن «البيروني» في كتابه «الأثار الباقية» وعن «الخوارزمي» في مصنفه «مفاتيح العلوم» تأكيدهما خطأ رأي «روزنتال» مشدداً على الاصل السامي العام لكلمة «تاريخ» في العبرية بمعنى «تحديد الوقت» ولقد كان امير المؤمنين عمر بن الخطاب (رض) اول من استخدم هذا الاصطلاح- اعني التاريخ بمعنى الزمن والمدة- في سنة 23هـ منذ ان ادخل التقويم الهجري ثم تطور مدلول الكلمة بعد ذلك الى ان اصبح ينظر الى التاريخ من حيث هو ما يبحث فيه عن وقائع الاحداث في الزمان والمكان وهذا ما نجده عند معظم المؤرخين العرب امثال المسعودي والطبري، وابن كثير والسخاوي وغيرهم، وربما كان عبد الرحمن محمد ابن خلدون الحضرمي 732هـ-1332م-808هـ-1406م هو افضل من عرف التاريخ بقوله: انه:- «خبر عن الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الاحوال مثل التوحش والتأنس والعمران واصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر باعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث من ذلك العمران لطبيعته من الاحوال»ويعد ذلك التعريف من اجود التعريفات التي تناولت حقيقة التاريخ ومعناه، فهو تعريف فهرسي وظيفي يلخص به ابن خلدون محتويات التاريخ ويختصر وظيفته من حيث هو تدافع وتغالب وحرب وصراع. وقد عرضت دائرة المعارف الاسلامية ابعاد مصطلح التاريخ فلاحظت استناداً الى مصطلح التاريخ العربي ان مصطلح التاريخ ينصرف الى معنى عرفته بـ «التاريخ العام» أي تسجيل اهم حوادث الامم بصيغة الحوليات بمعنى تدوين الحوادث عاماً عاماً وكذلك بمعنى الاخبار مرتبة بحسب العصور.

وقد اختلفت تعريفات التاريخ بقدر اختلاف المؤرخين والدارسين، فكل يرى التاريخ من زاوية اهتمامه, وقد اجمل الاستاذ نوري جعفر الاتجاهات الرئيسة في تعريف التاريخ بما ياتي.

1- «اتجاه يرى ان كلمة «تاريخ» تدل على جميع الوقائع الطبيعية والاجتماعية في الكون منذ نشأته حتى الوقت الحاضر.

2- اتجاه يرى ان كلمة «تاريخ» تدل على ما استطاع الانسان ان يعرفه من الحوادث التي وقعت في الماضي في الطبيعة والمجتمع.

3- اتجاه يرى ان كلمة «تاريخ» تدل على جميع الحوادث التي وقعت نتيجة للنشاط الانساني» ويعرف مدني صالح التاريخ «بأنه مجمل الخبرة الانسانية في الحضارة والمدنية والثقافة» وهذا هو معنى التاريخ الذي عرضناه لابن خلدون، وهو المعنى الذي اورده مؤرخ انجليزي ماركسي معاصر من جامعة اكسفورد هو أ.ج. هويز توم في كتابه «دراسات في التاريخ» إذ يعلق على تعريف ابن خلدون للتاريخ بقوله: (اجد ان المفهوم المادي للتاريخ كما وصفه مفكر القرن الرابع عشر الكبير ابن خلدون: هو بكل تاكيد خير مرشد لأولئك الذين، مثلي كان حقلهم صعود الرأسمالية الحديثة والتحولات التي شهدها العالم منذ نهاية القرون الوسطى الأوروبية)

  ولقد اكتسب التاريخ معاني ودلالات جديدة ومتنوعة في الثقافة الحديثة والمعاصرة، إذ لم يقتصر التاريخ على اهتمام المؤرخين، بل اخذ الفلاسفة يتخذون من التاريخ موقفاً نقدياً فلسفياً، فلم يعد مجرد سرد للاحداث الماضية ووصف للمعارك وسير الملوك والابطال، وانما اشتمل على شتى مظاهر الخبرة الانسانية في وحدتها الكلية بعدها نسيج المغامرة الانسانية في الماضي والحاضر والمستقبل.

ان التاريخ يجب ان يكتب عن كل مظاهر النشاط الانساني مجتمعة كما يكتب عن كل منها منفرده، وان يكتب على نحو تركيبي كما يكتب على نحو تحليلي.

ويهمنا هنا ان نشير الى المعاني التي اكتسبها التاريخ في نظر الفلاسفة.

فالتاريخ عند المنور الفرنسي فولتير 1694-1778م «هو مسار ارتقاء الانسان من الهمجية الى المدنية» وفي هذا السياق ياتي تعريف كوندرسيه 1743-1794م للتاريخ بانه تاريخ تقدم العقل البشري(). ويعرف هيجل 1770-1831 التاريخ العالمي من حيث «هو تاريخ تقدم الوعي بالحرية» ولم يفعل ماركس 1918-1883م غير ان احل الانسان الواقعي محل عقل هيجل المجرد، «عادّاً التاريخ كله حصيلة نشاط الناس الساعين لتحقيق اهدافهم» أي ان ماركس حدد الاقتصاد وليس السياسة مفتاحاً لباب تقدم الانسان من خلال قانون الصراع الطبقي. ان النظره الى التاريخ من حيث هو تقدم وتطور وارتقاء قد هيمنت بافقها على الروح الثقافية العامة للقرن التاسع عشر، وفي ذلك يقول المؤرخ الفرنسي (اوغسطبن تيري) (سنة 1834) «ان التاريخ طابع القرن التاسع عشر يضفي عليه اسمه كما أضفت الفلسفة اسمها على القرن الثامن عشر»

لكن نموذج التاريخ الذي يتقدم باستمرار نحو الغايات المنشودة من الكمال والجمال والحق والخير، يتحطم على بوابات القرن العشرين، إذ تتحطم الحتميات السابقة والنظريات الكلية الوثوقية المتفائلة الى التاريخ الذي يمضي على مهل في طريقة الفسيح بخطى واثقة وثبات واتجاه مرسوم وغاية محددة ومعروفة. مع القرن العشرين يتبدل معنى كلمة «تاريخ» تبدلاً كلياً كتب (ادوار كار) «في غضون السنوات الخمسين المنصرمة جرت جهود جادة للاجابة عن السؤال «ما هو التاريخ؟» ذلك لان العصر الحالي هو اكثر العصور نزوعاً الى التفكير بصورة تاريخية، والانسان المعاصر يعي ذاته الى درجة لم يسبق لها مثيل، ومن ثم فهو يعي التاريخ، وهو يمعن النظر بحماسة في الفجر الذي جاء منه، أملا في ان تضيء اشعته الخافتة الظلمة التي يتجه اليها، وبالعكس فان مطامحه وقلقه في الطريق المنبسطة أمامه يشحذ همته ويقوى من عزمه، ان الماضي، والحاضر والمستقبل مترابط معاً في السلسلة التاريخية المتواصلة وعندما يعلن الايطالي كروتشه « بان التاريخ باجمعه هو تاريخ معاصر» وعندما يعلن المؤرخ الامريكي (كارل بيكر) بان «حقائق التاريخ لا تتأتى لاي مؤرخ ما لم يقم هو بخلقها» ويعلن البروفسور (اوكشوت) ان التاريخ هو تجربة المؤرخ انه ليس من صنع احد باستثناء المؤرخ، وكتابه التاريخ هي الطريقة الوحيدة لصنعه ويرى المفكر الفرنسي هنري سيمون «ان معنى كلمة التاريخ -وهي كلمة مفتاح- قد تبدل منذ قرابه ثلاثين عام.. وعندما يريد مثل «مالرو» ان يصنع التاريخ، بان يخلف ندبة في الارض وعندما يضع سارتر بالتاريخ رجاءه، وحين يرفض التاريخ ويحكم عليه كما فعل البير كامو بسائق ان التاريخ سدي فهذا معناه ان كلمة التاريخ قد حملت على معان مختلفة»ويعد المؤرخ الانجليزي هـ.أ.ل فيشر 1865-1940 ابرز من انتقد فكرة التقدم الحتمي للتاريخ، معبراً عن خيبة امله تجاه فشل الاحلام اللبيرالية بعد الحرب العالمية الاولى، بقوله «ان هناك رجالاً اكثر مني فطنة واكثر علماً قد ابصروا في التاريخ طريقاً مرسوماً متسقاً او منوالاً حتمياً اما انا فلا ارى مثل هذه الضرورة، بل ارى ظروفاً عارضة تتابع بعضها بعض كالامواج موجة تتلو موجة»مع القرن العشرين يسفر التاريخ عن وجهه الفاجع، ولم يعد من الجائز التغافل عن مكره ونزواته المتغلبة، إذ غدا التاريخ عنصراً سائلا يحمل الإنسان غداة بحر تخط فيه إرادة الانسان المؤلفة من قوى حتمية، تخط سير الابحار المتقلب الهوى والنزوات، اما المرفأ فمجهول أطلاقاً، والغرق جائز على الدوام.

لقد شهد القرن العشرون طائفة واسعة من وجهات النظر المختلفة الى التاريخ، بقدر اختلاف المنطلقات الفلسفية التي ينطلق منها المؤرخ او الدارس، فالمؤرخ لا يستطيع ان يتجنب فلسفة ما او مبدا اخلاقياً، او معتقداً ميتافيزيقيا معيناً. وعلى ذلك فمن الخير ان يتبنى تلك الفلسفة او ذلك الدستور بصراحة فيما يقول (لويس جوتشلك) «فكل دارس للتاريخ لا بد من ان يكون مادياً او مثالياً، حراً أو محافظاً، مؤمناً او متشككاً، تجريبياً او عقلياً، حتمياً أو نسبياً، حيوياً أو وضعياً، علمياً أو خيالياً… الخ» فالتاريخ عند شنبجلر (1880-1936م)، هو تعاقب حيوي حتمي للحضارات. وهو عند الماركسي لوكاتش: «تاريخ تحول المجتمع الانساني الى المرحلة الشيوعية» في حين يرى توينيي في التاريخ سلسلة من الاحداث التي ادت الى سيطرة الغرب على العالم. والتاريخ عند فرانسيس فوكاياما، «هو الانتصار النهائي لليبرالية الامريكية»

على ان صمائيل هنتجتون يعرف التاريخ (بانه صدام الحضارات) ويذهب الفيلسوف الفرنسي، روجيه جارودي الى تعريف التاريخ بانه (حوار بين الحضارات)

من كل ما تقدم نخلص الى تعريف التاريخ بانه سياق نشاط وعمل الانسان في اثناء تكيفه وردود افعاله ازاء المشكلات التي جابهته وتواجه اثناء ممارسة حياته في هذا العالم البشري على مختلف الصعد الحضارية والثقافية والمدنية.والناس تعيش التاريخ كما تعيش الاسماك في البحر ولا شيء يأتي إلى التاريخ من خارجه ولا شيء يخرج فالتاريخ هو مستودع الخبر الإنسانية في هذا العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق