ثقافة وفن

قراءات

الله جل جلاله (6)

محمد المنتصر حديد السراج

نواصل عرض ما كتبه جاك مايلز في (سيرة الله) التي هي سيرة الغرب بشقيه الأوربي والأميركي على حد قول مايلز الذي يؤكد على تجسيد (الله) بشرا مفكرة متأصلة في الغرب اليهودي المسيحي بإرثه اليوناني الوثني، بكل رذائله وفضائله.

فيما مضى وقفنا عند قول مايلز وهو يتحدث عن المسرحية الكوميدية بعنوان (صفي الله) و التي بنيت على (سفر أيوب) … قوله: ولأن الهزلي ينتفي بانتفاء الرصين، كما يقول أوسكار وايلد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو من أين جاءت فكرة الله الرصين إلى أذهان جمهور (برودوي) الذي كان مهيئا للضحك بملء فيه؟

يواصل مايلز القول: لابد أنها جاءت من الكتاب المقدس، وبعبارة أدق، فإنها جاءت من أولئك الذين كتبوا الكتاب المقدس. أما المؤمنون فلا يرون في الكتاب المقدس مجرد كلمات عن الله، فهو بالنسبة لهم كلمة الله أيضا، أي أن الله هو مؤلفه فضلا عن كونه شخصيته الرئيسية. وسواء كان الأقدمون الذين كتبوا الكتاب المقدس قد أبدعوا الله أو اكتفوا بتدوين وحيه، فإن عملهم هذا قد حقق نجاحا م هلا، كما يقال.

فمنذ ألفي عام وهو يتلى جهارا كل أسبوع على جمهور يتلقاه بأقصى الجدية ويسعى عامدا الى تعميق أثره عليه. ومن الصعب أن نجد للكتاب المقدس نظيرا من هذه الناحية، سواء في الأدب الغربي أو الآداب الأخرى.

وقد يخطر (القرآن) على الذهن هنا، لكن المسلمين لا يعتبرون القرآن أدبا، بل يحتل لديهم منزلة ميتافيزيقية خاصة تماما. أما اليهود والمسيحيون، وفي الوقت الذي يجلون فيه الكتاب المقدس بوصفه أكثر من مجرد عمل أدبي، فإنهم لا ينكرون أنه عمل أدبي أيضا، وأن من الممكن تناوله من هذه الناحية دون الوقوع في المعصية.

… ولقد زاد أجدادنا من صعوبة الأمور التي تواجهنا إذ نظروا إلى أنفسهم على أنهم صورة لإله زاد مثلهم من صعوبة الأمور التي تواجهه. فالتوحيد لا يعرف سوى إله واحد. وإلحاح الكتاب المقدس على وحدانية الله لا يدانيه إلحاح آخر.

فالله هو (صخرة الدهور)، وهو التمام والكمال في شخص. ومع ذلك فإن هذا الكائن نفسه يشتمل على شخصيات عدة. ولو اقتصر الأمر على الوحدة وحسب (على الخلق وحده) أو على التعدد وحسب (الشخصية وحدها) لكان أسهل بكثير، إلا أن صورة الإنسان المستمدة منه تقتضي الإثنين.

والحقيقة أن الله ليس قديسا، مهما بدا هذا القول غريبا، فهو يتمتع بكثير مما نعترض عليه، وقد بذلنا محاولات كثيرة لتحسين صورته. ونعلم أيضا أن كثيرا مما يقوله عنه الكتاب المقدس نادرا ما يتلى في المواعظ الكنسية إذ يكاد أن يكون لو تفحصناه عن كثب، بمثابة الفضيحة. لكن الإحجام عن تلاوة هذه الأشياء في المواعظ لا يعني أن ثمة تنكرا كاملا لها بأي حال من الأحوال. فالله على الصفحات التي لم تهذب كما ينبغي في الكتاب الَمقدس، يبقى كما كان من قبل: الأصل الذي آمن به آباؤنا ولم تزل صورته حية فينا على هيئة مثل أعلى يصعب التوصل إليه لكنه دنيوي ودينامي.

هذه بعض سيرة الله كما يعرضها جاك مايلز وكما يتمثلها الغرب وفي حلقات قادمة نناقش هذه الأقوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق