ثقافة وفن

«لعنة الفقيه»

قصة من الواقع

د. إسماعيل محمد النجار

نشأ سعيد أحمد الفقيه في قرية المقاعسة محافظة اب، وتعتبر من القرى الكبيرة في المنطقة ويبلغ عدد سكانها ما يقارب ثلاثة آلاف نسمة ، سعيد الفقيه من أسرة فقهية أبَاً عن جد، توارثت أصول الفقه وتميز بينهم بحنكته وقدرته على إدارة شؤون قرية المقاعسة بذكائه الحاد وإخضاعهم لقراراته، شكله قصير ونحيف وعيناه صغيرتان وتبدوان كعيني القط عندما ينظر إليك، خفيف الحركة سريع البديهة حازم في تنفيذ قراراته يهابه سكان القرية لسيطرته الروحية، ويعتقدون أن له القدرة على طرد الأرواح الشريرة ومعالجة المرضى سواءً بالقرآن أو بما يجمعه من الأعشاب وخاصة النساء ، لا تمر شاردة ولا وارده في القرية إلا وتصل إليه ويتدخل فيها وليس هناك حالة زواج أو مناسبة فرح أو حزن إلا ويستشار فيها ويحتكم إليه سكان القرية في حالة المشاكل والخصومات ويحضرون أولادهم لتعلم القرآن والفقه ويعملون له ألف حساب في كل تصرفاتهم ، وعندما قامت ثورة ستة وعشرون سبتمبر في اليمن، انتفض عليه الكثير من سكان القرية وخاصة الشباب والمغتربين والمنفتحين وأطلقوا عليه لقب (الدجال) وفقد الكثير من ثقة واحترام الناس نتيجة الأفكار الجديدة التي تقصي كل ماضي بإيجابياته وسلبياته، واستطاع سكان قرية المقاعسة الحصول على مدرسة ابتدائية وتعتبر من أوائل المدارس التي أقيمت في الريف بعد الثورة نتيجة كبر حجم القرية ومشاركتهم في الدفاع عن الثورة والجمهورية بفعالية، وأرسل لهم المدرسين من جنسيات مصرية وسورية وغيرها لتعليمهم، ومن ضمن المدرسين المصريين مدرس تربية دينية  اسمه (رجاء بيومي) ليسانس وزوجته (نوال عطاء) ماجستير تربية دينية خريجا جامعة الأزهر، و يدرسان تربية دينية ولغة عربية ، و كلف سكان القرية رجاء بيومي بالإقامة على الجامع خطبة وصلاة بدلاً من سعيد الفقيه ليصلي بالناس ويعطيهم مواعظ عن ثورة يوليو في مصر وستة وعشرون سبتمبر في اليمن، وأصبح سعيد الفقيه شبه منبوذ من سكان القرية وجعلوه يشتد حقدا وكراهية، ونشر الدعايات وخاصة ما يتعلق بـ رجاء بيومي وكان يصفه بالفرعون والمحرف للدين الإسلامي، وافتى بعدم صحة الصلاة بعده وعدم جواز خطبته ومواعظه في الجامع و كتل بعض سكان القرية وبالذات الحاقدين على الثورة والمرتبطين به روحيا ومصلحيا ، وفي يوم السبت توفي والد رجاء بيومي مما اضطره للسفر لمصر، وعندما لم يجد أهالي قرية المقاعسة من يقيم الصلاة ويخطب ويقيم صلاة الجمعة، حاولوا إقناع بعض المدرسين للقيام بذلك ليعتذروا واستغلها الفقيه سعيد وأصحابه و ركبوا موجة الثورة والتي تحث على تعليم المرأة والمساواة بين الرجل والمرأة وأخذوا يقنعون الشباب المتحمس بأن تقيم نوال عطاء صلاة الجمعة وخاصة بأنها عالمة أزهرية ولديها ماجستير في الدين وخطيبة مفوهة، وذهب مجموعة ممثلون لسكان القرية لإقناع الأستاذة نوال بأن تخطب وتقيم صلاة الجمعة حتى يأتي زوجها ورفضت ذلك رفضاً مطلقاً لعدم جوازها شرعا، فاقترح عليهم الفقيه سعيد الاحتشاد أو التجمهر حول سكن المدرسين الملحق بالمدرسة والتظاهر حتى تقتنع الأستاذة نوال عطاء بإقامة صلاة الجمعة، وبالفعل اقتنعت على مضض دون أن تحسب للنتائج، واستعدت بلبسها المحتشم ودخلت الجامع في وسط حشد كبير من المصلين لم تعهده قرية المقاعسة، وخطبت الجمعة خطبة بليغة وفاقت زوجها وتناولت الكثير من العادات السيئة في القرية والمجتمع، ودعت لتغيير نمط حياتهم وتفكيرهم وتعليم الفتيات وبينت لهم أثر ذلك على تطور ورقي المجتمع ووضحت لهم أثر الثورة ومردودها في تطور البلاد وأن مجيئهم لقرية المقاعسة هي من فضائل ومردود الثورة التي كسرت حاجز الجهل والتخلف والتعصب الأعمى، وما أن أكملت الخطبة والصلاة حتى أثنى عليها الكثير من سكان القرية لفهمها وبلاغتها الغير معهودة، وأنتشر خبر قرية المقاعسة أن امرأة مصرية القت خطبة الجمعة وأقامت الصلاة فيهم في طول البلاد وعرضها، وما زال حتى الآن سكان القرى المجاورة يعايرونهم ويمازحونهم أن امرأة صلت بهم الجمعة وأصبح موضوعا للتندر أو الفكاهة ، لم يقتصر الأمر على سحب سلطة سعيد الفقيه من الجامع وتعليم الأولاد بل تعداه قيام رجاء بيومي بعمل عقود الزواج، وظل كثير من الناس يعتقدون ويرتبطون روحيا بسعيد الفقيه وخاصة في عقود الزواج والطلاق، وفي أحد الأعراس أصرت الأم والعروسة على أن يقوم بعقد الزواج سعيد لاعتقادهم أنه يمتلك مكرمة وبركة من الله في الزواج وأنه يطرد الأرواح الشريرة التي قد تسكن منزل العروسين، اقنع أهل العريس والعروسة الأم والعروسة أن رجاء بيومي عالم دين أزهري شرعي وأن كل ما يقولونه مجرد خرافات، فقبلتا الموضوع على مضض وقامتا بزيارة الفقيه بالشكوى وطلب النصيحة فأعطى لهم بعض النصائح والتوجيهات أن باب المنزل يسكنه نجم شيطاني، ولذا على العروسة تجنب الدخول منه حتى لا يسكن الشيطان في روحها، ونصحها أن تربط ويتم اطلاعها من خلف الدار للدور الثاني لتدخل من النافذة حتى تتجنب المس الشيطاني، وعندما وصلت العروسة لباب الدار رفضت العروسة ووالدتها الدخول بحجة أن باب المنزل مسكون بنجم شيطاني فاضطروا للموافقة ووضعوا جلسة للعروسة من السعفة (جلد الحيوان وكان يستخدم زمان في نزع الماء من الآبار) ووضعت العروسة عليه وربطت بالحبال وتم سحبها من النافذة وتعرضت لسحجات أو تخريش وجروح نتيجة احتكاكها بجدران الدار حتى أدخلت من النافدة وسميت هذه القصة بقصة النجم ، ولا زالت هذه القصة متداولة عند كثير من الناس وأصبحت مثار حديث ودعابة عند سكان قرية المقاعسة والقرى المجاورة ًايضا. .

ابتعد سكان القرية عن سعيد الفقيه بعد نصيحته للعروس وأمها وتجنبوا التعامل معه حرصا على عدم الإيقاع بهم ،وفي احد الأيام أصيب بدملي ( خراج ) في إبطه وسبب له ألم وحمى شديدان استنجد وترجى الكثير من سكان القرية وأولاد عمه لفتح الدملي أو اسعافه ليتم فتحه او معالجته ولكن الجميع رفض ولم يسعفه إلا أحد الأشخاص المنبوذين في القرية ويدعى سالم المسلماني، أخذ سكين وقام بإحمائه بالنار لتطهيره ثم جعله بارداً ليفتح الخراج أو الدملي ويفجر القيح  وأثار رفض سكان القرية مساعدته حفيظته وأوجد لديه روح الانتقام ، و على أثر حدوث مشاكل بين قرية المقاعسة مع قرية المناقشة المجاورة على موضوع الماء الذي يقع في الحد بينهما وتطورت لحدوث قتلى ثلاثة من المناقشة واثنين من المقاعسة، واستمرت المشاكل فترة ثلاث سنوات و لسعيد الفقيه دورا مسببا لحدوثها واذكائها، حاول كثير من وجهاء المنطقة التدخل والصلح وتم الاتفاق على تعيين ممثلين للطرفين لأنهاء المشكلة، ولم يجد الوسطاء وسكان المقاعسة والقرى المجاورة أفضل من سعيد الفقيه للقيام بهذه المهمة لحنكته ومعرفته بالأمور الشرعية والقبلية، وذهب الكثير من أهالي المقاعسة لمقابلة الفقيه سعيد وعرضوا عليه الأمر ورفض قائلاً : اذهبوا للأستاذ رجاء ليقوم بالمهمة فهو أكثر علماً مني بعلوم الدين والشرع ،أما أنا أفكاري رجعية ولا تفيدكم بشيء ، وبعد جهد كبير بذل مع الفقيه سعيد اقتنع بالقيام بالمهمة شريطة إعطائه توكيل عام وموقع من جميع أفراد قرية المقاعسة ، وتم إعداد فريق من أهالي القرية للتفاوض مع قرية المناقشة لحل الإشكال وتولى المهمة سعيد الفقيه وبحنكته استطاع إقناع الطرفين بحل المشكلة ويتضمن الحل دفع دية الشخص الثالث من قرية المناقشة واعتبار المنطقة المتنازع عليها أرض مشاعة بين القريتين ويستخرج الماء ويتم إيصاله لخزان كبير فوق تبة مرتفعة، ليتقاسم الماء الطرفان وهكذا زادت شهرة سعيد الفقيه .

وعند توقيع الصلح دعا سعيد الفقيه سكان قريتي المقاعسة  والمناقشة والقرى المجاورة لحضور إعلان الصلح وإشهاره في سوق الجمعة التابع للمنطقة، وحضر ما يقارب من ألفين من المقاعسة والمناقشة والمتسوقون من القرى المجاورة ، وبينما ينتظر الجميع ما سيقوله الفقيه سعيد وقف على صخرة مرتفعة ليقول : أيها الحضور الكريم .. لقد تعرضت لمرض شديد كاد أن يفقدني حياتي وطلبت من سكان قريتي المقاعسة مساعدتي بفتح الدمل أو الذهاب لمن يملك خبرة في فتحه ومعالجتي من الحمى والألم وتنكر لي الجميع حتى في مرضي ولم ينقذني إلا سالم المسلماني، فتح الخراج وضمده وعلى الرغم من استهانة المقاعسة به فهو يملك مشاعر إنسانية ورحمة .. أيها الحضور لقد أعطاني سكان قرية المقاعسة توكيل عام وبموجب هذا التوكيل أعلن طلاقي لنساء كل من وقع على هذا التفويض ماعدا من طلقت زوجته مرتين وجميع الحاضرين شهود بما أقوله ، تفاجئ الحاضرون بما طرحه وكانوا يعتقدون إعلانه للصلح ، أثار ما قاله بلبلة وضجة بين غاضب وشاتم من سكان قرية المقاعسة وبين ضاحكاً و متشفياً من القرى المجاورة، وعلى الرغم من غضب سكان قرية المقاعسة وتهديدهم بقتل سعيد الفقيه اضطروا للرضوخ والاستكانة للخروج من مشكلة طلاق نسائهم وهكذا أدب كل واحد منهم على حده ليعيد لهم نسائهم بموجب التوكيل العام  . لم يمضي خمسه عشر سنة حتى سيطر سعيد الفقيه على المدرسة والجامع ومشروع الماء وأصبح يديرهم باسم الثورة والجمهورية، واعتبر شيخا للمنطقة كاملة ليعتمد عليه في تأديب من يخرج عن الدولة وفي إنجاح المرشحين للانتخابات، ولم يكن هناك احتفال أو تجمع يحضره الا وينقل تحية الأخ الرئيس والثورة والجمهورية ويتحدث عن اتصالاته مع الرئيس والمحافظ مرددا: قال لي وقلت للرئيس، ليضيف لسلطته الروحية سلطة الدولة ومن يعارضه في قريته أو المنطقة فهو خائن للوطن والثورة والجمهورية .

كان سعيد يردد دائما على سكان المقاعسة نتيجة لحقده عليهم: (ستلحقكم لعنتي حتى بعد وفاتي) وعندما مرض سعيد الفقيه تعاطف جميع سكان قرية المقاعسة معه وطلب منهم طلباً لا يرفض عند وفاته: لا يهللوا عليه ولا يقرؤوا القرآن وإنما يأتوا بفرقة برع ورقص ترافقه أثناء مراسيم موته ودفنه ، حرص سكان المقاعسة على تنفيذ وصيته حتى لا تؤذيهم دعوته وسلطته على الرغم من عدم قناعتهم .

وعندما توفي سعيد الفقيه أحضر سكان قرية المقاعسة فرقة للبرع والرقص أثناء الموت والدفن ليرقصوا ويبكون حزنا وتم إبلاغ المحافظ من قبل من كان يعتمد عليهم في سلطته أن سكان المقاعسة قد خرجوا عن الدين وما يتبع في حالة الموت من ذكر وقراءة القرآن، واشتد غضب محافظ المحافظة وأرسل اثنان أطقم عساكر برشاشاتها لسكان قرية المقاعسة ليدخل كل من اشترك في البرع والرقص للسجن وهكذا لحقت لعنة الفقيه سعيد أهالي قرية المقاعسة حتى بعد وفاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق