ثقافة وفن

عرض وقراءة في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون)

وتعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليه (15-18)

شهادة عالم أنحنى للحق وهو يجسد التواضع

شهادة عالم أنحنى للحق وهو يجسد التواضع

يقول المفكر السوداني الإنساني محمود محمد طه: «التواضع هو أصل الخلق الرصين، الذي يسوق إليه العلم الصحيح».

جاء في صدر الطبعة الثالثة من كتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، التي صدرت عن دار بدوي للنشر (ألمانيا)، 2022، والكتاب هو موضوع سلسلة حلقاتنا هذه، شهادة قدمها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، عميد كلية الآداب (الأسبق)، وأستاذ كرسي تاريخ السودان بجامعة الخرطوم، في حق الكتاب وفي حق المقالات الثلاث لمؤلفه الدكتور عبد الله الفكي البشير، والتي جاءت تعقيباً على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذة تاريخ السودان الحديث والمعاصر، ومديرة جامعة الخرطوم (السابقة)، كتب البروفيسور حسن أحمد إبراهيم لعبدالله الفكي البشير، قائلاً: «أخي الأستاذ عبد الله.. تحياتي اطلعت بِحرصٍ شديد على المقالات الثلاث التي أجدها محقة في ما ذهبت إليه من قُصور في الدراسات السُّودانيَّة وفجوة لابد من الاعتراف بِها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤُوسنا في الرمال. ولا أدري لماذا يُكابِر الناس حيث أن ما قلته في سفرِك القيَّم عين الحقيقَة. أشكرك على لفت نظَرِنا جميعاً لهذا الأمر المهم. لك الود والتقدير». حسن.

علَّق الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، مدير جامعة ود مدني الأهلية، على شهادة البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، مخاطباً عبدالله الفكي البشير فكتب، قائلاً: «قلادة شرف لك واعتراف عالم انحنى للحق».

نواصل في هذه الحلقة حديثنا بعرض ما كتبه الدكتور عبد الله الفكي البشير في تعقيبه على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ.

الحاجة الماسة لممارسة النقد الذاتي

أود في هذه الحلقة أن أركز النظر والفت الانتباه إلى دعوة عبدالله وتأكيده على أننا في حاجة ماسة لممارسة بعض النقد الذاتي. فمن واقع هذا المقال، ومن واقع بعض ما ورد في كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، يتضح أن ضعف الصلة بمصادر الدراسات السودانية في دار الوثائق القومية، أمرٌ موروثٌ وماثلٌ ومتوسعٌ في الأكاديميا السودانية، وليس فقط لدى طلاب البروفيسور فدوى. يضاف إلى ذلك أن هذا المقال، والذي اتاحت فرصته البروفيسور فدوى وهي مشغولة بطلابها، وهذا شيء جيد، كشف في بعض تجلياته وآفاقه الكثير مما هو غير معلوم لدى الكثيرين من أساتذة تاريخ السودان السياسي بشأن الأستاذ محمود والحزب الجمهوري، على أقل تقدير حجم النشاط خلال الفترة ما بين 1952- 1958. أكثر من ذلك فإن المصادر التي تعتمد عليها الأطروحات في تاريخ السودان السياسي، لا سيما المذكرات والسير الذاتية وكتب الحركة الوطنية… إلخ، مصادر تحتاج منا لما انطوت عليه، لاعمال الحس النقدي، فبعضها كمصدر للتاريخ قليل الفائدة، ومنها ما هو ضعيف، وبعضها الآخر لا قيمة له، وقد فصلت ذلك في الفصل السادس عشر. فقد هُمش وغيب الكثير مما هو مركزي في تلك المصادر.

الشاهد إن المسؤولية جماعية، نحن شركاء في هذا الأمر، أمر التغييب والتهميش، سواء بنقد إرث تاريخنا أو نقد إنتاج وإرث الأكاديميا السودانية، ومن ثم السعي الجماعي لتصحيحه.فليس طلاب البروفيسور فدوى، هم المقصودون، وليس البروفيسور فدوى هي المقصودة، وإنما جاء ذلك في اطار نقد لمناخ وإنتاج وإرث للأكاديميا السودانية في ما يتعلق بالأستاذ محمود محمد طه ومشروعه.

إن القضية،في تقديري، أكبر وأعمق وأشمل من طلاب البروفيسور فدوى، فالتغييب والتهميش والبتر للمعارف، يعود أيضاً إلى إشكاليات تتصل بالفشل في إدارة مجتمعات التعدد الثقافي، فهي مجتمعات تحمل في داخلها القابلية لتزوير التاريخ.  كما أن المسؤولية عن التزوير لا تقع على جهة بعينها، ولا تتحملها جماعة بعينها، أو ثقافة بعينها، فالكل عندي ضحايا، وإنما هي مسؤولية جماعية، والتصحيح لهذه الأوضاع هو أيضاً مسؤولية جماعية، وهو عمل جماعي. فأداء الأكاديميا السودانية عمل تراكمي، وإرث مؤرخي السودان، قد تحكمت فيه عوامل عديدة ومتداخلة، لهذا فمن الواجب أن نبدأ بالتصحيح عبر الحوار والنقد واستنهاض المروءة الأكاديمية. فالتغييب والتهميش وبتر المعارف في عقول الطلاب، في تقديري، هو أحدأسباب بتر الأراضي، ولا يمكن قراءة ما حدث لجنوب السودان، وما يعيشه السودان اليوم من حروب ومن مناخ تشظي، بمعزل عن بتر المعارف في عقول الطلاب، وسجل وأداء الأكاديميا السودانية.

سأواصل في الحلقة القادمة…

مقترح بحث ماجستير أو دكتوراه

أكاديمي علمي محايد متكامل

عن هذا المقترح كتبت البروفيسور فدوى، قائلة: «ختاماً أتمنى أن تسنح لي الفرصة لأشرف على بحث ماجستير أو دكتوراه  أكاديمي علمي محايد متكامل يتناول بالتحليل والنقد الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري».

عقب عبدالله على هذا، قئلاً: (ننا قبل التأمل في الدعوة للإشراف على بحث ماجستير أو دكتوراة  أكاديمي علمي محايد متكامل، علينا في الأكاديميا السودانية، أن نمارس النقد الذاتي بشأن اطلاقنا للأحكام، عن أنشطة الحزب الجمهوري ودوره في الساحة السياسية. وعلينا العمل على تحرير العقول من الصورة النمطية التي ورثتها الأكاديميا السودانية من المؤرخين، وسارت عليها، بشأن دور الأستاذ محمود والحزب الجمهوري في تاريخ السودان السياسي. وعلينا كذلك الانفتاح على الأرشيف، وبعث الوثائق واستنطاقها، وأن لا نستكين لما لدينا من معارف، أو ما هو معلن من التاريخ. لأن الإِشراف لا قيمة له إذا لم نكن منفتحين بما يكفي على الأرشيف، ومتحررين من التسليم بالصورة المنمطة.

من المهم الإِشارة إلى أن الدراسات الأكاديمية في العالم قد قطعت شوطاً كبيراً في دراسة مشروع الأستاذ محمود، من السودانيين وغير السودانيين. لقد سبق وأن رصدت أكثر من 25 أطروحة، أنجزت في مختلف أنحاء العالم. يضاف إلى ذلك، أنه في هذه الأيام تحديداً، وبناءً على اتصالات مباشرة معي، هناك أطروحة دكتوراة في أربيل، كردستان العراق، وأخرى أطروحة ماجستير في بوسطن بأمريكا، وثالثة أطروحة ماجستير في نيويورك بأمريكا، ورابعة أطروحة دكتوراة في تونس (أعتقد أنه تم انجازها).

وحسب مراقبتي وتقديري، فإن النشر والاصدارات في السودان خارج دوائر الأكاديميا السودانية، أصبح أكثر كماً وكيفاً، ولم تعد دور النشر الملحقة بالجامعات السودانية، منبعاً للإنتاج الفكري ومغذية بما يكفي للسوح الثقافية والفكرية في السودان. فالأمر قد تجاوز الأكاديميا السودانية بأطروحاتها وبدور نشرها. ففي هذه الأيام، وحسب متابعتي، هناك أكثر من (15) كتاباً عن الأستاذ محمود محمد طه ومشروعه بصدد النشر، أعدها أكاديميون وباحثون، وبعضها دخل المطابع، وقد شرفني بعض مؤلفيها بكتابة مقدمات لكتبهم. من هذه الكتب: ثلاثة كتب عن دور الأستاذ محمود محمد طه في الحركة الوطنية السودانية، وكتاب بعنوان: بعض أوراق جمهوري: (السودان: بلدٌ وشعبٌ وفكرة)، وكتاب عن ثورة رفاعة/ الخفاض الفرعوني، وكتابين عن أدوات التبليغ عند الأستاذ محمود محمد طه، وكتاب عن: النظرية الروحية للبيئة والتنمية مأخوذة عن فهم مؤلفات الأستاذ محمود محمد طه (حالة البيئات الجافة بالسودان)، …إلخ.

تجديد الدعوة للحوار

حرص عبدالله على تجديد الدعوة للحوار حول الأستاذ محمود ومشروعه الفكري، وذلك في ختام تعقيبه وتناوله الواسع، والشامل، لما ورد في نقد البروفيسور فدوى لكتاب الأستاذ محمود والمثقفون. وفي تقديري، أن هذه الدعوة جديرة بالاستجابة، خاصة في هذه الأيام بالتحديد التي لفتنا فيها الحيرة ونحن نبحث عن حلول لأزمات بلادنا التي تكاد تعصف بنا، ونبحث عن مخرج يؤمن مصير هذه البلد، ومصير شعبها، الطيبين.

فقد كتب عبدالله يقول:

(أرجو أن تسمح لي البروفيسور فدوى، فأكرر شكري لها، على اهتمامها ونقدها وتوضيحها. فقد أعجبني نقدها، إذ كان نقداً علمياً وبناءً، سيساهم قطعاً في ترفيع مستوى الحراك والسجال، وفي استرجاع منابر الحوار بشأن الأستاذ محمود ومشروعه. وفي الختام أجدد ما جاء في مقدمة كتاب: الأستاذ محمود والمثقفون، من دعوة للمثقفين من أجل الحوار والنقد، عن الكتاب. جاء في الدعوة: «ختاماً أستميح القارئ الكريم عذراً، بأن أقدم هذه الدعوة والنداء من أجل انطلاق حوار جديد… فقد اختطف الفقهاء والوعاظ  منابر الحوار وسوح السجال، وسيطروا عليها في السودان وكذلك العالم الإسلامي، وقد تجلى ذلك بوضوح، كما يبينه هذا الكتاب، في الحوار الذي تم مع الأستاذ محمود محمد طه… ان الحوار والسجال في حاجة إلى التطوير والضبط والتقنين بالعلم والأخلاق. لهذا فإنني أذكِّر نفسي أولاً، والآخرين ثانياً فأقول: أرجو من النقاد والمختلفين في الرأي والرؤية معي، في السودان وفي غيره، وبالمثل أطالب نفسي، ومن أجل إثراء الحوار الفكري أن يكونوا في هذه الجولة (وفي تقديري أن هذا الكتاب يدشن الجولة الثانية من الحوار بشأن مشروع الأستاذ محمود) علميين في نقدهم وفي التعبير عن اختلافهم وفي دحضهم الحجج وتفنيدهم لما أتيت به. كما أرجو منهم، ومثلما سعيت في كتابي هذا، وأرجو أن أكون قد وفقت، إلى أن ألتزم التزاماً صارماً بالمنهج التوثيقي، أن يكونوا هم كذلك. أن يتحدثوا بالوثائق والأدلة والبراهين العلمية، وبلغة العقل لا لغة الخطابة والعاطفة. لنستهل جولة جديدة من الحوار الجديد».

سأواصل في الحلقة القادمة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق