ثقافة وفن

المعنى الحقيقي للأفراح

العرس المغربي ... بين الحاضر والأمس

أميمة الحاجي*

بتراثه الأصيل وعراقة تاريخه يعتبر المغرب من بين أبرز الأوطان التي ستكون محظوظا إذا حضرت أحد مناسباتها، خصوصا الأعراس، فرغم أننا نتحدث عن دولة واحدة إلا أنك ستلاحظ بعض الاختلاف من مدن أخرى ومن منطقة لغيرها خصوصا بين المدن التي تخلت عن بعض العادات المعقدة خصوصا لدى الأمازيغ، أو التي تكتسي سلوكياتها بعضا من الجهل أو الخرافة والتي لن تجدها حاليا إلا في بعض القرى والبوادي وبهذا تم إضفاء بعض التحسينات العصرية والراقية على العرس المغربي مع مرور الوقت.

فلطالما حرس الشعب المغربي على المحافظة وصيانة موروثاتهم الثقافية وعاداتهم من جيل إلى جيل رغم المحاولات الفاشلة لبعض الجهات في نسبها إليهم.

فحتى إذا لم تكن مغربيا فلابد أنك سمعت يوما عن أعراسهم وحلمت الكثير من الفتيات بعرس مثله خصوصا ارتداء القفطان المغربي والركوب في العمارية. كما أن كرم وحسن ضيافة أهل البلد انعكست بكل تأكيد على مناسباتهم وطريقة احتفالهم بها بداية برش العطر على الضيوف ترحيبا بهم وتعبيرا على فرحهم بمجيئهم ونهاية بتوديعهم وشكرهم على تلبية الدعوة ومقاسمة الفرحة.

فالعرس المغربي الأمازيغي وهو ما يسمى بالأمازيغية (تمغرا)، والذي قد تدوم مراسيم الاحتفال به  سبعة أيام في العديد من المناطق (كمنطقة أو جهة سوس ماسة) مثلا، فقبل ذهاب الفتاة إلى منزل زوجها بيوم واحد تتحضر لحفلة الحناء بعد عودتها من الحمام مرفوقة بصديقاتها وأخواتها إلى جانب قريناتها من العائلة لتجلب لهن حسب المعتقدات الموروثة الحظ في العثور على عريس مناسب في أقرب وقت.  وقبل لقائها بزوجها ترتدي العروس ثوبا تقليديا أبيض و››شربيلا›› باللون الأحمر وهو (أحد الأحذية التقليدية المعروفة جدا لدى الأمازيغ) وتزين رأسها بما يطلق عليه ‹›القطيب›› وهو (غطاء مزركش يحمل في طياته رمزا لتاريخ يمتد لقرون)، قد يدل في الأغلب على أن مرتديته أمازيغية نظرا إلى أن الكثير من المغربيات يرتدينه في المنزل أو المناسبات لجماله وحبا في الزي الأمازيغي كونه موروث مغربي في نهاية المطاف.

إلى جانب هذا تضع العروس على شعرها نبتة تدعى ‹›الحبق›› وبعض المجوهرات الثقيلة وزنا وقيمة والمصنوعة من الفضة أشهرها ‹›الخلخال›› و››تزرزيت››.                                                     بعدها تسارع أمها لفتح الباب قبلها وغلقه ثلاث مرات متتالية ظنا منها أن هذا السلوك سيجلب لابنتها الحياة الزوجية السعيدة والذرية الصالحة، مباشرة بعد فتح الباب يتم المناداة على أحد الشباب من أقرباء العروس قد يكون أخاها في معظم الأوقات ليحملها ويساعدها على ركوب الحصان، في هذه الأثناء يعم المكان أهازيج وزغاريد هنا وهناك وباقة من الأغاني الأمازيغية المليئة بالحكم والمشاعر، سواء المتعلقة بفرحهم بزواج فرد من العائلة أو حزنهم من اشتياقهم له مستقبلا.

أما العريس هذه المرة فيخرج أمام الباب رفقة العائلة والأحباب أو يصعد سطح منزله منتظرا بذلك وصول عروسه أو أدنى إشارة على اقتراب مجيئها فوق حصانها أو العود، لتمطر السماء تمرا ولوزا أو بالأحرى يطلب من العريس رمي التمر للعائلة وبدورها تقوم بالتقاطه، هنا ينادى على الشاب المذكور سابقا ليعيد حمل العروس واصطحابها إلى زوجها ليناولها الحليب قبل الدخول للمنزل، ولا تقف المسألة هنا بل تواصل العائلتان وأهل القرية الاحتفال لأزيد من ثلاثة أيام … 

وإذا قارنا كل هذه المراسيم مع الجهة الشرقية للمغرب فسنجد اختلافا واضحا كأنك حملت حقيبتك واتجهت نحو عرس في دولة أخرى غير المغرب. مدينة وجدة على سبيل المثال والتي عرفت اندثار بعض من عاداتها المحلية القديمة كفكرة زواج الأقارب التي كانت شائعة هناك، في حين أصبحت مسألة اختيار شريك الحياة من مدينة أو عائلة أخرى مسألة عادية ومتجاوزة عوضا من اقتصار المسؤولية واختزالها في اختيار الأم الزوجة التي قد تراها مناسبة لابنها.

وبما أن هذه الفكرة النمطية قد تلاشت في بعض الأسر الوجدية، فأكيد أن بعض العادات ستختفي وأخرى ستحل عوضا عنها.

إلا أن نسبة كبيرة من العائلات لا تزال متشبثة بفكرة الزواج الشرقي كنوع من الحشمة أو إتباعا للقيم الدينية، وتقاليد ارتداء العروس الوجدية وهي في طريقها لبيت الزوجية ثوبا أو غطاء لا تظهر من خلالها إلا عينيها ويدعى في المنطقة ‹›الحايك››. وعلى عكس العرس الأمازيغي يتولى الزوج أو العريس هذه المرة مهمة ركوب الخيل متجها نحو مكان الاحتفال الذي لا يمكن أن تلحظ فيه النساء مختلطات بالرجال، وبالتالي يكتفين بالمشاهدة من سطح المنزل حتى قدوم اليوم الموالي ليحين بذلك دورهن في الاحتفال رفقة فرق موسيقية نسوية تطرب مسامع الحضور كأنها تهمس في أذانهم أنهم في مدينة وجدة…

ومن وجدة إلى مدينة فاس التي تخلى معظم أهلها على اختيار الأبوين الزوجة المستقبلية لابنهم، فقد أصبح الاختيار بالتراضي بين الطرفين (العريسين) ، هنا يحين الوقت لنتحدث عن مرحلة الخطبة كمرحلة  أولية أساسية والتي يطلب فيها أب العريس يد العروس لابنه، وبعد قبول أسرة الفتاة طلب الزواج ممن تقدم لخطبتها بموافقة سابقة منها طبعا، (ليس كالسنوات الماضية التي قد لا يرى فيها العريسان وجه بعضهما إلا في الخطوبة أو بعد الزواج)، تبدأ الاستعدادات للعرس الكبير أهمها اختيار الثياب التي ستسهر الخياطة على تفصيلها و الحلويات ذات الجودة العالية ، فجمالية العرس الفاسي شائعة في كل المدن المغربية خصوصا باللباس الفاسي التقليدي المميز الذي تختار العديد من الفتيات ارتدائه إلى جانب القفاطين في عرسها رغم أنها لا تنتمي للمنطقة. كل هذه التحضيرات والتجهيزات التي تقوم بها العروس الفاسية لتتألق في حفل زفافها وأكثر بكثير تتطلب وقتا طويلا قد يدوم لعام كامل…

أما المدن الشمالية فهي في عالم أخر تماما بتفاصيل مدهشة ودقيقة وتشبث بالعادات الأصيلة… فقد يدوم حفل الزفاف هنا أربعة أيام حسب ما إذا كانت المنطقة حضارية أو قروية، ويبقى المتعارف عليه أن اليوم الأول يهم طقوس ليلة الحناء والذي تنادي فيه العروس على صديقاتها قصد التوجه إلى الحمام المغربي بعد أن  تم تجهيزه لقدومها، بعدها يتم الاحتفال بتوديع العزوبية حيث تنقش العروس يديها ولرجليها مرتديتا لباسا أبيضا وغطاء شفافا على وجهها، عكس أغلب ليالي الحناء في المغرب المعروفة بارتداء العروس اللون الأخضر كلون الحناء. أما اليوم الثاني فيكون خاصا بالنساء فقط وفيه تتزين العروس بارتداء قفاطين تقليدية مختلفة الألوان والمصنوعة من الحرير الرفيع ومجوهرات من الأحجار الكريمة، يأتي العريس رفقة نساء عائلته ويجلس بجانب عروسه طيلة مدة الاحتفال، وفي نهاية اليوم يصطحبها إلى منزله بعد أن عم المكان صوت الزغاريد، الصلاة على الرسول، وكدا الأناشيد التراثية أو ما يسمى بالطرب الأندلسي المعروف في المنطقة، أما اليوم الثالث فيتميز بحضور كلا الجنسين لكن بشكل مفترق العروس مع النساء والعريس مع الرجال، ختاما وفيما يخص اليوم الرابع فهو للنساء أيضا في منزل العريس.       

يصعب حقا اختزال كل عادات وتقاليد الأعراس المغربية لأنها غنية وفريدة من نوعها، سواء في الجنوب أو الشمال، الشرق أو الغرب، المدن والقرى، فكل واحدة تختلف وتتشابه مع غيرها في أشياء بسيطة بما احتفظت به وما تخلت عنه أو جددت منه لتعكس أساليب عيش كل منطقة وتعبر عن الموروث الثقافي، الاجتماعي والديني الذي ترعرع فيه كل مغربي حر ، لن تعرفها إلا بعد حضورك ومشاركتك فيها لتصبح لاصقة مترسخة في ذهنك …

* صحافية متدربة،

طالبة للمعهد العالي للصحافة والإعلام مراكش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق