ثقافة وفن

عن الشعر المغربي العربي الملحون

ذ. محمد بوعابد

إلى الصديق الأديب محمد بدوي مصطفى

تتوفر عندنا في المغرب أنماط متعددة يأتي عليها القول الشعري، وذلك بحسب ما يتقنه ويتخذه الشاعر المغربي وسيلة لسانية. فنظرا لما يتوفر بيننا من لغات ولهجات في أوساطنا الاجتماعية المحلية (العربية المغربية المعروفة باسم الدارجة واللهجة المغربية، وهي المتداولة في عموم البلاد، والأمازيغية بمكوناتها الثلاثة «تريفيت/تمازيغت/تشلحيت» وهي المتداولة في مناطق الريف والأطلس المتوسط وسوس، ثم الحسانية التي نجدها متداولة في الصحراء المغربية). وإضافة إلى هذه اللغات المحلية هناك اللغة العربية المعربة، أي المقعدة، والتي لها قدسية خاصة عند أهل مغرب، بحكم كونها لغة القرآن والحديث النبوي الشريف، كما أنها لغة الثقافة العالمة، أي أنها لغة الترقي الاجتماعي، وما كان يعتبر شعرا إلا ما يأتي وفقا لما تأصل بحسب ثقافتها المتوارثة منذ الزمن الجاهلي. وفي الزمن الحديث والمعاصر انفتح المغاربة على لغات أخر كالفرنسية والإسبانية والأنجليزية وغيرها… فشرع البعض منهم يكتبون ويبدعون أشعارهم متوسلين إحدى هذه اللغات الأوروبية… وأعتقد أن الشعر المعبر عن الشعب المغربي، والمفصح عن تصوراته ورؤيته للعالم وللإنسان هو ما أتى متوسلا إحدى اللغات أو اللهجات الشائعة محليا، ولعل أبرز هذه الأنماط من القول الشعري وأقواها إفصاحا عن الإنسان المغربي والمعبرة ببلاغة عن ثقافته وحضارته وحضوره في التاريخ الإنساني هي تلك الأشعار التي جاءت متوسلة اللغة العربية المغربية الراقية والماتحة من الثقافة العالمة العربية. ونحن في هذا الصقع المغربي نكتفي عادة بلفظة «الملحون»، للإشارة إلى هذا النمط من القول الشعري المغربي العربي، أو للشروع في الحديث عن ما أطلق عليه أهله العديد من النعوت والاصطلاحات، التي نذكر منها: الكلام، النظام، القريض، الشعر الموهوب… وهو هذا الإبداع المغربي الصميم الذي وسم كذلك بكونه: أدبا، وشعرا، وطربا… والحال أن هذا المسمى عندنا «الملحون»، والذي تعددت صفاته ونعوته عند أهله: المبدعين لنصوصه، والمنشدين لقصائده طربا، والولوعين بها استماعا وتلذذا، هو كل هذا. فهو أدب بالمعنيين الذين يستفادان من هذه اللفظة/الاصطلاح، إذ هو مشتمل على القيم الفكرية والأخلاقية التي تبنتها ساكنة هذا الصقع المغربي الأقصى، وهي القيم التي تتأسس على العقيدة الإسلامية كما تم تبنيها مع الإيمان بها من قبل المغاربة، أي على ما لخصه عبد الواحد بن عاشر في بيت من أرجوزته الفقهية الشهيرة: (( متن ابن عاشر المسمى بالمرشد المعين على الضروري من علوم الدين))، وهو البيت الذي يقول فيه:

*في عقد الأشعري وفقه مالك

وفي طريقة الجنيد السالك*

ومثلما يشتمل «الملحون» على تلكم القيم الفكرية والأخلاقية ذات الأسس والأبعاد الإسلامية، فإنه يشتمل كذلك على القيم الفنية الجمالية والتذوقية الإبداعية التي تبلورت عبر حقب وعصور التاريخ الأدبي العربي منذ الجاهلية وصدر الإسلام، مرورا بالعصور السياسية الأموية والعباسية وما تلاها، وصولا حتى الحقبة الأندلسية… وهي العصور التي عاشت فيها اللغة والأدب العربيان تطورات وتحولات نتيجة امتداد السيادة العربية الإسلامية في جغرافية العالم القديم وإنشائها لإمارات وممالك وإمبراطوريات، وبسبب من انفتاح وتمازج مختلف الشعوب التي انخرطت في الحضارة العربية الإسلامية، فتفاعلت فيما بينها حضاريا وثقافيا. فمهما تعددت أصولها وتنوعت أجناسها، فإن انصهارها في بوتقة الإسلام عقيدة، واستثمارها للغة العربية وآدابها، قد أقدرها على أن تنجز حضورها المائز وإسهامها المتميز، فتأتي إنتاجياتها العمرانية والفنية إثراء وإضافة نوعية تغتني بها الحضارة العربية الإسلامية. بهذا المعنى نعتبر الشعر الملحون مغربيا أولا، وعربيا ثانيا. فهو شعر مغربي من إنتاج شعراء ينتمون لهذا المدى الحضري، ولهذه الحضارة التي تحقق لها الوجود الأسنى من خلال مدن وحواضر (سجلماسة/مراكش/فاس/مكناس/…) فتجسدت في العمارة المغربية الأندلسية كما في اللباس، والمأكل، والمشرب، والصناعات، والحرف، وأنماط العيش الخاصة التي ما تزال متواصلة البهاء والجمال… وهو شعر عربي لأن اللسان الذي اعتمده مبدعوه، فتوسلوه في صياغة أعمالهم الإبداعية، هو اللسان العربي الجامع بين ما جاء به كتاب الله وحديث رسوله الكريم، مع ما جاءت به، من لهجات ولغيات عربية، القبائل العربية التي توافدت على هذه الأصقاع في هذا الغرب الإسلامي، وهي التي استوطنت هذه المجالي المغربية، حين تمازجت مع الساكنة الأمازيغية والإيبيرية. ولعل تسليط أضواء الدراسة والتحليل على ما أبدعه الشعراء المغاربة، المعروفون باسم «شيوخ الشجية»، سيمكن من تجلية وإبراز كيف تعرب اللسان المغربي من خلال تملك أهل هذا الصقع للغة العربية الوافدة عليهم: كتاب عقيدة، ولسان أقوام توافدوا عليهم ثم تساكنوا معهم، واشتركوا رفقتهم في بناء وتشييد حضور حضاري وثقافي متميز في الغرب الإسلامي، تندرج ضمنه تجربة أدبية إبداعية تتصل وتنفصل – في الوقت نفسه – تاريخيا مع التجربة الأدبية الإبداعية العربية مشرقا ومغربا، مثلما ساهموا جميعا في تأسيس وقيام حضور حضاري متميز داخل العدوتين: الجنوبية في المغرب الكبير، والشمالية الأندلسية في شبه الجزيرة الإيبيرية، امتد لقرون ثمانية، وتعايشت فيه أقوام مختلفة الانتماءات الإثنية (البربر، والعرب، والقوط، والزنج) ومتنوعة اللغات والألسنة (أمازيغية وعربية وإسبانية وعبرية) ومتباينة العقائد والديانات (إسلام، مسيحية، يهودية). إذ لا نخال الشعر المغربي العربي الملحون إلا نتاجا تمخضت عنه الحضارة العربية الإسلامية التي تبناها أهل هذه البلاد التي كانت معروفة باسم (الغرب الإسلامي). فمن أسلاف هذا الشعر الملحون هناك القصيدة العمودية وهناك المقامات كشكلين إبداعيين تم إنتاجهما في المشرق، ومن أسلافه كذلك ثمة الموشحات، وثمة الأزجال التي ابتدعها الأندلسيون والمغاربة.

وما دام «الملحون» أدبا بهذين المعنيين، فهو بالضرورة شعر ونثر، ما دام الأدب دائرة كبرى، تتشكل من دائرتين رئيستين، هما: دائرة الشعر ودائرة النثر، الشعر بتنوعاته (الغنائي، والقصصي، والتمثيلي، والتعليمي)، والنثر بأجناسه الرئيسة التي منها السرد أساسا. لكن في العمق يظل «الملحون» بكليته، مواضيع وأشكالا فنية، شديد الارتباط بالشعر، لأن أشهر نصوصه ذات طبيعة غنائية وجدانية، يلتزم فيها الشعراء الشيوخ النظم وفق ما يستوجبه الشعر من أوزان عروضية وقوافي وأرواء…ولكن بعض نصوصه الماتعة والشهيرة أيضا تبدو أشد نثرية نظرا لتخففها من كل تلك اللوازم الشعرية (الوزن العروضي والقوافي مع الأرواء)…

ثم لأن «الملحون» يأتي بصفته شعرا، والشعر يتميز بارتباطه بالموسيقى والإيقاع، فإن الشعر المغربي «الملحون» يرتبط – بالتالي – بالإنشاد والغناء، ومن ثمة فهو طرب.

وبغاية التدليل على ما زعمناه أعلاه، نشير في البدء إلى أن ابن خلدون في ((المقدمة)) توقف عند مسألة اللغة، ونبه إلى أن اللغة العربية كانت قد عاشت تطورات جعلتها تنتقل من (لغة مضر) إلى (لغات الأمصار)، وفي هذا التنبيه ما يدفعنا إلى تسجيل أن اللغة العربية المتداولة في مختلف المناطق المشرقية والمغربية كانت دائما تتشكل من مستويات، نركز من بينها على: لغة الحياة اليومية، ولغة الثقافة، أو ما يمكن تسميته بلغة العلماء وأهل السلطة التي هي لغة الثقافة العالمة في مقابل لغة الحياة اليومية التي هي لغة الشعب. وهو نفس الواقع الذي ما نزال نعيشه حتى الوقت الحالي. مع الانتباه إلى أن لغة الشعب كانت وما تزال تتباين في ما بينها بحسب المناطق، وهذا ما يؤكده العلامة ابن خلدون حين يذكر أن عربية أهل المغرب تختلف عن عربية أهل المشرق، وأنهما معا تختلفان عن عربية أهل الأندلس، وذلك تأكيدا منه للتأثر والتأثير المتبادلين بين مستعملي العربية وما كان قبلها من لغات مستعملة أو ما تزال تستعمل محليا. والظاهر أن هذا ينطبق بقوة على العربية المغربية المعاصرة، ففيها تتساكن وتتعايش الألسن العربية والأمازيغية والفرنسية والإسبانية وغيرها مما عرفه الناس في هذا المدى الحضاري عبر التاريخ. وهذا الواقع قابل للتكشف بوضوح حين ندرس نصا شعريا ملحونا مما أبدعه الأسلاف، أو مما يبدعه الشيوخ المعاصرون، إذ سيتبدى لنا تفاعل اللسانين العربي والأمازيغي، لا على المستوى الصواتي والصرفي فحسب، بل وكذلك على المستويات المعجمية، والنحوية التركيبية، والدلالية التداولية. وإذا كانت لغة الحياة هي لغة التواصل، مما يعني أنها لغة وظيفية، قد تتخلها صور فنية، ولكن المتوخى منها هو الإبلاغ، بينما تتميز اللغة الأدبية، وعلى رأسها اللغة الشعرية، بكونها لغة تسعى إلى تحقيق انجدال الإبلاغ بالإمتاع، أي أن الشاعر لا يستعمل اللغة في شعره مثلما يستعملها المتكلم العادي في الحياة اليومية، ولا مثلما يتوسل بها الفيلسوف أو رجل القانون، إنه إنما يستهدف إنجاز ما سماه الشكلانيون، وفي مقدمتهم ياكبسون، بالوظيفة الشعرية. أجل، قد لا تجتمع في النص الشعري جملة الوظائف التي تحدث عنها هؤلاء، وهي الوظائف الست للتواصل اللغوي: (التواصلية، التعبيرية، التأثيرية، التنبيهية، المرجعية، الميتالغوية، الشعرية)، ولكن قد يحضرها بعضها فقط. غير أن ما يجب الانتباه له والتقصي عنه هو اكتشاف الوظيفة المهيمنة في ذلك الخطاب، لأنه إذا كانت الوظيفة المهيمنة في لغة الحياة اليومية هي التواصل، فإن الوظيفة المهيمنة في الشعر تظل هي ما سمي بالوظيفة الشعرية أو الجمالية. وذلك لأن جميع العناصر التي يتشكل منها (…النص الشعري (العواطف والأحداث والأفكار، واللغة نفسها كقواعد ونظام) تخضع لهذه الوظيفة المهيمنة…) [ص10 أحمد بوزفور: تأبط شعرا. دراسة تحليلية في الشعر الجاهلي. نشر الفنك. 1990]

من جانب آخر، لا بد من الانتباه إلى أن النص الشعري الملحون، وهو يتصل بالتجربة الشعرية العربية (في تمظهراتها العمودية والتوشيحية والزجلية)، استطاع أن ينجز تبلوره الخاص، وفق شروطه الذاتية والموضوعية، ويحقق تميزه ضمن خريطة الإبداع الشعري العربي، عبر تواصله واتفصاله مع هذه التجارب الشعرية ذاتها، سواء على مستوى الموضوعات والمضامين، أم على مستوى الأشكال والقوالب الفنية. فقد تنوعت مضامين الشعر الملحون، وتعددت، إذ نجد منها ما هو متوارث عن الأسلاف، وهو المتمثل في ما عرف قديما باسم الأغراض الشعرية: كالمدح، والهجاء، والفخر، والرثاء، والغزل بنوعيه: العذري العفيف والإباحي الماجن… ومنها ما تم استحداثه شعرا أندلسيا كوصف الطبيعة، أو قام الشعراء بتطويره في الحقب العباسية وما تلاها: كخمريات أبي نواس وعشقيات أهل التصوف… بالإضافة إلى هذا الموروث الشعري مضمونيا، نجد الشعراء الشيوخ أنجزوا عمليات إبداعية ميزت شعرهم مضمونيا، فقد أنسنوا الأشياء (الشمعة، القلة والغراف، ) والحيوانات (العاود أي الجواد، والنحلة) وأنطقوها في شعرهم… وأبدعوا نصوصا شعرية قصصية وملحمية وتعليمية، علاوة على الغزير من الأشعار الغنائية… أما على مستوى الأشكال الفنية التي تقدمت من خلالها نصوص الشعر الملحون، فنجملها في ثلاثة، هي:

• مقطعات شعرية قصيرة في الغالب، وإن كان بالإمكان أن نجد من بينها ما هو طويل إلى حد ما، وتعرف عندهم باسم «العروبيات» أي الرباعيات. وتكون مجهولة المؤلف، ومثالها الأوضح ما أنتجته النساء المغربيات للتعبير عن ما اختلج في وجداناتهن من عواطف. وينظر في هذا الإطار كتاب العلامة محمد الفاسي: «رباعيات نساء فاس (العروبيات)» الصادر سنة 1971 عن مطبعة محمد الخامس الثقافية والجامعية. ونأخذ منه المثال التالي، مع تعريبه:

يا شاري قفل الهوى! باش اتحله؟= يا من اشترى قفل الهوى بماذا ستفتحه

ها مفتاحه عند من لا تدري به= هو ذا مفتاحه عند من لا تدري بحاله

أما قاسى قيس قبل منك ما حله= كم قاسى منه قيس قبلك، وما تمكن من فتحه

وما هاجر في الخلا والشوم عليه= وكم هاجر في الخلاء والرمضاء تحيط به

ما قد شي يخلخله عساك أنت تلويه= فما استطاع خلخلته، فكيف لك أنت أن تلويه

• نصوص شعرية متوسطة الطول، اصطلح أهل الملحون على وسمها بلفظ «السرارب أو السرابات» وواحدتها تسمى «سرابة». ويتناول فيها مبدعها مختلف الموضوعات التي يتم التطرق لها في القصائد. وتعتبر «السرابة» مقدمة أو مدخلا يهيئ لإنشاد «القصيدة»، إذ عندما يشرع المنشد في إنشادها يعلن للمتلقين عن طبيعة الموضوع الذي سيتطرق له في القصيدة: عشاقي، توسل، مديح… وتوسم السرابات عند أهل هذا الفن بكونها «حرامية»، إذ لا يعرف مبدعها، مادام لا يوقعها باسمه تصريحا أو تلميحا. ولنمثل لهذا الشكل الشعري الملحون بسرابة تتغنى بفصل الربيع:

فصل الربيع قبل والوقت ازيان

وعلامات الخير للورى بانوا

جاد الزمان، وضحك ثغر السلوان

والنكد اتفاجى ؤزالت احزانو

وبطايح الزهر على كل الوان

تسبي من راها بشوفة اعيانو

والأرض زي حورية من رضوان

معاها صاب السرور سلوانو

نحكي عريس وعروسة في الأوان

لبست من ثوب الدباج حيجانو

صبحت بارزة بكساوي حسان

دام الله جمالها ؤحسانو

مهما انظرت بعياني

في كمال زينها ومحاسنها باح كل مكنون

طبعي من الصبا فاني

وقت الربيع توجدني ما بين الاحراج مشطون

ننشي الفاظ ومعاني

واهل الهوى يعرفوني ما هر من أصحاب الفنون

واليوم هزني مولاي الغيوان

وانطق سلطان الربيع بلسانو

ادوا ؤقال لي عول يا إنسان

تقطف ورد رياضنا ؤسوسانو

شوف الرياض فاح ؤزهرت الاغصان

كل غصن يهجي بريحة افنانو

وطيار ناطقة في ادواح البستان

كل عشيق فشى اسرار كتمانو

وانا اعلاش ما نزهى يا حسان

يا من حبك في الاصيار غيوانو

أنا في عار ذاك الخد المزيان

غدر لي من راحنا ؤكيسانو

مهما ارشفت كيساني

من يد من اهويت ؤقلت لها هكذا المظنون

أنت كمال سلواني

وعلى مجيك حلت البشارة يا سراج العيون

بين الوتار والغاني

والعود والرباب ؤجنك ؤكمنجة ؤقانون

نزهاوا في بساط العذرا

ما بين الاحراج الخضرا

في ساعة الرضا والسرور

ونشاهد الشقيق ؤجمرة

والورد مير بين الوزرا

والقيقلان والخابور

ونقول يا غزالي زهرة

مصاب في جمالك نظرة

والكاس بالرحيق يدور

ناسك يا الريم العذرا

سماوك الغزالة زهرة

وانا يا صبيغة الضفر سميتك الغزال زهور

• نصوص شعرية طويلة، تتشكل من أقسام، قد تقل وقد تكثر وتتكاثر. يسمون واحدتها «قصيدة»، ويجمعونها على «قصايد وقصدان». وفي هذا الشكل الشعري عالج الشعراء الشيوخ العديد من الموضوعات: الذاتية، والاجتماعية، والتاريخية، والسياسية، والفنية الجمالية. وقد وجدنا من الشعراء الشيوخ من يكتفي بعدد قليل من الأقسام، على غرار ما دأب عليه الشاعر الشيخ سيد الجيلالي امتيرد، وقد برر عدم تجاوزه خمسة أقسام في الكثير من قصائده برغبته في ألا يمل المستمعون، أما غيره من الشعراء الشيوخ فقد كانوا يطيلون ويكثرون من عدد أقسام قصائدهم، بحيث وصلت عند عبد القادر العلمي أقسام قصيدته «الجمهور» أو «جمهور الأولياء» إلى 42 اثنين وأربعين قسما، متكونة من 435 أربع مائة وخمس وثلاثين بيتا، وأخبرت أن قصيدة ملحمية بعنوان «الدقيوسية» تعد من هذه المطولات.

ومن الناحية العروضية نجد النصوص الشعرية الملحونة تتم صياغتها إيقاعيا وموسيقيا وفق نماذج اصطلحوا على تسميتها كما يلي:

•المبيت: ويمكن تسميته الشعر العمودي الملحون، وذلك لأنه يقوم ويتأسس على وحدة البيت الشعري، مثلما هو الحال مع القصيدة العمودية التي تتشكل من أبيات، تتكون من مصراعين (صدر وعجز) يسميهما أهل الملحون (فراش وغطا). لكن البيت الشعري عندهم لا ينحصر في ما سار عليه الشعراء العرب قديما، فهو عندهم قد يكون ثنائيا أو ثلاثيا أو رباعيا أو خماسيا.

•مكسور الجناح: مع هذا الشكل العروضي تطورت قصيدة الشعر الملحون من وحدة البيت، مهما تعددت مكوناته، وانتقلت إلى وحدة المقطع أو القسم كما يصطلح عليه عند أهل الشعر الملحون. وذلك لأن كل قسم من أقسام قصيدة مكسور الجناح يمثل وحدة عروضية ودلالية، تجمع في البدء ما بين أشطر متحررة من وحدة الوزن والقافية والروي وبين أبيات عمودية في النهاية.

• السوسي: مع هذا الشكل العروضي الذي تفتقت عنه قريحة وسجية الشاعر الشيخ الجيلالي امتيرد، وهو المجدد والمبدع على مستوى المضامين والأشكال، سنجد شاعر الملحون قد بحث عن الشعرية السردية، فجاء بنصوص تتضافر فيها المكونات الشعرية والسردية في جديلة واحدة ماتعة ومفيدة. إذ يتميز هذا الشكل العروضي بتحرره من الأوزان والقوافي، مما يجعله شعرا نثريا أو نثرا شعريا. فالشاعر الشيخ يشرع في أول قسم (الدخول) من قصيدته، التي على وزن السوسي، بعبارات وجمل لا تخضع لأي وزن، ولا تقيدها أية قافية، ثم ينهيها بلازمة موزونة عموديا (مبيت). ثم في المقاطع التالية يقوم بقلب ما بدأ به في (الدخول)، إذ يعمد إلى الشروع في كل مقطع (قسم) ببيت عمودي، ثم يتبعه بجمل وعبارات منثورة. وكل مقطع (قسم) يمثل وحدة دلالية من المتوالية السردية التي تتشكل منها القصيدة.

ومثلما لاحظنا استمرارية نسغ التجربة الشعرية العربية مضمونيا في الشعر المغربي الملحون، تسعفنا هذه الإطلالة، على الأشكال العروضية التي يأتي عليها الشعر المغربي الملحون سواء في شكل العروبي أو السرابة أو القصيدة، على تبين حضور التجربة الشعرية العربية، الممتدة منذ الزمن الجاهلي وحتى الزمن الأندلسي، وعلى ملاحظة كيف تبلورت وتطورت عند الشعراء الشيوخ منذ ابن حساين وأوائل شعراء هذا النمط من القول الشعري، مرورا بالمصمودي والمغراوي، بلوغا حتى المرحلة المسماة عند أهله (صابة الملحون) والتي ظهر فيها المجددون والمبتدعون الكبار كسيد الجيلالي امتيرد وسيد التهامي المدغري والمتصوف الحكيم عبد القادر العلمي وغيرهم. فشكل المبيت يضاهي إلى حد ما الشعر العمودي الذي يعتمد وحدة البيت، وشكل مكسور الجناح يذكرنا بما عرفته التجربة الأندلسية حين انتقل شعراؤها من العمودي إلى التوشيح، أما السوسي فيبرز أمامنا استمداد شعراء الملحون الشيوخ واستقاؤهم ما استفادوه من شكل الكتابة المقامتية، إذ في حالة الاطلاع على نسخة مخطوطة لإحدى قصائد «التراجم» الواردة على وزن السوسي يمكن التأكد من محاكاة هذا النمط من القول الشعري الملحون لشكل المقامة، من حيث جمعهما معا بين ما هو شعري وما هو نثري، على مستوى المظهر كما على مستوى الجوهر المضموني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق