سلايدرسياسة

في ذكرى معركة امدرمان

الانتقام لغوردون وهوس التعصب الديني المضاد

د. مختار بلال عبد السلام *

بعد تحرير الخرطوم والقضاء على غوردون في ، فإن  عهد المهدية (1885 – 1898) انتهى بما يمسى اعادة احتلال السودان من قبل بريطني من خلال اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر. وكانت معركة أمدرمان المعروفة بمعركة كرري آخر أيّام المهدية في السودان جرت رحاها يوم 2 سبتمبر 1898 وتتزامن هذه الأيام مع الذكرى الرابعة والعشرين بعد المائة لهذه المعركة التاريخية العظيمة.

في البدء لا بد لنا أن نشير فترة المهدية كانت في مجملها ملئية بالانجازات الوطنية بالرغم من التحديات التي واجهتها والسلبيات التي لازمتها. لقد كانت ثورة حقيقية ضد ظلم الحقبة التركية ، لا سيما الضرائب الباهظة التي فرضت على الفقراء من قبل الحكام الأتراك والقسوة في تحصيل هذه الضرائب. نجحت الثورة في وقف تدفق التدخل الأجنبي الذي شهدته البلاد منذ مؤتمر لندن عام 1841 ، ولهذا تدرس فترة المهدية في في المناهج التربوية خلال فترة التعليم العام في السودان كرمز للحرية والكرامة للمواطنين السودانيين. لقد كانت ثورة مشابه في كثير من الوجوه للثورة الفرنسية  الملهمة لأوروبا  ودول العالم لاكثر من قرنين من الزمان. وكانت المهدية ثورة أفريقية مبكرة تعكس وعي السودانيين العالي بسياساتهم ومصيرهم والدور الذي يجب أن يلعبوه. ولكن الثورة المهدية هي محل انتقاد من قبل الغرب والذي ما يزال لا يعترف بها بأنها ثورة وانما يشير اليها في المراجع بأنها حركة سياسية كي يتم تم انتقادها في محاولاتها المستمرة لفرض النموذج العربي الإسلامي للحكم في البلاد بما في ذلك جنوب السودان مما شكل بداية للمشاكل التي أدت الى انفصاله في تاريخ السودان الحديث. جدير بالذكر أن أهل الجنوب أيدوا ثورة المهدي. يذكر أنه عندما سمع زعماء قبائل الدينكا والجور عن المهدي عندما وصلت شهرته إلى الجنوب ، هاجروا إلى مكانه ليعلنوا دعمهم له. كما وعدوا بمحاربة الأتراك وطردهم من أرضهم فيما سمي «ثورة الجنكيه». وقد انخرطوا في قتال الأتراك في منطقة «بحر بري» بالجنوب عام 1883 وكان عددهم حوالي 50 ألفًا. (1)

على الجانب الآخر من الكرة الأرضية ، كانت الصورة مختلفة تمامًا. اعتبر المؤرخون السابقون انتفاضة المهدية أنها جاءت ردًا على الفساد أو على حكم أجنبي وكانت مقترنة بحماسة دينية محلية ، بينما وصفها المؤرخون المعاصرون بأنها مثال للتعصب الإسلامي في القرن التاسع عشر. على سبيل المثال ، يعتقد دانيال ألين باتلر ، مؤلف كتاب «الجهاد الأول: معركة الخرطوم وفجر الإسلام المتشدد» أنه وقبل ظهور أسامة بن لادن أو آية الله الخميني ، كان هناك المهدي «المنتظر» الذي أثار في السودان ثورة قومية ضد الكفار والمرتدين في أواخر القرن التاسع عشر. يعتقد باتلر أنه على الرغم من سحق كتشنر لقوات المهدي في معركة أم درمان ، وانحلال الجهاد الكبير مؤقتًا في الصحراء وجعله ربما لا يتجدد لقرن آخر ، إلا أن كلمات المهدي ما زالت تردد  في عالم اليوم حرفيا  من قبل الجهاديون الذين هاجموا نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن ، واستمروا في شن الحرب من جبال هندوكوش إلى البحر الأبيض المتوسط. جنبا إلى جنب مع الزعيم المسلم صلاح الدين ، الذي شن حربا مقدسة وحرر القدس من الاحتلال المسيحي ، يقف المهدي كرمز إسلامي أطلق في يوم من الأيام حملته الصليبية الناجحة ضد الغرب. (2)

تعتبر معركة أم درمان نفسها من أهم معارك القرن العشرين من حيث التغطية الإعلامية لمراسلي الحرب. ومن بين هؤلاء شخصيات معروفة مثل الملازم ونستون تشرشل ، الذي نشر روايته عن المعركة في كتابه «تاريخ الثورة المهدية والاحتلال البريطانى للسودان: حرب النهر». ويعتبر الكتاب هو أول عمل تاريخى للسير ونستون تشرشل، كتبه عام 1899 عندما كان فى الجيش البريطانى، ويحتوى على شهادات عيان لثورة المهدى ومعارك السودان، كما يحكى واحدة من أهم أحداث تاريخ الإمبراطورية البريطانية، ظهور المهدى وإمبراطوريته، واغتيال الجنرال غوردون فى الخرطوم، ومعركة أم درمان. (3)

صورت وسائل الإعلام البريطانية الخليفة عبد الله التعايشي على أنه رجل استبدادي تسبب في كارثة لبلاده من خلال حكم استبدادي إسلامي متطرف. شارك في تغطية المعركة مراسل الحرب الشهير جورج ستيفنز. كما شارك عدد كبير من المصورين. منهم هوبرت هوارد ، مصور صحيفة «التايمز» ، على سبيل المثال ، والذي قُتل في ساحة المعركة. لم يغب عن تلك الملحمة  حتى مراسلي صحف الدول الغريمة لبريطانيا كصحيفة Le Temps الباريسية المعروفة.  يعتبر الصحفي فيرغوس نيكول ، مؤلف كتاب «مهدي السودان وموت الجنرال غوردون» ، وجود وسائل إعلام مكثفة على أنه انعكاس للشعور القومي الكاسح والرغبة في الانتقام لـشرف بريطانيا العظمى الذي أذلته الثورة المهدية عندما قتلت خيرة ضباطها أمثال ويليام هيكس، وتشارلز غوردون.

ولعل مما يعزز كلام نيكول تلك الاغنية الشعبية الرائجة في بريطانيا  آنذاك والتي تتحسر على مقتل بطل بريطانيا القومي الجنرال غردون  بسلاح  الثورة المهدية. بكلماتها المكلومة :

‏Too late , Too late tosave him

‏He was England ‹s pride when lived

‏He was England›s pride when he died

وقد  راجت تلك الاغنية الشعبية رداً على جلادستون رئيس الوزراء البريطاني  إبان حصار الخرطوم في ١٨٨٥  والذي عارض في البدء فكرة إرسال جيش لإنقاذ غردون  ثم ما لبث أن تراجع مع تصاعد حدة  الرأي العام البريطاني  الذي دفع به لإرسال حملة الانقاذ الانجليزية التي لم يكتب لها النجاح  وعاد الجنرال  ولزلي فارا لبلاده يجر زيول الحرة والندامة  بعدما خسر خيرة جنرالاته في مواجهات محتدمة مع قوات الثورة المهدية.

معركة أم دررمان لم تكن متكافئة في موازين القوى حيث حشدت بريطانيا العظمى قواتها في مصر لتأتي وتغزو أم درمان ، مما أسفر عن مقتل أكثر من 50 ألفًا من الدراويش بطريقة وحشية باستخدام الرشاشات والمدفعية ضد جيش مُجهز بجهاز الحروب التقليدية. يذكر التاريخ أنه بعد أن هزم الخليفة عبد الله التعايشي  في معركة أم درمان ، قام الجنرال كتشنر بتدمير واستخراج قبر المهدي مما أظهر رد فعل متطرف في إذلال قبر قائدهم الروحي. كما تجلى ذلك في رد فعل كتشنر الذي كان شديد الوحشية في قتله للجنود الجرحى الذين كانوا كثير. في اليوم التالي للمعركة كان المانشيت الرئيسي في جميع الصحف البريطانية الكبرى ؛ التايمز، الديلي تلغراف والديلي ميل بنفس العنوان الاحتفالي “Gordon Avenged!” كان من الواضح أن البريطانيين كانوا هدفهم من غزو السودان هو الانتقام لمقتل غوردون.

هذه الصحف والتوثيق الكتابي للمعركة يمكننا أن نقتفي منه ما جاء في كتاب حرب النهر. فبالرغم مما وردنا من مصادر عن عيوب خطة الخليفة العسكرية للمعركة فقد وصفها ونستون تشرتشيل بانها كانت  «خطة عبقرية بالغة التعقيد»، وقال معلقا عليها ليس بوسع المرء  انتقاد إستراتيجية الخليفة  العسكرية  للمعركة سوى عدم تقديره الجيد لفعالية نيران أسلحتنا الحديثة»، كما وصف جنود الخليفة بانهم «اشجع رجال مشوا على وجه الارض على الإطلاق». وقال أيضاً  « لم نهزمهم ولكن حطمناهم بقوة الآلة». كما وصفهم المؤرخ الامريكي  جي إيه روجرز  بذات الكلمات في كتابه «أعظم رجال العالم من ذوي البشرة الملونة»، مستندا لافادات ستيفنز، أشهر المراسلين الحربيين البريطانيين وأكثرهم  صيتاً  بخبراته الثرة في حروب المستعمرات البريطانية. (4)

كما ذكرت صحيفة Crescent البريطانية التي صدرت بعد أيّام قليلة من المعركة « من الممكن القول بأن النصر قد وقف في صفوف البريطانيين بذلك اليوم. ولكن الشرف و الكرامة سيرقدان للأبد مع  أولئك الرجال السودانيين الذين زادوا عن حمى بلادهم».

إذا افترضنا جدلا بصحة ما جاء به باتلر من ربط بين التعصب الديني القديم للمهدي و التعصب الجديد للاسلام المتطرف فإن هذا يقودنا للترويج للمبدأ الأساسي لفكرة «صراع الحضارات» التي انتشرت بصورة واسعة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لدرجة أن بعض المراقبين يعتبرون كتاب صموئيل هنتنغتون «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» كقراءة أساسية لكل أولئك الذين يسعون لفهم جذور العلاقة الحالية بين الإسلام والغرب. فسينتهي بنا المنظور الإمبريالي في كتب التاريخ لوصف أفعال المهدي بأنها جهاد ضد الرسالة الحضارية لكل من إنجلترا ومصر.

نظر معظم المؤلفين إلى غوردون على أنه بطل قومي قاتل بشجاعة من أجل بريطانيا العظمى ، وخاصة في أعين أولئك المغرمون بالعصر الإمبراطوري. هذا الإعجاب والحب قد يغطي النقد أحيانًا. في عام 1918 ، صور كاتب السيرة الذاتية ليتون ستراشي ، صور غوردون على أنه «شخص متناقض رغم أنه بطل». قدم المؤرخون الذين جاءوا بعد ذلك رؤى نقدية حول غوردون والعلاقات الأنجليزية المصرية في السودان. يعتقد أنتوني نوتينغ أن غوردون «سعي بصورة أنانية لانهاء مصيره» ، بينما رأى جيرالد فرينش أن غردون يمتلك «ازدراءًا تامًا لجميع المصالح الأرضية من أجل تحقيق غايات سامية». يرسم هؤلاء المؤلفون طرقًا جديدة للبحث مع ترك السياق التاريخي كما هو. تحلل المؤرخة كيت كامبل الصحافة الجديدة باعتبارها قوة اجتماعية وسياسية، مشيرة إلى موهبة غوردون في استخدام الصحافة لتحقيق أهدافه. من الواضح أن استخدام الصحافة كان أحد الأدوات الفاعلة لجماعات الضغط  البريطانية، استخدمها غوردون عندما مكث في الخرطوم متحديا المهمة التي جاء من أجلها لاجلاء الاجانب، ومنتظرا حملة الانقاذ. أجرى ونستون تشرشل مقارنة بين غوردون والمهدي وقال بأنه  يعتقد أن «الحضارة الأوروبية يمكن أن تخترق الظلام الداخلي للبرية الأفريقية ، مما يساعد على تفسير جهود بعث الشعب السوداني».

(5)

يوضح هذا كيف صور الكتاب مهمة الحضارة على أنها الهدف الرئيسي لرحلتهم العسكرية ، دون الالتفات إلى وجهة نظر السودانيين حول هذا التدخل الغربي في أراضيهم من خلال هذا الاستيلاء البريطاني على أراضيهم.

لم يكن الانتقام فقط هو السبب الرئيسي لإعادة غزو السودان ، بل كان هناك أيضًا عامل ثقافي وديني. وقد عالجت المؤرخة الأمريكية هيذر شاركي هذه المسألة في مقال نشر في كتاب بعنوان «الحروب العادلة والحروب المقدسة والجهاد: لقاءات وتبادل بين المسيحيين واليهود والمسلمين». يثير المقال أسئلة نتجت عن تاريخ طويل من النضال والثورات خلال فترة الحكم الاستعماري في السودان. كما تناول الصراع بين الإسلام والمسيحية ، وبين المسلمين أنفسهم حول طبيعة الحكم الإسلامي والمجتمع الإسلامي. يتساءل المؤلف «هل أدت الخطابات الجهادية في السودان الحديث إلى حملات صليبية استعمارية متبادلة؟» وقالت إن عملية ترجمة كتب تاريخ أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر إلى اللغة العربية قد جددت الاهتمام بالحملات الصليبية الإسلامية (التي حدثت بين عامي 1096 و 1271) وشجعت الاهتمام المضاد بالجهاد. ومع ذلك ، يمكن القول إنه حدث العكس في السياق المحدد للسودان. وهذا يعني أن الخطابات الجهادية داخل حركة المهدي شجعت الخطاب المعادي للمسلمين ، وخاصة بين المبشرين البريطانيين. عندما احتلت بريطانيا مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر ، بدأوا مع الإنجيليين الأمريكيين ، إلى درجة ما ، في التركيز بشدة على تبشير في مناطق المسلمين في جميع أنحاء العالم ، من المغرب إلى جنوب شرق آسيا. كان المبشرون البريطانيون يتبنون نوع الخطاب القوي مع لغة عدوانية ، بينما حافظت الإمبريالية الشعبية والقومية الشعبية على أبعاد بروتستانتية إنجيلية قوية داخل بريطانيا نفسها. أعربت الجمعية التبشيرية الكنسية (CMS) عن رغبتها في تبشير المسلمين كوسيلة للانتقام لموت غوردون قبل سنوات عديدة. (6)

في هذا السياق ، قالت عالمة الأنثروبولوجيا الكندية جانيس بودي في كتابها «حضارة النساء: الحروب الصليبية البريطانية في السودان المستعمر» أن السياسات البريطانية في السودان بعد عام 1898 بلغت درجة «الحروب الصليبية الاستعمارية». لذلك شنت حرب على عادات سودانية سيئة مثل ظاهرة «ختان الإناث» التي كانت منشرة على نطاق واسع في ذلك الوقت، باعتبارها عادات اسلامية. تنسب روح الحملة الصليبية ليس فقط إلى المبشرين المسيحيين ولكن أيضًا إلى جميع الموظفين الاستعماريين البريطانيين في السودان الذين كانوا لديهم أجندة سابقة ؛ الأمر الذي أدى في الواقع إلى «صدام الأخلاق». (7)

كان يُنظر إلى مقتل غوردون على أنه أزمة هزت كل ركن من أركان الإمبراطورية البريطانية من المستوى الرفيع إلى الرأي العام. كان دور غوردون في مهمة نشر الحضارة بالغ الأهمية لجمهوره في الوطن. مع دعمه لأسطورة حملته ضد العبودية ، توقع الجمهور في إنجلترا انتصاره على الدراويش المتوحشين ومحاولاته لفتح بلد مهم في إفريقيا للتجارة والحضارة. حشد الرأي العام لحث حملة الإغاثة لإنقاذ غوردون حفاظا على الكبرياء البريطاني. قادت الصحافة والجمهور الاتهام وطبقا مكانة البطل حتى قبل أن ينتبه اليه السياسيون. يعزز هذا فكرة أن الجنرال غوردون كان مدعومًا من قبل جماعات ضغط قوية جدًا في إنجلترا كانت قادرة على التلاعب بالرأي العام. جماعات الضغط التي كان لها شأن ما تفعله في السودان وأن ثورة المهدية أوقفته ، ولهذا كان  يجب أن يستقيم المشروع على مساره بعد إعادة غزو السودان عام 1898.

* الكاتب قائم بأعمال

سفارة السودان باننجمينا

هوامش

1/  نعوم شُقير، «تاريخ وجغرافية السودان»، بيروت 1903، صفحة 735م.

2. Daniel Allen Butler, «The First Jihad: The Battle for Khartoum and the Dawn of Militant Islam» Philadelphia: Casemate, 2007.

3. Winston Churchill, “The River War: An Account of the Reconquest of the Sudan”, Skyhorse Publishing, 2013.

4. J.A. Rogers,  “World›s Great Men of Color”, “, Simon and Schuster, 2011.

5. Braxton North, «General Chinese Gordon›s Last Stand: National Identity and Hero Worship in the Age of Imperialism», California State University. 1999, Pp 97-99.

6. Heather Sharkey, «Jihads and Crusades in Sudan from 1881 to the Present», 2012 In S. H. Hashmi (Eds.), Just wars, holy wars, and jihads: Christian, Jewish, and Muslim encounters and exchanges (263-282). Oxford: Oxford University Press, Posted on 04/11/2015.

7. Janice Boddy, «Civilizing Women: British Crusades in Colonial Sudan», Princeton University Press, 2007, P. 106.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق