ثقافة وفن

عرض وقراءة في نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون)

تعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليه (18-18)

بقلم بدر موسى

خلاصة القضية في هذا العرض الذي قدمته في هذه المقالات، عن نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه لكتاب (محمود محمد طه والمثقفون) وتعقيب مؤلف الكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير عليها، خلاصة القضية باختصار، هي أن البروفيسور فدوى عبدالرحمن على طه، أستاذ تاريخ السودان الحديث والمعاصر، ومديرة جامعة الخرطوم سابقاً، قد تبنت موقفًا منافيًا للحقيقة، وكتبت رأيها المجحف والجائر في حق الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري ونشاطاته السياسية، انطلاقًا من قناعة خاطئة، خلصت فيها إلى ضآلة دور الحزب الجمهوري في صنع تاريخ ومسيرة الحركة السياسية السودانية، وغيابه عنها، وكل هذا حدث نتيجة للجهل، ومحدودية معرفتها، والذي اعتمدت عليه وساقته مبررًا لتغييب وتهميش الأستاذ، والحزب الجمهوري، عن سجلات التاريخ، الذي ظنت أنها تملك السلطة النهائية في كتابته. وبعد أن بيَّن لها الدكتور عبدالله الفكي البشير في تعقيبه، اختارت المكابرة والإصرار على رأيها، ولم تستفد من ذلك التعقيب في أعمالها اللاحقة، كما بينا في الحلقات السابقة.

والسبب في حجب الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري، حسب قول فدوى، هو: (عدم ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي نتج عنها ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية الذي أشار إليه القدَّال. فقد امتنع الحزب عن المشاركة في لجان الدستور وقاطع الانتخابات البرلمانية..).

لقد فات عليها أن الحزب الجمهوري قد انطلق منذ نشأته من قناعة راسخة بأن الذي يريد أن يغير الواقع السوداني المزري لا بد له أن يمتلك الفكرة والمذهبية الصحيحة للتغيير، وقد أعاب على الأحزاب افتقارها لهذه المذهبية، لأن فدوى لم تنتبه لحقيقة أن الحزب قد أعلن منذ نشأته بأن مبدأه، ومنطلقه، ووجهته، وأسلوبه في العمل السياسي يهدف إلى التغيير الجذري، وينطلق من الفكرة، من المذهبية الصحيحة، ولو أن فدوى قد التزمت منهج المؤرخ الجاد، والمتخصص، فعلًا لا قولًا، في تاريخ السودان الحديث، لما غابت عنها هذه الحقيقة الأساسية، ولكانت قد وجدت هذا مكتوبًا منذ عام 1951، وبعده، في العديد من بيانات وكتابات الأستاذ محمود محمد طه، على سبيل المثال، لا الحصر جاء في البيان الذي ألقاه رئيس الحزب الجمهوري في الاجتماع العام، في 30 نوفمبر 1951:

(… وأما القول الذي يمليه الدرس، والفهم الصحيح لطبائع الأشياء، فهو أن الناس لا يمكن أن يتكتلوا تكتلا صلبا يهدم الباطل، ويقيم مكانه الحق، إلا إذا فكروا جميعا في شيء واحد، وأحبوا جميعا شيئا واحدا، وسلكوا جميعا سبيلا واحدة .. وهذا الشئ الواحد الذي يجمع الناس لا يمكن، بالضرورة إلا أن يكون الغاية من حياة كل حي .. والغاية من حياة كل حي هي الحياة الحرة، الكاملة، السعيدة .. والحياة الحرة، الكاملة، السعيدة، لا تحقق بجلاء الاستعمار وحده، وإنما تحقق بجلاء الاستعمار، وشئ وراءه، هو الفهم الصحيح بأساليب الحكم الصالح الذي يخلف الاستعمار غداة جلائه وهذا الأسلوب الصالح هو الإسلام الذي دعا إلى التوسط بين تفريط المادية الغربية التي جعلت سعي الإنسانية موكلا بمطالب المعدة ، والجسد، وإفراط الروحانية الشرقية التي أقامت فلسفتها على التحقير من شأن أي مجهود يرمي إلى تحسين الوجود المادي بين الأحياء …).

لو أنها قد قامت بالذي يمليه عليها واجبها في البحث والتمحيص، والتنقيب، لكانت قد عرفت كيف ولماذا غاب و (امتنع الحزب عن المشاركة في لجان الدستور وقاطع الانتخابات البرلمانية..)، ولماذا لم يخض مع الخائضين في السياسة، كما فهمها، ولا يزال يفهمها، قادة الأحزاب السياسية الأخرى، بأنها الفهلوة والتكتيك واللف والدوران، وعمل كل شيءٍ يوصل لكراسي الحكم. ولكن فدوى لم تفعل، ولم تقرأ كل هذا المبذول والمنشور بكثافة في أدبيات الفكرة والحزب الجمهوري، الذي ناضل وأبلى، منذ تأسيسه عام ١٩٤٥، بلاء، ونشط نشاطا سياسيًا كبيرًا جدًا، وزاد نشاطه في الخمسينات، والستينات من القرن الماضي. وتكثف النشاط كذلك بعد أن أصبح العمل يتم تحت لافتة الإخوان الجمهوريين، وعندما دخل عقد السبعينات من القرن الماضي، شهد السودان حراكاً جمهورياً واسعاً، عبر العديد من الأدوات التنويرية، منها: أركان النقاش في الجامعات، وفي شوارع المدن، وتوزيع الكتب والبيانات في الطرقات، وحملات الدعوة الخاصة للمثقفين، وحملات الدعوة للريف السوداني، … إلخ،  وكان حراكاً لم يشهد السودان مثله، ولا يضاهيه نشاط كل الأحزاب السودانية، مجتمعة، بلا أدنى ريب.

هذه خلاصة ما كان، وما هو كائن، بخصوص مجافاة فدوى للحق في أمر الأستاذ محمود محمد طه، وفي أمر الحزب الجمهوري والجمهوريين، وهي في كل هذا ليست معذورة، لأنها مقصرة في تجويد عملها، في أحسن الحالات.

في إطار النقد الذاتي

نحو التحرير من التنميط الذي نسجه الاستعمار وسار عليه جل المؤرخين والأكاديميين، وجاز على المثقفين بما في ذلك بعض الجمهوريين

كانت البروفيسور فدوى، أسيره للتنميط الذي نسجه الاستعمار حول صورة الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري، بل مساهمه فيه، وهذا للأسف حال الأكاديميا السودانية في موقفها من الأستاذ محمود محمد طه، فظل التجاهل والتغييب والاقصاء عن دوائر البحث العلمي، حتى يوم الناس هذا، وقد درس ذلك الدكتور عبد الله الفكي البشير دراسة وافية وغاية في التوثيق والرصانة والورع العلمي، جاءت في كتابيه: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ (1278 صفحة)، وكذلك كتاب: الذكرى الخمسون للحكم بردة محمود محمد طه: الوقائع والمؤامرات والمواقف، (704 صفحة).  فإذا كان هذا هو حال فدوى وحال الأكاديميا السودانية والكثير من المثقفين، فماذا عن تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه الذين أيدوا فدوى، ولا يزالوا يسكبون المداد، ويكتبون ويبدعون في أفانين الفذلكة ليبرروا لفدوى جورها وظلمها وتغييبها وتهميشها للأستاذ محمود محمد طه وللحزب الجمهوري؟

بعد قراءته لبعض تعقيب الدكتور عبدالله الفكي البشير على البروفيسور فدوى عبدالرحمن علي طه، كتب أخي الباشمهندس أبو يكر بشير، وهو من الإخوان الجمهوريين، قائلاً:

«يبدو ان فترة الخمسينيات قد حفلت بنشاط كبير جدا، ومجهول بصورة كبيرة لدى الجيل المعاصر… فى ذلك الوقت بينما كان الجمهوريون مهتمين بالتوعية كان أغلب السياسيين مشغولين بالتمسح بأعتاب زعماء الطوائف لينالوا المناصب.. حاجة عجيبة».

«ويبدو ان تنميط نشاط الحزب الجمهورى الموروث والذى تسرب الى الرأى العام لتقزيم دور الحزب قد أصابنا نحن [الجمهوريون] ببعض اثره»..

في هذه الملاحظة الذكية تكمن مشكلة الكثير من تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه الذين جاز عليهم تنميط الأستاذ والحزب الجمهوري، وكادوا أن يصدقوا سردية أن الحزب الجمهوري كان حزبًا صغيرًا، وضئيل النشاط السياسي، وضعيف الأثر السياسي في الساحة السياسية السودانية!! هذه السردية التي شيعتها فدوى وأمثالها من المؤرخين والكتاب وقادة الأحزاب السياسية، وغيرهم.

هل يعقل أن يقرأ تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه (الإخوان الجمهوريون والأخوات الجمهوريات) تقريرًا دفعت به فدوى عن (ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية) ولا يحتجون عليه؟! بل يقومون بالعكس، حيث المنافحة عنه،  ثم ينبرون للدفاع المستميت عن قائلته البروفيسور فدوى، بدون أن يطرف لهم جفن، ولا يشعرون بشيء من الحرج في سكوتهم عن الإساءة والظلم لوالدهم، والجور على سمعة وتاريخ حزبهم؟! هل هانت علينا أنفسنا لهذه الدرجة؟!

بلى، قد فعلوا وللأسف ا! فعله الدكتور قصي همرور، وفعل مثله الدكتور (طبيب بيطري) محمد محمد الأمين عبد الرازق، وحين قمت بمواجهة قصي بظلمه، خرج علي أخي خالد المهدي يتهمني بأنني قد تحاملت عليه!!

سوف تتابعون ان شاء الله تفصيل كل هذا في السطور التالية، لتحكموا بأنفسكم وتقرروا: من الذي تحامل وتجنى، وعلى من؟!

لقد فند الدكتور عبدالله الفكي البشير في مقالاته التي أعدت نشرها، وكتب بعلمية صارمة، وبدقة، وأورد البراهين المفصلة والموثقة، فدحض جميع حجج فدوى الواهية، في تبريرها عدم ذكر وتغييب الأستاذ محمود، والحزب الجمهوري.

وكان قصي قد استبق نشر عبدالله تعقيبه على نقد فدوى، متبرعًا بتسجيل إشادة مستعجلة، قال فيها:  «لم أقرأ للبروفيسورة فدوى عبدالرحمن قبل اليوم، لكني أرى مقالها أعلاه غاية في الأناقة والدّرَبة المنهجية، ولست على دراية بصحة ودقة محتوى التوثيق فيه، لكني أفترض فيه الصحة حتى الآن، فليس عندي أي سبب الآن لافتراض العكس..»! ولم يكتب قصي كلمة واحدة بسجل فيها اعتراضه على تقرير فدوى عن «ضآلة دور الحزب السياسي وضعف دوره في الحركة السياسية السودانية»!! أليس في هذا القول وحده منتهى الظلم والجهل والعقوق والتحامل والتجني على مرشدنا ووالدنا ومربينا الأستاذ محمود محمد طه؟ وعلى حزبنا الجمهوري؟ وعلى الجمهوريين، الذين وصفهم الأستاذ محمود محمد طه بأنهم ملح الأرض، عرفوا أو لم يعرفوا؟! هذا جهل شنيع بتاريخ الحزب الجمهوري وبالسيرة الفكرية والسياسية للأستاذ محمود محمد طه، ولهذا فإني أدعو  الجاهل بالسيرة الفكرية والسياسية للأستاذ محمود محمد طه، أن يصمت ولا يتورط في إبداء الرأي، أما من يريد الكتابة فعليه الذهاب فوراً لدار الوثائق القومية بالخرطوم ليبدأ الاطلاع والبحث والتنقيب. فأمر الفكرة الجمهورية ليس أمراً هيناً، فهو مسؤولية كبيرة لا تنفع معه الفهلوة والتنطع اللغوي والاعتقاد بصحة ما نملك من علم ومعرفة. فلقد كشف لنا الدكتور عبدالله الفكي البشير، في كتبه الموسوعية، الكثير جداً مما كنا نجهله، وعلينا التواضع ومواجهة أنفسنا.

لم يكتف قصي بتسجيل الإشادة المستعجلة بمقال فدوى، وإنما كشف عن جهله بدور الحزب الجمهوري، وتمكن التنميط منه، عندما تمادى أكثر في تأييد باطل فدوى، حين كتب:

«هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فأرى أن عموم قولها عن ان ضعف الأثر الكمّي للحزب الجمهوري في الساحة السياسية السودانية حتى اليوم عايد إلى قلة ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي الجماهيري، قول صحيح في عمومه، فالحزب الجمهوري اختار هيكل الحزب السياسي العام، لبعض الوقت، في حين أن عمله الرئيسي لم يكن عمل حزب سياسي؛ إنما كان عمل حركة دينية، اجتماعية-سياسية (socio-political movement) تعتمد على التغيير من الجذور – التغيير الفكري والثقافي – بأدوات التوعية والإقناع. هذه ليست أدوات الأحزاب السياسية (نسبيا)، لأن الأخيرة تعتمد أكثر على استراتيجيات التنظيم وتكتيكات الحشد (organization and mobilization) والصوت العالي. صحيح أنه كانت للأستاذ محمود شخصيا مواقف سياسية قوية وسابقة لزمانها، لا تخطئها العين، لكن ذلك لا يُترجَم بالضرورة إلى أثر سياسي واسع في الميدان العام. الكثير من أصحاب الرؤى الثاقبة والمواقف القوية عبر التاريخ لم تلحق المجتمعات باحترام قدرهم إلا بعد فترة، ولكونهم كانوا سابقين لزمانهم كان ذلك أيضا حاجزا موضوعيا بينهم وبين التأثير المباشر على سيرورة الأحداث السياسية في زمانهم».

بالله عليكم أعيدوا قراءة قول الدكتور قصي همرور، أعلاه: «ضعف الأثر الكمّي للحزب الجمهوري في الساحة السياسية السودانية حتى اليوم عايد إلى قلة ممارسة الحزب الجمهوري للعمل السياسي الجماهيري، قول صحيح في عمومه»!

هل يقبل مثل هذا الكذب الصراح عن الحزب الجمهوري؟! هل يجهل قصي حقيقة حجم وقوة تأثير (الأثر الكمّي للحزب الجمهوري في الساحة السياسية السودانية)؟ وهل يعرف قصي حزبًا سياسيًا أكبر كما، وأكثر نشاطًا، وأشد أثرًا إيجابيًا في مجتمعه السوداني، من الحزب الجمهوري؟ هل هو في رأيه حزب الأمة، كما ترى فدوى؟ أم أنه الحزب الاتحادي الديمقراطي؟ أم الحزب الشيوعي؟ أم حزب الإخوان المسلمين؟

وهل يعقل أن يصدر هذا الحكم الجائر، أو يقال مثل هذا الكلام الممعن في الخطأ، حتى بعد نشر عبدالله لتعقيبه الموثق، الذي عدد فيه 112 من أمثلة ونماذج من أنشطة الحزب الجمهوري السياسية الكبرى، خلال ستة أعوام فقط، هي الفترة بين ١٩٥٢- ١٩٥٨؟!  وقد أوضح عبدالله الفكي البشير بأنه أختصر ذلك النشاط وأبعد كل نشاط لا يجد الطلاب سنده في دار الوثائق القومية في الخرطوم، وإلا فإن القائمة ستكون طويلة جدا.

السؤال: ما هو غير المقنع الذي وجده قصي في هذا التعقيب العلمي الضافي الذي كتبه عبدالله، أو وجده غيره من تلاميذ الأستاذ محمود محمد ط، الظالمين لأنفسهم، قبل ظلمهم لأبيهم، وقبل ظلمهم لتاريخ حزبهم، وظلمهم إخوتهم وأخواتهم الجمهوريين الذين سبقونا بالإيمان والبذل والنضال؟ ما هو غير المقنع في رد وتعقيب عبدالله المفصل والموثق على فدوى؟!

من أراد الإسهام في تحرير الشعوب والفضاءات عليه أن يبدأ بتحرير عقله وخياله بإدراك أبعاد التنميط

للأسف الشديد إن التنميط للحزب الجمهوري وللأستاذ محمود محمد طه ولنضال الجمهوريين والذي نسجه الاستعمار وسار عليه جل المؤرخين وكثير من المثقفين، للأسف الشيد جاز على الدكتور قصي همرور وعلى الدكتور (طبيب بيطري) محمد محمد الأمين عبدالرازق والأستاذ خالد المهدي، بل والكثير من الإخوان الجمهوريين.

وأخيرًا عاد وكتب قصي:

(وأحب أن أؤكد هنا أن «استراتيجيات وتكتيكات الحشد والصوت العالي» التي ذكرتها أعلاه، كونها أدوات الحزب السياسي، ليست بالضرورة مرادفة «للتهريج والسعي وراء كراسي الحكم» بالضرورة. صحيح أن الكثير من الأحزاب السياسية السودانية كانت تهرج وتسعى وراء السلطة لأجل السلطة، إلا أنه من حيث الموضوعية فإن أدوات الحزب السياسي ليست بالضرورة دليلًا على أيديولوجيته، (فيمكن أن يكون حزبًا يستعمل أدوات الحزب جيدًا، ثم أيديولوجيته سيئة، أو لا يعرف استعمال أدوات الحزب ثم أيديولوجيته جيدة) وعلى العموم في كلا الحالتين يمكننا أن نستنتج أن الحزب الجمهوري اختار واعيًا أن لا يستعمل أدوات الحزب السياسي، لأن طموحاته كانت أكبر وأعمق، (وهي طموحات الأستاذ في الحقيقة، لأن الحزب الجمهوري كان قلبه وعقله الأستاذ) يمكن ضرب المثل على أحزاب سياسية جادة، غير سودانية، لعبت أدوار سياسية مهمة في بلدانها عن طريق أدوات الحزب السياسية، وبدون تهريج أو طلب لكراسي الحكم، أو غياب رؤية بالضرورة (وضرب المثل بأحزاب غير سودانية يعيننا قليلًا على الخروج من فهم السياسة عمومًا عن طريق الواقع السوداني فقط) مثل المؤتمر القومي الأفريقي في جنوب أفريقيا، ومثل تانو في تنزانيا، ومثل حزب الفهود السود في الولايات المتحدة الأمريكية.).

وكما يمكننا أن نلاحظ، فإن هذه الفقرة التي اقتطفتها أعلاه من كلام قصي، مليئة بالعبارات التي لا تنتج معرفة محددة، وبالأمثلة البعيدة عن موضوع النقاش، والتي لا تفضي للنتيجة التي أرادها الكاتب، بأن الحزب الجمهوري لم يكن حزبًا سياسيًا.

من الذي حدد أن «استراتيجيات وتكتيكات الحشد والصوت العالي» فقط هي (أدوات الحزب السياسي)؟ ولماذا استبعد قصي بقية الأدوات الأهم للحزب السياسي، مثل امتلاك المذهبية الصحيحة، والعمل الدؤوب في توعية الشعب، بإقناعه، وتعليمه، وتمليكه المعلومات التي حجبت عنه؟ وهل فعلًا قصر الحزب الجمهوري في نشاطه السياسي عن تبني استراتيجية الحشد الشعبي، ولم يكن صوته عاليًا في حشد وتحريض الشعب على الحراك والنضال من أجل تحقيق مطالبه وحل قضاياه الملحة، مثل حشده لمواجهة المستعمر، ومناهضته لقيام المجلس الاستشاري لشمال السودان، ورفض تشريعاته، وغيرها: (ثورة رفاعة، ومناهضة التدخل المصري، وقضية جنوب السودان، ورفض التدخل المصري ودجل القومية العربية، والجامعة العربية، ومناهضة حل الحزب الشيوعي، ومناهضة الدستور الإسلامي المزيف، ومواجهات محكمة الردة ومواجهة القضاة الشرعيين، ورجال الدين، وقوانين سبتمبر) على سبيل المثال وليس الحصر؟ وماذا عن كتابة المئات من الكتب والمقالات والبيانات والمناشير (هذا أو الطوفان)، والفداء العظيم بتجسيد المعارف على منصة الإعدام، كما وسمه الدكتور عبدالله، في يوم 18 يناير عام 1985، وكل تلك المواقف الصلبة التي تناولت جميع الهموم السياسية، وحملات وحركة توزيع الكتب والمناشير بالأيدي، المتصلة وبلا هوادة، والتي لم يشهد العالم مثلها، وآلاف المحاضرات العامة، وأركان النقاش التي ابتدعها الجمهوريين، وشاعت بين السودانيين؟! أليست جميعها مما يمكن أن يحسب من ضمن أدوات الحزب السياسي؟ ألا يعتبر قصي كتاب (أسس دستور السودان) وتوزيعه وإدارة الحوار المكثف حوله، بتقديم المحاضرات العامة عنه، وتنظيم حملات الدعوة، نماذج من النشاطات السياسية التي اعتمدت على وسائل وأدوات الحزب السياسي، قديمها وجديدها، والتي هي أهم بكثير من هذه الأدوات القاصرة التي حصرها وحددها قصي بهذه الوثوقية وهذه الجرأة؟

ألا يكفي قصي تقرير الأستاذ بأن «الجمهوريون حزب سياسي ولكنهم لا يفهمون السياسة على أنها اللف والدوران .. وإنما يفهمونها على أنها تدبير أمر الناس بالحق وبميزان ..›». إنني أدعو قصى أن يراجع نفيه لهذه الحقيقة البينة؟ بقوله: «في حين أن عمله الرئيسي لم يكن عمل حزب سياسي؛ إنما كان عمل حركة دينية، اجتماعية-سياسية…»؟!

«الجمهوريون يرسمون الطريق»، 1952

لقد أورد عبدالله الفكي البشير في كتابه آنف الذكر: (الأستاذ محمود محمد طه والمثقفون)، قول الصحفي الراحل العظيم بشير محمد سعيد (1921م-1995م)، في مقاله بعنوان: «الجمهوريون يرسمون الطريق»، والذي نشره في صحيفة السودان الجديد، العدد 1630، الأحد 8 يونيو 1952م، قائلاً: «إن في السودان الآن (8/7/1952م) نحواً من خمسة عشر حزباً كل منها ينادي بأعلى صوته أنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ هذا الشعب من براثن الاستعمار، وهي تقوم في معظم الأحوال لا على برامج سياسية واضحة ولكن على استغلال عواطف وعصبيات لا تمت إلى السياسة بصلة… وإني لأنتهز هذه الفرصة فأدعو جميع الأحزاب أن تحذو حذو الحزب الجمهوري فتخرج على الناس أهدافها ومراميها وتتعاون على تربية الشعب تربية سياسية لابد منها إن أردنا للشعب أن يكون له صوت وكلمة في حكومته».

أليس من الغريب أن تكون تلك هي شهادة هذا الصحفي المستقل والمحايد، غير الجمهوري، وقد جاءت مؤمنة على توصيف الأستاذ لطبيعة الحزب الجمهوري، ثم تجئ شهادة تلميذ الأستاذ قصي مناقضة لهذا التقرير؟

ماذا يقصد قصي في قوله بأن الحزب الجمهوري اتخذ هيكل الحزب السياسي العام؟ ما هو هذا الهيكل؟ وكيف يختلف هذا الهيكل عن بقية الهياكل، ولماذا يسقط هذا عن الحزب الجمهوري صفة الحزب السياسي؟ أم أن كل هذا مجرد تلاعب بالألفاظ قصد به الالتفاف على الحقيقة لتجنب انتقاد كلام فدوى في تقريرها المتحامل ضد الأستاذ والحزب الجمهوري؟!

وهل صحيح أن حركة الحزب الجمهوري انحصرت في نشاط الأستاذ محمود محمد طه فقط ولم يكن لأعضاء وعضوات الحزب دور ونشاط فيها، ولا حتى في مساهماتهم في تأليف الكتب، وفي نشرها، وتوزيعها، وإدارة الحوار حولها لتوعية الشعب، وتمليكه المعلومات التي حجبت عنه، ولا حتى في المشاركة في الحراك المستمر، والنضال، ودخول السجون بالعشرات، دفاعًا عن الشعب وعن دينه؟ ألا ترى فدوى، ولا يرى قصي أن هذه جميعها أنشطة سياسية في أعلى مستويات التاريخ السياسي الحديث، على نطاق العالم، وليس السودان فحسب؟!

ثم: ألا يمكن أن يكون الحزب سياسيًا ودينيًا في نفس الوقت؟ خذ مثلًا الاتحاد الديمقراطي المسيحي،‏ الحزب السياسي الألماني، الذي تأسس في عام 1945، نفس عام تأسيس الحزب الجمهوري، والحزب الديمقراطي المسيحي السويدي الذي تأسس عام 1964؟ وهل تنفي صفتها الدينية المسيحية صفتها السياسية؟ هذا بالطبع على سبيل المثال وليس الحصر، وإلا فإن الأمثلة من الأحزاب الدينية والسياسية في نفس الوقت، كثيرة جدًا، ولا يكاد يحصيها العد.

ولماذا يضرب لنا قصي المثل بهذه الأحزاب، غير السودانية، لتعيننا على الفهم (قليلًا)، أو كما قال؟ وكيف؟ أين أمثلة الأحزاب السودانية التي يعرفها القارئ، والتي يتوقع ويفترض أن تعينه على الفهم (كثيرًا)؟ بل أين مواقع هذه الأحزاب من هاتين الحالتين المحددتين في حديثه؟ ولماذا هما حالتان فقط؟ أين الحالة الثالثة، الأهم، التي يمتلك فيها الحزب السياسي، مثل الحزب الجمهوري، الأيديولوجية الصحيحة، والأدوات والوسائل السياسية الصحيحة، التي هي من جنس الغاية، ويمتلك وفقًا لها المذهبية الشاملة والصحيحة، التي لا أشك في أن قصي، وبحكم كونه جمهوري، يعلمها، ولكنه أغفل الحديث عنها لسبب مجهول؟

التناول العلمي لا يحاكم بالعواطف الفجة والتعميم في الأحكام

شهد الكثير من المفكرين والعلماء في مجال التاريخ والعلوم السياسية والاجتماعية والفكر الإسلامي بالعلمية التي اتسم بها تناول الدكتور عبد الله الفكي البشير في كتاباته، وعبروا عن ما تميزت به كتبه ومقالاته وأحاديثه بشأن مشروعه البحثي المفتوح والمستمر حول الفهم الجديد للإسلام والسيرة الفكرية لصاحبه الأستاذ محمود محمد طه. ومن بين الشهادات، كانت شهادة قدمها البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، عميد كلية الآداب (الأسبق)، وأستاذ كرسي تاريخ السودان بجامعة الخرطوم، في حق كتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير آنف الذكر: محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، وفي حق المقالات الثلاث التي نشرها، وكانت تعقيباً على نقد البروفيسور فدوى عبد الرحمن علي طه، أستاذة تاريخ السودان الحديث والمعاصر، ومديرة جامعة الخرطوم (السابقة)، كتب البروفيسور حسن أحمد إبراهيم لعبدالله الفكي البشير، قائلاً: «أخي الأستاذ عبد الله.. تحياتي اطلعت بِحرصٍ شديد على المقالات الثلاث التي أجدها محقة في ما ذهبت إليه من قُصور في الدراسات السُّودانيَّة وفجوة لابد من الاعتراف بِها والتداعي لسدها بدلاً من دفن رؤُوسنا في الرمال. ولا أدري لماذا يُكابِر الناس حيث أن ما قلته في سفرِك القيَّم عين الحقيقَة. أشكرك على لفت نظَرِنا جميعاً لهذا الأمر المهم. لك الود والتقدير». حسن. فعلق الأستاذ عصام عبد الرحمن البوشي، مدير جامعة ود مدني الأهلية، على شهادة البروفيسور حسن أحمد إبراهيم، مخاطباً عبدالله الفكي البشير فكتب، قائلاً: «قلادة شرف لك واعتراف عالم انحنى للحق». ووصف أستاذ التاريخ، البروفيسور عبدالله علي إبراهيم، كتاب عبدالله الفكي البشير، قائلاً: «هذا كتب فحل»، وغيرهم كثيرين احتفلوا بالكتاب وبكتب عبدالله الأخرى.

أمام هذا الاحتفاء من هؤلاء العلماء والمفكرين المتخصصين في تاريخ السودان الحديث والمعاصر، والمنشغلين بتطور السودان الساسي والفكري، بكتاب الدكتور عبد الله الفكي البشير: (محمود محمد طه والمثقفون)، يجيء الدكتور (طبيب بيطري) محمد محمد الأمين عبد الرازق، وهو من الجمهوريين، مناصراً للبروفيسور فدوى عبدالرحمن علي طه، بلا حق وبلا علم، وبموقف مناقض لآراء أهل التخصص من غير الجمهوريين، كتب الدكتور (طبيب بيطري) محمد محمد الأمين عبدالرازق، قائلاً:

«ختاما: أرى أن الأخ عبد الله ظلم د. فدوى بل تعدى عليها بغير حق، فدمغ الآخرين بتعمد التغييب والبتر والعزل للمفكرين غير لائق.. فهذه تهم غليظة تطعن في نوايا الناس وفي أمانتهم.. وهناك أمر مهم وهو أن غرابة الفكرة، والتشويه الذي أحدثه المعارضون لشخصية الأستاذ محمود ولأفكاره، قد ترك بصماته في كل ميادين التنوير، فبعض الأندية الثقافية كانت ترفض قيام المحاضرات، والمساجد تعنف بالجمهوريين والشرة تمنع المحاضرات بغير سبب…الخ فالأكاديمية واحدة من تلك الميادين، وقد رفضت العديد من الأبحاث بغير حق بوحي من الإرهاب الديني، لكنها لا ترفض الأبحاث المعارضة!! فإذا كان د. فدوى رغم هذه الضغوط، قدمت هذا القدر في أبحاثها، فهل نشكرها ونقول بارك الله فيها أم نحسبها في عداد الذين غيبوا الأستاذ محمود متعمدين ونضرب عليها بأقسى التهم وأعنفها!!؟؟».

وهذا كلام غريب، وأغرب ما فيه أن الدكتور محمد الأمين يريدنا أن نشكر فدوى، ونتجاوز عن ظلمها، ونغض الطرف عن تجنيها على أبينا، وعلى الحزب الجمهوري، وعلى الجمهوريين! وهو لم يعترض حتى على حديثها عن ضآلة دور ونشاط الحزب الجمهوري في الساحة السياسية السودانية!!

وكذلك فعل أخي خالد المهدي معي حين وصفني بأني قد تحاملت على قصي، الذي يدافع عن فدوى، ولم يعترض على حديثها عن ضآلة دور ونشاط الحزب الجمهوري في الساحة السياسية السودانية!! هل حقًا لا يرى خالد جسامة وفداحة الخطأ الذي تورط فيه قصي؟! ألا يستحق قصي تنبيهًا وتذكيرًا بأقوى العبارات؟!

هل يقبل أخي خالد أن يقول قصي مثلما قال، ويصر عليه، حتى بعد نشر عبدالله لتعقيبه المفصل والموثق؟!

الذي يحيرني هو أن أخي خالد قد كان من أوائل من أشادوا بتعقيب عبدالله عندما نشر لأول مرة في عام 2015. فقد كتب الأخ خالد المهدي في صالون الجمهوريين، معقبًا، في يوم الإثنين ٢٦ يناير ٢٠١٥ بقوله: «بوركت يا عبدالله… كفيت واوفيت».

ثم كتب لاحقًا في يوم الجمعة 30 يناير 2015 يقول: «… أنا أفتكر ان رد الأخ عبدالله جاء موفقا توفيقا كبيرا، وبالفعل أثبت أن الأكاديميين حتى في مستوى الأصدقاء – أمثال د. فدوى – ليسوا في المستوى المطلوب من انصاف الفكرة الجمهورية… وأرى أن حجة أن تقصيرها وطلبتها في التوثيق للأستاذ محمود والفكرة، وذلك بالرجوع للمصادر الرئيسيه للفكرة، وادراجها ضمن المراجع، أمر ليس ذي بال، حجه ضعيفه، وخاصه أن كل الأمر يناقش تقصير الأكاديميا، بمعنى أن أي تقصير ولو كان فنيا هو شيء أساسي… ففي البحوث الأكاديمية، من المهم جدا، التوثيق لمصادرك ومراجعك».. وأضاف، قائلاً: «… أما بحث الطالبه 1952 – 1958، عن الحركه السياسيه، وتسبيب أن ليس للحزب الجمهوري ما يستحق الدراسه أو التعرض له، فكارثه لوحدها، خاصة بعد اجابة الأخ عبدالله الوافيه بإيراد الحركه الواسعه للحزب في تلك الفترة بالذات.. وقد كنت أنتظر أن تعتذر الدكتورة وبشده عن غلطتها واعتمادها والطالبه على رأي د. القدال..».

ولكن الغريب أن أخي خالد المهدي نفسه قد عاد أخيرًا وكتب معقبًا على كلام قصي يقول:

«اعجبني الرد الهادي الموضوعي من الاخ قصي همرور، في رده علی الأخ بدرالدين عثمان موسی»..

وأضاف:

«… موضوعية الرد تأتي من النفس البارد، وسرد حقائق وملابسات دحضت ما اثرته انت، عن تآمر تم بين الاخوين قصي والقراي ود- محمد جلال هاشم في مهاجمة كتاب الاخ عبدالله البشير، والطبيعي ان النقاط التي اثيرت في نقد المقاربة، ان تستوعب وتستصحب، لا أن ترفض — ثم إني لا أری أي تكبر من جانب الاخ قصي في تحفظه المؤدب في ابداء آراء قطعيه في بعض المسائل– إن قيمة كتابات الأخ عبدالله البشير في اثارتها لقضايا تلفت النظر لعظمة مواقف الجمهوريين.. ارجو صادقا ان تعيد قراءة ما كتب قصي بعين الحياد وبالهداوه، لتجد انك قد تحاملت عليه في غير موجب».

إن موضوعية الرد، التي أشار لها خالد المهدي، لا تأتي من النفس البارد، بل تأت من علمية التناول والاعتماد على الحقائق الموثقة، وأمامنا الآن تقرير الأستاذ محمود محمد طه بأن الحزب الجمهوري حزب سياسي، وقصي لا يراه كذلك، وهو قد كتب ليدعم ويؤيد رأي فدوى وحكمها الجائر في حق الأستاذ محمود محمد طه، وفي حق الحزب الجمهوري، وهي التي تحدثت عن ضآلة أنشطته السياسية، وغيابه عن الساحة السياسية السودانية! فكيف، وبعد كل هذا، لا ترى أنت: «أي تكبر من جانب الاخ قصي في تحفظه المؤدب في ابداء آراء قطعيه في بعض المسائل»؟! أين هو الأدب؟ هل تراه فيمن يؤمن على حديث، قليل الأدب، يقال بلا مسئولية، عن والده ومرشده الأستاذ؟

إن بعض من مشكلة قصي التي ربما جازت على الأخ خالد المهدي، هي أنه يقرر أشياء ويكتبها وكأنها حقائق وآراء قطعية مجمع عليها، ومفروغ منها، بينما هي ليست كذلك على الإطلاق، مثل حديثه أعلاه عن أدوات الحزب السياسي، التي اختصرها وقصرها، بلا سبب، على التكتيكات، والاستراتيجية، والحشد، والصوت العالي، أو كما قال، وقد بينت عواره أعلاه. وكذلك مثل حديثه عن الحالتين في نفس الفقرة، وغيرها كثير كثير، سأتناولها واتابعها لاحقًا ان شاء الله..

نحن في حاجة لتحرير صورة الأستاذ محمود محمد طه والحزب الجمهوري من التنميط الذي نسجه الاستعمار وسار عليه جل المؤرخين والمثقفين.. ومن لا يدرك تنميط الصور، ولا يستطيع أن يرى خطورة ذلك، وكيف تم النسج للتنميط، فإنه قطعاً لا يعرف سبيل التحرر وإن ظل يدعو لذلك.

علينا التواضع، ويجب علينا العمل في دراسة السيرة الفكرية والسياسية للأستاذ محمود محمد طه، وفي دراسة الحزب الجمهوري، علينا كما يقول الدكتور عبد الله الفكي البشير، العمل على التنقيب عن (ما بعد التاريخ المعلن) في صحائف المؤرخين وإرث الأكاديميا السودانية، وعلينا التحرر من الإرث الاستعماري والانعتاق من سجن المؤرخ وريث الاستعمار وأدواته ومكاتبه وملفاته وسجلاته، إلى جانب التعافي من كتابات المثقفين المضللة بسبب ثقتهم في علمهم الناقص، فضلاً عن الإدارك بأن العمل في الدراسات والتشخيص والتمحيص والإخبار، هو إسهام في تنمية الوعي، وهو مسؤولية علمية ووطنية وأخلاقية، الأمر الذي يتطلب ويلزم بالاطلاع والتعمق والانفتاح على الأرشيف القومي، ولا يتأتي بالادعاء والفهلوة والخيال.

ختاماً أتقدم بخالص الشكر لأسرة صحيفة المدائن، ولرئيس تحريرها الهمام الدكتور محمد بدوي، على الاهتمام والحرص على نشر هذه المقالات، وهي من الصحف التي تسعى لترفيع مستوى الحوار في السوح الثقافية وفي شأن الوطن. كما أشكر القراء الذين تفاعلوا وعبروا عن احتفائهم. وعن تساءل الكثير منهم عن الطبعة الثالثة من الكتاب: صاحب الفهم الجديد للإسلام محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف وتزوير التاريخ، ط3، دار بدوي للنشر، كونستانس (ألمانيا)، 2022، فإن الطبعة ستكون متاحة قريباً بدار باركود للنشر، بحي الرياض، الخرطوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق