ثقافة وفن

حكاية الفلسفة (23)

مصادر المعرفة

أبو بكر الصديق على أحمد مهدي

نظرة ونظرات:

(كلب ميت على قارعة الطريق، وقد فتح فاه فبانت أسنانه البيضاء، تمر به جماعات الناس، فما يرون فيه غير القبح والدمامة، وما يثير منظره في نفوسهم غير الاشمئزاز والنفور، وإذا بأحدهم يمر فيستوقف أصحابه قائلاً…. أنظروا الي هذا الكلب، فيردون عليه، وماذا عسانا ننظر وكله القباحة والدمامة! ولكن أليست له أسنان هي الدر النضيد؟).

مصدر المعرفة عند التجريبيين والعقليين:

هم يلوكون مراراً وتكراراً.. ان الاختلاف رحمة، ولكنهم لا يحترمون الاختلاف.. عجبي. وانا، مرة ومرات، أقول بأن الاختلاف نعمة وأي نعمة. ونحن نعم نحن.. نعلن ونصرح بان التعدد، والتنوع في التعدد هما نتاج النواميس الطبيعية. وأنت تسأل عن «نحن»؟  وهل تخفى «نحن» في عوالمها الشابة الأنيقة المخلصة. وعندما نحاول ان نعقد محكمة معرفية أو ننصب نوع من أنواع المقارنة الوجودية بين مصدر المعرفة عند التجريبيين، ونبعها وينبوعها عند العقليين، فإننا، وبلا أدنى ريب، واجدين بأن التجريبيين، اطلاقاً، لا يرحبون ولا يقرون بأي معرفة حلقت في سمائهم، ثم حطت رحالها في ساحاتهم الا تلك التي جاءت بها الحواس، لدرجة أنهم يحكمون على تلك الفكرة التي تستحيل عليهم ردها أو رد عناصرها الي أصولها الأولى من الانطباعات الحسية بالبطلان والتكذيب والرفض.

ويرد أهل المذهب العقلي على ما يعتقد فيه التجربيون ويؤمنون فيه من «أن المعرفة منبعها الحواس»: قائلين بأن الحواس كثيراً ما تخدع ولا تعطي الصورة الحقيقية، فالعين ترى سراباً تحسبه ماء، وعندما تأتيه لا تجد عنده ماء، ولا يبقي هناك سراب. فالعقليين لا يقبلون بما تجيء به حواسهم من بيانات ومعلومات هكذا بكل بساطة، ولكنهم يقفون وقفة تأمل، ولا يقطعون بيقين هذه البيانات، وصحة تلك المعلومات لأنهم غير واجدين فيها صفتي الضرورة والتعميم. لذلك يقولون بضرورة وجود مصدر آخر ضروري وشامل هو الذي يساعدنا في معرفة صدق هذه البيانات، ويقين تلك المعلومات.

وبصفة الضرورة يعني العقليون ويوضحون قائلين بأنه ليس بين المعلومات التي أتتنا عن طريق الحواس ما يجزم ويتحتم أن تكون على نفس الصورة التي أتت بها، ولا أن تكون على غيرها. فأنا أرى المصباح على الطاولة، ولكن ليس هناك ما يمنع أن يكون على أرض الغرفة أو على أحد النوافذ أو المقاعد؟ فوجوده على المنضدة لا ضرورة فيه، انما هكذا حدث! وكان من الممكن أن يحدث شيء أخر مختلف غاية الاختلاف. واذاً علينا أن نقارن ذلك بما إذا قلنا (إذا كانت «أ» أكبر من «ب“، و «ب» أكبر من «د»  كانت «أ» أكبر من «د»)، فهذه الحقيقية لا يمكن لنا أن نقول بأنها هكذا حدثت، وكان بالإمكان أن تحدث على شكل صورة أخرى مختلفة.. لماذا؟ والاجابة تصدح، بكل ثقة، قائلة: لأن صدقها ضروري ولا يعتمد على تجاربنا الحسية المحضة، ولكنها، على عكس ذلك، تنير لنا سبيل تجاربنا الحسية. هذه الحقيقة (لا تخطيء مرة وتصيب أخرى ولكنها صادقة دوماً، أي صادقة بالضرورة) وما شابهها نابعة من العقل وليس من الحواس. وما كان نبعه ومصدره العقل فصدقه ضروري محتوم بالضرورة، أما من كانت منابعه عيون الحواس فصدقه مرهون بالمشاهدات والإحصاءات، وهذه قد تتغير نتائجها فيتبدل صدق ما يترتب عليها.

أما الصفة الثانية التي تفتقر لها المعرفة الحسية والتي هي شرط للمعرفة بمعناها الصحيح حسب رأي العقليين فهي إمكانية تعميم الحكم على أفراد النوع كله، تعميماً لا نشك في صدقه. والحواس تعجز عن القيام بمثل هذا التعميم دون وجود عامل آخر مهم وهو العقل. فمثلاً إذا حللنا ذرة من ذرات الماء فوجدناها مركبة من جزأين «الهيدروجين والأوكسجين» وأردنا أن نعمم هذا الحكم علي كل ذرة ماء، أينما كانت وكيفما وجدت، فلن نستطيع ذلك ونحن معتمدين على الحواس وحدها، لأننا في هذه الحالة نحكم على ذرات مائية أخري لم تشاهدها ولم تراها أعيننا، فنحن اذن بهذا الحكم العام تجاوزنا مصدر الحس والحواس. ولو وجدنا ما يبرر إطلاق الحكم على ذرات الماء كلها، ما وقع في خبرتنا الحسية منها، وما لم يقع فلن يكون هذا المبرر معتمداً ومرهوناً بالحواس، بل لابد أن يكون هناك عامل أو عنصر آخر الي جانب حواسنا هو الذي يدعمنا بقوة ويؤيدنا في إطلاق حكمنا على بقية أفراد النوع الذي خبرنا بعض أفراده. وهذا العامل الأخر، بلا ريب ولا أدني شك، هو العقل.

وبما اننا دغدغنا الحواس فيما سلف من حروف وكلمات.. وغازلنا العقول فيما فات من سطور وأسطر.. فعلى الحواس أن تميز.. وعلى العقول أن تعقل ما وقعته ورسمته ريشة الفنانة مي زيادة.. وصفاً وتحليلاً وتعنيفاً.. في العيون.. فأطربت العيون.. وأسكرت كل الجفون… وألحن ثغرها عيوناً وعيون.. وغنت….: العيون.. الا تدهشك العيون؟

العيون الرمادية بأحلامها.

والعيون الزرقاء بتنوعها.

والعيون العسلية بحلاوتها.

والعيون البنية بجاذبيتها.

والعيون القاتمة بما يتناوبها من قوة وعذوبة.

جميع العيون….. تلك التي تذكرك بصفاء السماء.

وتلك التي يركد فيها عمق الهموم.

وتلك التي تريك مفاوز الصحراء وسرابها.

وتلك التي تعرج بخيالك في ملكوت أثيري كله بهاء.

وتلك التي تمر فيها سحائب مبرقة مهضبة.

وتلك التي لا يتحول عنها بصرك الا ليبحث عن شامة في الوجنة.

العيون الضيقة المستديرة، والعيون اللوزية المستطيلة.

وتلك الغائرة في محاجرها لشدة ما تتمعن وتتبصر.

وتلك الرحيبة اللواحظ البطيئة الحركات.

وتلك التي تطفو عليها الأجفان العليا بهدوء كما ترفرف أسراب الطيور البيضاء على بحيرات الشمال.

وتلك الأخرى ذات اللهيب الأخضر التي تلوي شعاعها كعقاقة كلاب على القلب فتحتجنه، وغيرها، وغيرها، وغيرها.

العيون التي تشعر….. والعيون التي تفكر…..

والعيون التي تتمنع….. والعيون التي تترنم…..

وتلك التي عسكرت فيها الأحقاد والحفائظ…

وتلك التي غرزت في شعابها الأسرار.

جميع العيون وجميع أسرار العيون.

………. ولوصف العيون بقية لا نهاية لها… فأي العيون.. سيداتي سادتي.. تلك التي أسرت ألبابكم.. وهيجت خفقان قلوبكم.. وسرعت وتيرة نبضات مشاعركم.. وأشعلت الجمال في ربوعكم.. ونثرته يمنة ويسرة فيها… وهل كان لكم فيهن رأي.. وأي كلام أو اختيار؟

ولكن….. لحكايتنا بقية.. وكمان نهاية…

المصادر:

•زيادة، م.، 2017. ظلمات وأشعة. دار الجمل للتوزيع والنشر.

• محمود، ز.، 2017. نظرية المعرفة. مؤسسة هنداوي سي آي سي. المملكة المتحدة

• نور، م.، 2018. بين ثقافتين: مقالات وقصص. وزارة الثقافة والرياضة. قطر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق