ثقافة وفن

رجاء أوشي

تشكيلية ساحرة ... عانقت العالمية وما وراءها

د. محمد بدوي مصطفى

التشكيلية رجاء أوشي، فنانة بريشة معتقة عانقت منذ زمن العالمية وما وراءها، موهوبة، فطنة، ذكية، وتفصح لوحاتها عمقًا بعيدًا وكبيرًا في تقنيات الريشة واللون على حدا سواء. تخرجت من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية في الجامعة السودانية للعلوم والتكنولوجيا في الخرطوم عام 1994. وقد أدت رحلتها مع الشتات حتى استقرارها مع أسرتها في بيترماريتسبورج. أكملت رجاء دبلوم الدراسات العليا في الفنون الجميلة من مركز الفنون البصرية في جامعة كوازولو ناتال في عام 2006، وعملت كأستاذة زائرة في مركز الفنون البصرية.
رجاء ملهمة لمن يتمعن لوحاتها، إذ تعبر في أغلب أعمالها عن حواء، الأم، حواء المعلمة، حواء صاحبة الرأي والفكر، حواء الأخت والشهيدة والمريدة. لذلك تجعل من كل واحدة منهنَّ ممثلة لحضارة بلدها، بأثواب عدّة وبأشكال عدّة، وتجعلهنّ يبصرن الماضي والحاضر في هذا البلد المعطاء. تخلقهن لينادين أو بالأحرى ليصرخن في وجه المجتمع المتصافق عليهنّ، ينشدن العدل ويعزفن بصلف عن التهميش والتجريح عندما يقلن لا وألف لا. وهؤلاء النسوة تلبسهن ثوب الرجال، فرجاء أوشي ترى في كل امرأة رجل والعكس، وتعكس بهذه “الحرفنة” الإبداعية بداية الخليقة، حيث خلقت حواء – حسب المصادر والتأويل – من ضلع الرجل. أجبرتها سكاكين الحياة تحت وطأة جبروت العسكر أن ترحل بفنها لكي تتنفس الصعداء، فهل هي مجبرة من دواخلها الجياشة أن تعبر عن صوت المرأة عموما، بمر تعكسه من خلال ريشتها وما تحسه من ألم بدواخل حواء؟ أم إنها خلقتها وصبغتها التي صبغت بها، بأن ترد الصاع صاعين، لكل مجحف مرتد عن ايمانه بقوة حواء، وبقدرتها على تخطي الصعاب والعقبات في مجتمعاتنا الذكورية. لذلك فنحن نلتمس في أعمالها الخلاقة الأنين، ونلمس من عبره بؤرة الألم التي تنهش من لحم حواء، عازة، السودان الوطن المعطاء، الذي لا يوجد له وجيع، على حد قول المثل الشعبي! فتجربة أوشي متميزة وفريدة في نوعها. كل هذه المحن المتضاربة والناهشة في ذاكرة المرأة السودانية جعلها ترحل وتجعل منه براقًا، مسافرة إلى آفاق الثريا، ضمناً وصراحة، مجازًا وحقيقة.
عند تمعن لوحاتها نجد العديد منها مستوحاة من الزمكان، كما في بؤرة الرواية، القصة، والأقصوصة، تحكي بريشتها لمن لا يريد أن يسترق السمع وينشد السباحة في آفاق بعيدة. تعبث بطبقات اللون القزحيّ تمزجها وتجعل منها سماوات طباقا، تستوحي لون الأفق من التناغم البديع على ضفاف البحر الأحمر ومن شعب المرجان التي تمتلئ به في كل ركن. تجد النساء في لوحاتها العميقة كما تجد الأفق والرمال واللاناس أحيانًا … فقط هي والرمال والماء الذي يعبر المسافات والزمان إلى شواطئ بعيد تصل بتؤدة في موسم الهجرة إلى الشمال وحتى بلاد الصقيع. وهذه اللوحة أماكنها المفضلة في الرسم والابداع أمام جبروت الطبيعة وإلهام الناسوت.
نجدها هاجرت من مسقط رأسها لتعيش في جنوب أفريقيا في رحاب البحار الواسعة والغابات الممتدة إلى ما وراء الخلق، ومن قبل عبرت في طريقها على مدن وبلدان تركت بصماتها فيها والعكس، مثال فرنسا وويلز والنرويج والمحروسة مصر المؤمنة. تستوحي أعمالها من قاع التراث السوداني ومن موروثه الجبار الذي يتسع لكن من يقترف من هذا المعين الإلاهي.
فجنوب أفريقيا بالنسبة إليها موطن الثائرين، أرض النازحين، وبقعة المقبلين إلى عالم الحريّة، أرض الشهداء والثوّار، (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا)، هذه الأرض الطاهرة التي حررها مانديلا وغيره من الأبطال، الذين طُحنوا بمخالب الأوباش العنصرية، بيد أنهم استطاعوا في نهاية المطاف أن يتركوا الآلام وراء ظهروهم من أجل الأوطان، ناكرين للذات والنفس، وهل كانت رحلة أوشي إلى هذا المكان بمحض الصدف؟!!
تجسد أعمالها في الفترة الأخيرة “لحظات باقية” كديوان الشعر الذي سطرته ريشة العبقريّ إدريس جمّاع وهل بين أوشي وجماع ثمّة أوجه شبه. دعونا نعود لبعض أبياته:
دنايا أنت ومنيتي ومنى الفؤاد إذا تمنى
أنت السماء بدت لنا واستعصمت بالبعد عنّا

أو في قصيدة وحشة الليل:
ماله أيقظ الشجون فقاست – وحشة الليل واستثار الخيال
ماله في مواكب الليل يمشي – ويناجى اشباحه والظلال
هين تستخفه بسمة الطفل – قوي يصارع الأجيال
حاسر الرأس عند كل جمال – مستشف من كل شيء جمالا
ماجن حطم القيود وصوفي – قضى العمر نشوة وابتهالا
خلقت طينة الأسى وغشتها – نار وجد فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت – طينة البؤس شاعراً مثالا
يتغنى مع الرياح إذا غنت – فيشجى خميله والتلال
صاغ من كل ربوة منبراً يسكب – في سمعه الشجون الطوال
هو طفل شاد الرمال قصورا – هي آماله ودك الرمال
كالعود ينفح العطر للناس – ويفنى تحرقاً واشتعالا
وهذه الأبيات العميقة تجسد بكل إحساس أنامل وروح وريشة رجاء أوشي، تتمحور في قاع ابداعها، تصور ملكتها في الخلق وتعكس عبقريتها في نكران الذات، رفع صوت المرأة وحب الجمال، والناس والأوطان.
كما وتجسد أعمالها الأخيرة أيضا، الخروج من أرض النيلين، الابتعاد عن الوطن، البحث عن متاهات ومدارات أخرى خارج سياق السافنا ومياه البحار المالحة، ذلك مجازًا وحقيقة. أرادت بمحض إرادتها أن تكون الباحثة المكتشفة، تنقب عن الجديد الفريد في عملية الصنع والخلق والإبداع. أرادت أن تخرج من مواطن الألم، موت الشهداء، الأحباب والأصدقاء، الأطيفال والنساء، لتسترد قواها فطفقت تنظر إلى كل هذه البحور القاسية من زاوية أخرى. تلتمس الدخول إلى الذات والحياة من جديد من خلال اللون، الرسم، الشكل والتصميم والتوهان في دواخلها العميقة. لم تخلد للون بلدها وعطره الأخاذ لكنها كما أشعر جماع، تستشف من الجمال جمالا كما أصابت في أعمالها بجنوب أفريقيا الملهمة لريشتها. تداخل الألوان وطبقاتها وصبغاتها في سياق واحد، لتتناغم مع بعضها البعض في بوتقة ساحرة وعقد فريد.
بعد كل هذه التجارب والمغامرات، نجد أنها وجدت أسلوبها المتميز والخاص بريشتها أو بتوقيعها، إذ تتجلى كل هذه السمات في ابداعات خارقة للوصف والسرد والكتابة، بيد نور بلدها الساطع نجده في بحره الأحمر وبين نيليه الأبيض والأزرق. لوحات تنبض بالأحاسيس الجياشة وبالحياة في كل لمحة ونفس. رجاء المبدعة بكل المقاييس والمعايير، عالمية وكوكبية رسمها لحيواتنا المتضاربة النابضة بالألم والحزن والأفراح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق