سياسة

ما هي رؤية السودان لسنة 2030 …؟

بدر الدين العتَّاق

اطلعت على رؤية المملكة العربية السعودية لسنة ٢٠٣٠ في كافة المجالات الحياتية فإذا هي مذهلة للغاية وتقوم على أسس علمية ومهنية ومنهجية وجدولة زمنية ممتازة جداً وتكنولوجيا حديثة وخطى ثابتة تدعوا للتأمل والاحتذاء بلا شك؛ كما اطلعت على رؤية جمهورية مصر العربية في ذات الصدد وهي من الجدارة بمكان تجبر على احترام العقل الجمعي المصري الوطني الغيور على بلده والحفاظ عليها وعلى اللُحمة المجتمعية بأي ثمن كان ومهما بلغت التحديات والمعوقات فالطموح لا يحده حدود وهدَّك من بناء العاصمة الإدارية الجديدة التي تفوق امكانياتها للبنى التحتية إمكانية سنغافورة بدون مبالغة وأطلق عليها اسم الجمهورية الجديدة؛ إذ تحوي كل الأسس العلمية المتقدمة والمدروسة وتواكب كل المستجدات في الساحة العالمية في كل المجالات الحياتية أيضاً.

لكن؛ لم أطلع على رؤية السودان لسنة ٢٠٣٠؛ وكل القراءات والمؤشرات على الساحة بعامة لا تجد فيها غير الرجوع والتراجع للوراء إلا لماماً؛ وأبرز ما فيها :

الحروب القبلية؛ غياب الدستور الثابت المرجعية الأساس لحكومة جمهورية السودان؛ صفرية البنى التحتية؛ التشاكس والخلافات السياسية التي فاقت المئاتين حزباً سياسياً كلهم يريد أن يحكم السودان؛ غياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى؛ تعدد الجيوش في بلد يعج بالاثنية والعرقية ونسبة كبيرة من الأمية؛ المعارك غير المنتهية في الخلافات الايدولوجبة ومثالها : الصوفية وأنصار السُنَّة؛ الإسلاميون التقليديون والتجديديون ( الحزب الجمهوري؛ نموذجاً ) ؛ الأحزاب السياسية التقليدية والمنشقة عنها برؤى وأفكار طليعة ( انتشار وانشقاق سرطاني مخيف ) ؛ الصدام بين الموروث الثقافي المجتمعي وعصر العولمة والانفتاح العالمي ( القوننة والأعراف والعالمانية ) ؛ الصراع بين المزارعين والرعاة والتغول على الأراضي وقتل النفس بغر نفس بدم بارد وثمن بخس رخيص ( دارفور نموذجاً ) وذات الصلة ؛ القتال بين المكونات القبلية والمتعايشة في منطقة واحدة ( الهوسا بالنيل الأزرق؛ نموذجاً ) وليست قضية الكنابي بولاية الجزيرة وما أشبه ببعيدة عن الاذهان ؛ اراقة الدماء تسلقاً وتملقاً للسلطة والكراسي ( الفترة الإنتقالية الانتقامية نموذجاً؛ وحقيقة الأمر منذ الاستقلال لم تتوقف الدماء النازفة حول كرسي الحكم لكن أظهرها بعد سقوط النظام السابق ٢٠١٩ )؛ صفرية الإنتاج والإنتاجية وضياع المواطن سمبلة تحت أقدام الفيلة المتعاركة ( المشروعات الزراعية بعامة ومشروع الجزيرة بخاصة ) ؛ وغيرهم الكثير؛ دوامة لا أرى لها نهاية قريبة .

أنا لا أضع الحلول فأنا لست دولة ودوري المنوط هنا تبصير أولى الأمر فيما غاب عنهم ونسوه أو تناسوه رغم درايتهم الكاملة بمجريات الأحداث في السودان؛ لكني أقترح الآتي :

* وضع دستور دائم للبلاد يتفق عليه كل المكونات السياسية والشعبية وبالتحديد الثوابت الوطنية السودانية المحلية؛ ( الدستور الأميركي لا تتجاوز عدد صفحاته الثمانية صفحات وعمره ثلاثمائة سنة تقريباً ) .

* تقسيم السودان إلى خمسة أقاليم؛ وأن يكون نظام الحكم فيها نظاماً ديمقراطياً فدرالياً.

* وضع الخطط والبرامج الاستراتيجية طويلة المدى للدولة السودانية بأسس علمية ومنهجية تراعي العلاقة بين الفرد والجماعة كما تراعي العلاقة بين الحكومة والمواطن؛ وكذلك العلاقة بين الدولة والمجتمع الدولي.

* الدراسات العلمية للبنى التحتية وإيجاد بدائل فورية واسعافية لتغيير الوضع السالب حالياً لوضع إيجابي متين ؛ وإنشاء مدن وقرى بمواصفات حديثة تواكب سرعة الحراك العالمي في ذات الشأن ( القرى المحاذية على الشريط النيلي نموذجاً ) .

* التركيز على المسارات الخمس الآتية وتطويرها وقوننتها ومراجعتها دورياً تماشياً مع حركة الحياة ومستجداتها :

١ / المسار السياسي.

٢ / المسار الإقتصادي.

٣ / المسار الأمني.

٤ / المسار الإجتماعي.

٥ / المسار الخدمي.

*  الإهتمام بالإعلام الهادف (المقروء والمسموع والمشاهد ) الذي يحقق الطموح المطلوب والخطط الموضوعة للدولة وأن يراعى فيه حرية التعبير الموضوعي التصحيحي وخدمة الجميع وأن تراجع فيه القوانين والتشريعات ذات الصلة مع سن قوانين مرنة معالجة للسلبيات .

* قضية الهوية الوطنية السودانية؛ أن تكون هي السودانية؛ دون القبلية والاثنية والعرقية والعنصرية وخلافه؛ السودان أولاً السودان دائماً.

مما سبق أخص بالذكر وألفت الإنتباه لمعالجة وتحسين وتوفيق أوضاع سياسة قوانين المؤسسات الآتية :

١ / الهيئة السودانية العامة للمواصفات والمقاييس وضبط الجودة الشاملة.

٢ / إدارة الجمارك والضرائب والجبايات والرسوم الحكومية وأن لا تكون نظرتها ورؤيتها مادية محضة بقدر ما تكون خدمية اقتصادية تنموية في المقام الأول .

٣ / هيئة الإستثمار العامة أو وزارة الإستثمار؛ ضعف اعلامها من ضعف القبول عليها وصولاً إلى شروط وقوانين مرنة تحتاجها الدولة السودانية والمواطن على السواء .

٤ / التعليم ومرتكزاته الثلاث بكل المسميات والمستويات : المعلم؛ المنهج؛ البيئة التعليمية ( التمويل بالتحديد ) .

٥ / الصحة والخدمات ومعاش المواطن وتحسين الأداء الوظيفي والموارد البشرية والطبيعية .

٦ / الهيئة العامة للأبحاث الجيلوجية؛ التعدين ومصادره وانتاجه فهي ضعيفة وغير مواكبة وبطيئة الإنتاج ومستغلة استغلالً سيئاً ومهملة غاية الإهمال .

٧ / وزارة الإسكان والمرافق العامة وبالأخص صندوق الإسكان والتعمير والشئون الهندسية بالولايات والمركز بالتعاون مع الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس؛ من الأهمية بمكان لا يستهان به .

٨ / الطرق والجسور والسدود؛ وحبذا فصل الجسور عن الطرق الداخلية والقومية والقارية والحدودية وعمل هيئة خاصة به تأسياً مع الدول الكبرى كما للسدود هيئة قائمة بذاتها .

٩ / هيئة المياه وشبكة الكهرباء؛ والعمل على الإستفادة القصوى من السدود والخزانات الوطنية في توليد الطاقة الكهربائية؛ كذلك الدول الجارة.

١٠ / تنفيذ وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي وما يلزم وكذلك النظافة والبيئة الصحية للدولة .

١١ / تعبيد وتأهيل الطرق الداخلية والولائية؛ وبالذات طريقي الخرطوم مدني ( شارع الموت ) والخرطوم دنقلا ( شارع التحدي )؛ فهما مخالفين للمواصفات والمقاييس العلمية الدولية مخالفة تستحق التجريم وأم درمان بارا بالذات .

١٢ / الزراعة والصناعة والري والرعي والحِرف والمِهن الهامشية والصناعات الخفيفة والثقيلة والتنمية والبحوث الأكاديمية والنقل ( جواً وبراً وبحراً وتحسين الناقل الوطني ) والمواصلات والعملة المحلية والتنقيب على البترول والغاز الطبيعي والموارد الطبيعية وعمل مشروعات للطاقة النووية والشمسية وإنتاج الكهرباء وبناء السدود والخزانات وشبكات الصرف الصحي والتصنيع الحربي والعتاد اللوجستي؛ يجب أن تصب جميعها في إطار مصلحة الوطن والمواطن على غير تلك القوانين والتشريعات المقيدة ذات التقاطعات المنفعة الضيقة حزبية كانت أم سياسية أم شخصية .

١٣ / السياحة والفندقة والآثار والمتاحف والثقافة؛ موارد مالية ضخمة في طي النسيان.

١٤ / أخيراً وما زال في النفس شيء من حتى لم أقله كراهة الملل والعزوف والزهد والانصراف عن مقالي هذا ؛ الإنسان السوداني؛ مركز الحركة والحياة المورد الأهم والأقيم في الرؤية الطموحة لجمهورية السودان الديمقراطية على امتداد التاريخ الحياتي له؛ يجب أن يجعل جهده التعايش السلمي والحياة الكريمة بدلاً عن الاحتراب والكراهية والاقصاء والجهوية والعنصرية والضمير الخرب الذي لا يفضي لغير الجهل والتخلف والموت الزؤام وابعاده من خارطة الوجود الجغرافي لسكان الأرض وليكن الحب والسلام والأمن والعطاء ديدنه فذلك أزكى وأذكى وليكن شعارنا جميعاً : السودان أولاً ؛ السودان دائماً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق