ثقافة وفن

صمودُ القصيدةِ نضال

الشاعر العراقي والدبلوماسي شاذل طاقة (1)

د. سامي عبد الستار الشيخلي

كتب لي نواف الابن البكر شاذل طاقة المقيم في باريس في الذكرى 38 لرحيل الشاعر العراقي الرائد في الشعر الحر شاذل طاقة الذي أعجِب السياب بقصائده ورثاه قباني بمرارة هذه الرسالة

صادف العشرون من تشرين الأول (أكتوبر العام 1974)، وفاة الكاتب والشاعر ووزير خارجية العراق الأسبق شاذل طاقة عن عمر ناهز الخامسة والاربعين، أثناء حضوره اجتماعا لوزراء خارجية الدول العربية في العاصمة المغربية الرباط.

كان شاذل طاقة، كمعظم شعراء جيله الكبار، من الحالمين بغد عربي مشرق، ينعتق فيه الانسان من قيود الاستعمار والاستبداد والتخلف، فتغنى في قصائده بذلك اليوم الموعود بالحرية لكل العرب وبتحرير الأراضي العربية المحتلة والمغتصبة وفي مقدمتها فلسطين.

لم يدر بخلد شاذل طاقة وهو يرحل بأن الغد المقبل ما زال بعيدا كل البعد، فقد توالت بعد رحيله النوائب التي حلت بالعراق والأمة العربية، فلم يكتفِ المستعمر باحتلال فلسطين والامعان في قتل أبنائها، بل وقع العراق أيضا تحت الاحتلال. وكانت والدتي كلما رأت محنة تجر ويلاتها على العراق تقول لقد ارتاح أبوكم.. ولم يرّ هذا الخراب، فقد كانت تدرك، وهي شريكة حياته والأقرب إلى أحاسيسه، أن قلب الشاعر المرهف لم يكن ليقدر على تحمل المصائب والأهوال اللاحقة التي تعرضت لها الأمة العربية بدءاً من الانتفاضات الفلسطينية التي خذلتها أنظمة عربية فاسدة، إلى الحروب وويلاتها التي اجتاحت المنطقة، وصولا إلى غزو العراق واحتلاله.

الان وبعد ثمان وثلاثين سنة من وفاته، يبدو المستقبل أكثر قتامةً، فإن كانت الفرصة قد اتيحت لوالدي بأن يعيش في بلده رغم التحديات والاحباطات الكثيرة التي واجهها جيله، فان ملايين العراقيين، بما فيهم عائلته، قد أرغموا على ترك ديارهم ووطنهم. وإن كان الأمل يحدوه في قصائده لأن ينتصر الفقراء على الجوع والظلم والتشرد فالعراق تملؤه اليوم حشود من الجياع وسط ظلم لم يسبق له مثيل منذ أيام هولاكو. وأخيرا، إنْ كان شاذل طاقة حريصا أثناء مفاوضاته العام 1974 مع وزير الخارجية الإيراني عباس خلعتبري على التصدي للأطماع الإيرانية، فإن العراق اليوم خاضع من شماله إلى جنوبه لمصالح إيران وإرادتها.. ولكننا ورغم هذه الظلمة الموحشة فأن القصائد التي كتبها شاذل طاقة ما برحت تمنحنا القوة وتزرع فينا الأمل لأن إرادةَ فينا قضت أنا سننتصرُ كما قال شاذل طاقة في احدى قصائده.

سيرة في الادب والدبلوماسية

شاذل طاقة 1929ــ1974، شاعر وسياسي ودبلوماسي عراقي، من مؤسسي مدرسة الشعر العربي الحديث الشعر الحر، مع الشاعرين بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي والشاعرة نازك الملائكة. ولد في مدينة الموصل العراقية العام 28 أبريل 1929. أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة الخزرجية، والمتوسطة في الشرقية أما دراسته الإعدادية فأتمها في الإعدادية المركزية في الموصل، والتحق بدار المعلمين العالية كلية التربية في بغداد في العام 1946 1947، وتخرج بتفوق من الكلية المذكورة في حزيران من العام 1950، حاصلا على شهادة الليسانس في الأدب العربي بمرتبة الشرف. بدأ كتابة الشعر العمودي، ومن ثم الشعر الحر، في سن مبكرة ونشرت قصائده في الصحف المحلية منذ أربعينيات القرن الماضي.

قال عنه بدر شاكر السياب شاذل شاعر كبير أضاعه بقاؤه في الموصل.

ريادة في الشعر

تقلد مناصب وظيفية رفيعة عديدة حيث عين عام 1963 مديرا عاما ل وكالة الأنباء العراقية بعد تسلم حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق مقاليد السلطة في العام 1963. شغل عام 1968 منصب وكيل وزارة الإعلام، ثم سفيرا للعراق لدى الاتحاد السوفيتي، ووكيلا لوزارة الخارجية، ثم أصبح وزيرا للخارجية عام 1974م وتوفي في العاصمة المغربية في العام نفسه أثناء حضوره اجتماع وزراء الخارجية العرب في الرباط بتاريخ 20 أكتوبر 1974م، بعد أن دس له السم بالطعام.

تجربته الشعرية

يعد شاذل طاقة من الشعراء الرواد الأوائل للقصيدة الحرة حيث كانت له محاولات جادة ومهمة في تطوير البنية الإيقاعية الشعرية وكانت له اجتهادات عروضية مهدت لمحاولات كثيرة أعقبته. تقول مقدمة مجموعته الشعرية الكاملة التي نشرت بعد وفاته وكما كانت سيرته الذاتية نضالا دائبا في خدمة العروبة، كانت سيرته الشعرية بحثا دائبا عن القصيدة الأجمل والانتاج الأروع.

كرس شاذل مسيرة حياته القصيرة لما يعرف اليوم بالقصيدة الملتزمة إذ تبنت قصائده منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي قضايا الكفاح التحرري للشعب العربي. في هذا السياق، دعمت قصائده النضال التحرري للشعب الجزائري، فيما تناولت أروع قصائده في مرحلة متقدمة من نضوجه الشعري محنة الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي فعبرت بروح صادقة عذبة عن تلك المعاناة. اتسمت تجربته الشعرية بالتجديد وقد ورد في مقدمة ديوانه المساء الأخير 1950 قوله ان هذا الضرب من الشعر الشعر الجديد ليس مرسلا ولا مطلقا من جميع القيود، ولكنه يلتزم شيئا وينطلق عن اشياء.. ولعل من حق الفن ان اذكر ان هذا الضرب ليس مبتكرا، فان جذوره ممتدة في الشعر الأندلسي.

وعن دور الشعر والشاعر في الحياة، يقول شاذل طاقة في المقدمة ذاتها لكني أحسب أن الشعر، في هذا العصر، لا يزال له خطره، وأن الشاعر، لا يزال كما كان منذ القدم نبيا بين الناس يرشدهم ويهديهم، ويقوّم ما أعوج من طباعهم وأذواقهم.. ويكفي الشعر هذا فلا حاجة به إلى أن يكون بوقا من أبواق الإصلاح الاجتماعي، يهدف مباشرة إلى خدمة البلاد، فأنه لن يكون حينذاك شعراً، ولن يحق لنا أن نعتبره فنا جميلاً.

يشير الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب في رسالة بعثها إلى شاذل طاقه بتاريخ 13 تشرين الأول (أكتوبر 1963 إلى قصيدة الدملماجة التي كتبها طاقه عام 1959 حيث يعتبرها السياب من أجود الشعر المعاصر.

كان لشاذل طاقة، أنشطة ثقافية وأدبية وسياسية متواصلة، بدأت بوقت مبكر من حياته، أرتبط من خلالها بعلاقات واسعة مع شعراء وأدباء ومثقفي وفناني عصره، وبخاصة أولئك الذين اقتربوا من هموم الإنسان العربي، وعبروا عن قضاياه العادلة، سواء في العراق أو الأقطار العربية الأخرى. وترجع العلاقة التي ربطت شاذل طاقة بنزار قباني إلى ستينيات القرن الماضي، والتي كانت قد تعززت بفعل مجموعة من العوامل والظروف التي رافقت تلك المرحلة، فضلا عن إعجاب شاذل، كما يروي أحد أصدقائه، بقصائد نزار قباني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق