
كلمة رئيس التحرير

د. محمد بدوي مصطفى
كلنا يعرف المثل الذي يقول: “لَعِبَ به كالكرة“. وهكذا فعل هذا الفيروس بالعالم كما لعب بكأسه ماردونا. مرحلة حرجة تشهدها الأمم بأسرها وحرب عالميّة ثالثة ضروس لم يعرفها العالم بهذه الحدّة، اللهم إلا في القرون الوسطى، ذلك عندما استشرى الطاعون وفتك بالأمم الأوروبية، وسُميَّ إذذاك بالموت الأسود. ربما تلاحظون يا سادتي إن ساحات مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت ولا زالت تَعُجُّ بنظريات المؤامرة الكثيرة والمتباينة، فمن أولئك من يذهب ليفسر الكارثة وأن مصدرها هو فرنسا والصين، آخرون يعللون التركيبة الخطيرة للفيروس بأنها مزج شيطانيّ، أمريكي إسرائيلي، والحديث قد يطول في هذا المقام وفي الأخير نجدها جُلّها نظريات متموقعة في ذهن المؤامرة، لا تسمن من جوع ولا تروي من ظمأ! ولابد لنا أن نذكّر في هذا المقام أن ماردونا – عفوا – أقصد كورونا ليسه كالطاعون أو الموت الأسود المذكور أعلاه والذي فتك بالملايين إذذاك فالسيطرة عليه حتما ودون أدنى شكّ ممكنه – ولا جدال – ذلك بما أُعطي العالم من علم في مكافحة الفيروسات وما لدينا من تقنيات وطرق ناجعة في كدم انتشاره وتوسعه. ألسنا في عصر العولمة والتوعيّة و“المايكروبيولوجي“؟ للأسف إن هذا الحرص والعمل التنويريّ والتوعويّ غائب في كثير من أرجاء الأرض التي اقتحمتها أيادي الفقر والعوذ، فإن الإنسان الذي كرّمه الله وحمله في البر والبحر، قادر على هذا التحدي الكبير ولو كره المنظرون المتآمرون. نجد في هذا الصدد أن بعضهم يرنو إلا أن يستغل هذه الجائحة في أن يدغدغ أحاسيس ومشاعر الأمم ببث النظريات والأطروحات والقصص البائسة والتفاسير اللامنطقية في عقول البشر قاصدين نشر الزعر وتوسع الخوف وتكاثف الهلع بيننا. على عكس الدول الغربية التي توحدت في إنسانيتها واجتماعيتها على أعتاب هذه المحنة وصار الجار يغتم ويهتم لأمور الجارة – على غير العادة – نجد أمتنا العربية على غير ذلك؛ فمقاطع الفيديوهات الكثيرة الآتية من الدول العربية تحوي تناقضات عجيبة وشنّ حملات حرب اجتماعية وإثنية بين الناس. فعندما تخرج مهندسة مصرية في فيديو لتطلب من رئيس دولتها معاملة المثل لرعايا دول بعض الدول – وهذا حق – فما يفتأ أن تتساقط عليها التعليقات والفيديوهات الجارحة من كل صوب وحدب. ألا ينبغي علينا كلنا في غضون هذه الكارثة أن نتأدب لا سيما في شؤون الغير وشؤون الجنسيات الأخرى؟ أليسه من الرعونة أن نجاهر بالحقد والبغضاء ونغرسها بين الأمم في فترة يحتاج فيها كل منّا للآخر؟ لقد أثار دهشتي وشحذ فضولي هذا التصرف المتهور – إن صحت المعلومات – أن شركة من بلد عربيّ كريم وصديق قامت بإنهاء مدّة تعاقد العمل للمهندسة صاحبة الفيديو وقد تم ترحيلها في اليوم الثاني! ما هذا يا ناس؟ إننا يا سادتي مهما بلغنا من تمدّن ظاهريّ معماريّ بنيويّ فستظل بدواخلنا رعونة الأطيفال وجهل الأُلى وستبقى فينا الغيرة الغاشمة والوطنية الزائفة المتحجرة في غير محلها. هب أن هذه المهندسة صرحت بهذا الفيديو في بلد أوربي، أتعتقدون أن ردود الفعل ستكون هائجة ومماثلة؟ أو أنها سوف ترجمها حيّة بتسجيلات صوتية جارحة – ليست في حقها فحسب – لكن في حق كل من يحمل جنسيتها وثقافتها وموروثها التاريخيّ!؟ وها هنا يتعلق الأمر بمصر بلد حضارة التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ وأين الدول الأخرى من ذلك؟! هل نسيت السيدة الكريمة أن الله اصطفى هذا البلد ذاكرا إيَّاه ثلاث مرّات في آي الذكر الحكيم في قوله تعالي: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ)؟ ألم يجد يوسف الأمين فيها مأوى وملجأ واستطاع أن يغدق النعم على بني أهله الذي أتوا حاجين إليه من المدائن؟ فخيرات مصر لا تعد ولا تحصى في كل الأزمنة بغض النظر عن سياستها الإقليمية الآنية. إن شعب مصر شعب أبيّ، والسفهاء وقليليّ الأدب قد امتلأت بهم الأرض وهم في كل بقعة من بقاع العالم والحكيم لا يطلق أحكاما مسبقة على شعب باسره، بسبب شخص أو بسبب محنة، ولنقل في هذا المقام: (اللهم لا تحاسبنا بما فعل السفهاء منَّا)، لأن أفضال هذا الشعب لا تحصى على أمّة العرب. دعوني يا سادتي أستدل بأحد نجوم مصر، الشاعر أحمد شوقي، عندما يشُعر في مصر الحضارة قائلا:
إن تسألي عن مصرَ حواءِ القرى
وقرارةِ التاريخِ والآثارِ
فالصُّبحُ في منفٍ وثيبة واضحٌ
مَنْ ذا يُلاقي الصُّبحَ بالإنكار؟
مصر أمّ الدنيا، كما يحلو لنا جُلّنا أن نسميها، هي رائدة التعليم، والأزهر الشريف وجامعاتها تقف برهانا على ذلك وفهي أعطت وما فتئت، علّمت الملايين من أبنائنا وأبناء الأمم الأخرى وغيرهم. ولنتذكر أنه حينما جاءت الطامة الكبرى وغزت بلاد جاراتها فمَن مِن الشعوب وقف إلى جانبها ووهب الأنفس للذود عنها ناكرين للذات ضاربين بالاتفاقيات “البانوعربية” الناصرية عرض الحائط؟! نعم، كرونا لعب بعقولنا وبالأمم كما لعب بها ساحر المستديرة ماردونا!
أندهش وأتعجب يا سادتي عندما أقرأ الديوان الشرقي–الغربي للشاعر جوته وأجد فيه محبته وودّه لحضارة العرب والمسلمين قائلا إن بلادنا مهد الأنبياء والحكماء، فكتب فيها ديوانا من أعظم ما أنتجه الأدب الألماني ويظل برهانا لهذا الحب السرمديّ. لكن أين الحكمة وأين التريث، أأخطأ هذا الشاعر القديم قبل مائتين عام ونيّف في المكان والزمان! ثم ماذا فالمثل الألماني يقول إن كانت لديك مشكلة تؤرقك وتنغص عليك حياتك، سواء مع إنسان أو أي ما كان، فلا تتسارع في رد أرعن لا يحمد عقباه، لكن نُم عليها ليلة، وأشرع في علاجها في الغد وما الغد ببعيد. فلنكن حكماء، أوفياء، نبلاء، فلسنا أنبياء، نعم، نحن غير معصومين، نخطئ ونصفح، نحب ونكره، نثور ونهدأ، لكن علينا – بعد حكمة وتريث – ألا نرفع، بعد كل هذا العنفوان، شعائر الدين الحنيف كفرا وبهتانا، وكإننا رُسُل، متهافتين على الصلوات الخمس وعلى الحج والعمرة وبعد انقضاء هذه الشعائر “تعود حليمة إلى قديمها“!؟ هل تعتقدون أن من مارس هذه الشعائر تغفر لها ذنوبه جُلَّها، ما سلف منها وما كان بعد حول وخريف؟ حتى وإن عاد كل منّا إلى وتيرته وروتينه القديم: يسلب وينهب ويغتصب ويسب ويعمل السبعة وذمتها؟ أترك الإجابة لخيالكم الخصب!
يقودنيالمقالأخيراويسوقنيإلىرسالةالغفرانلأبيالعلاءالمعرّي،التيتعدمنأعظمماكُتبفيالتراثالعربيالنقديعلىالإطلاق،وقدسطّرهاردًّاعلىرسالةابنالقارحذاتالطابعالروائي،حيثجعلالأولالأخيربطلالرحلةخياليّةأدبيةمنالطرازالأول،يحاورفيهاهذاأهلالعلممنالأدباءوالشعراءواللغويينفيالعالمبأثره. بدأها أبو العلاء بمقدمة وصف فيها رسالة ابن القارح وأثرها الحميد في نفسه، ككلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، واسترسل في مدحه ذاكرا جمال الكلم الذي نسجه والتي جعلته يرتقي بها إلى أعلى الدرجات مع الرسل والصديقين من أهل المحبة والعلم. فهل لنا في رسالة الغفران من عظة؟ لماذا لا نتحد حتى في أوقات الشدّة؟! ألم يكفِ أن بُلداننا صارت في عداد الدول المتخلفة عقليا وتربويا وأخلاقيا؟ ومَن يحسب من الشعوب يا سادتي أنه قد بلغ مبلغ الدول العظمى فقط بالبناء والعمارة التي تناطح السحب وأنه الأعظم والأجمل والأغنى من بين الكائنات فقد خسر المعركة الإنسانية من البداية بل أنه خسر الدنيا وما فيها. فقُمنّ وقوموا إلى إنسانيتكم يرحمكم الله! ولا تجعلوا كرونا تلعب بنا يسرة ويمنة كماردونا! مع فائق الاحترام والتقدير لكل الشعوب! ختاما الآية: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).




