ثقافة وفن

ألبير كامو … سلسلة مقالات

الظلّ والضياء (2)

ترجمة: محمد حاتم 

سخرية

 قبل سنتَيْن تعرفت إلى سيِّدة عجوز، مصابة بشلل نصفيّ، اعتقدت أنها ستموت منه. لم يكن لها في هذه الدنيا غير نصفها السليم، فيما أصبح النصف الآخر غريباً عنها. هرمة، مضطربة وثرثارة، أُجبِرت على الصمت والسكون. تظلّ وحيدة لأيَّام طوال. أمِّيّة وضعيفة التفاعل، وهبت كلّ حياتها للربّ. مؤمنة، بدليل أن لها سبحة ومسيح من الرصاص، والقدِّيس يوسف يحمل الطفل يسوع، من الجص. مع عدم يقينها من أن مرضها عضال، كانت تلحّ على ذلك استدراراً للاهتمام، مفوّضة الباقي للربّ الذي كانت مقصِّرة في حبِّه.

في ذلك اليوم، اهتمَّ بها شخص ما. كان شابّاً؛ اعتقد أن هناك حقيقة خفيّة ما، وأن هذه المرأة ستموت، دون أن يشغل نفسه بمحاولة فهم هذا التناقض. لقد اهتمَّ، فعلاً، بغمّ هذه العجوز. هي، من جهتها، أحسَّت بذلك، وكان هذا الاهتمام مكسباً مفاجئاً لها. حدَّثته، بحماس، عن أحزانها، وأنها اقتربت من نهايتها، وأنه يجب إفساح المجال للشباب. هل كانت تشعر بالملل؟ هذا أكيد؛ فلا أحد كان يكلِّمها. كانت، في ركنها، مثل كلب، تفضِّل الموت على أن تكون عالة على أحد ما.

صوتها صار مماحكاً. صوت دَلَّال ومساومة. تفهَّم الشابّ حالتها، لكنه كان يرى أن الاعتماد على الآخرين أفضل من الموت؛ وهذا لا يعني إلّا شيئاً واحداً، ربَّما، هو نفسه لم يكن، أبداً، على مسؤولية شخص ما. فكان يقول لها، بما أنه يرى السبحة بين يديها: «لك الله». لقد صدق، لكنها على هذا المستوى، أيضاً، كانت تتضايق أكثر. فإذا صادف وأطالت في صلاتها، أو إذا تاه بصرها في بعض زخارف النجود، تقول ابنتها: «ها هي ذي تصَلِّي من جديد!. فيمَ يعنيكِ هذا؟ كانت تردّ. فتردّ الابنة: هذا لا يعنيني في شيء، لكنه يثير أعصابي»، فتصمت العجوز، صابّةً على ابنتها نظرات مِلؤها العتاب.

كان الشابّ ينصت إلى كلّ هذا بغمّ شديد وغريب، يضيق به صدره. فتهمهم العجوز: «سترى، عندما تتقدَّم في السنّ، أنها سوف تحتاج هي، أيضاً، لهذا!»

جلس الجميع إلى مائدة العشاء الذي كان الشابّ مدعوّاً إليه. العجوز لا تأكل؛ فالأكلّ عسير على الهضم في المساء. ظلَّت في ركنها، خلف ظهر الشابّ الوحيد الذي أنصت إليها. ولعلمه أنه كان مراقباً، لم يأكل على هواه. كان الوقت يمرّ، ولتمديد هذا اللقاء تقرَّر الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم مَرِح. قَبِل الشابّ الدعوة دون التفكير في الكائن الكامن وراء ظهره.

قام الجميع إلى المغسلة قبل الخروج. طبعاً، لا مجال لأن ترافقهم العجوز، فإذا لم تمنعها الزمانة وحدها من ذلك، فجهلها سيحول بينها وبين فهم الفيلم. كانت تدَّعي بأنها لا تحبّ السينما. في الحقيقة، هي لا تفهمها. كانت في ركنها مهتمّة بخرزات سبحتها التي تضع فيها كلّ يقينها. الأشياء الثلاثة التي تحتفظ بها تشير إلى النقطة الملموسة حيث يبدأ، عندها، الإيمان. انطلاقاً من السبحة، ومن المسيح أو من يوسف القدِّيس، ومن خلالهم، فتحت فراغاً عميقاً وضعت فيه كلّ أملها.

صار الجميع جاهزين. هاهم يقبِّلون العجوز، ويتمنّون لها أمسيّة طيِّبة. أمّا هي فقد فهمت كلّ شيء، وزمَّت سبحتها، في حركة تنِمّ عن يأس أكثر ممّا تنمّ عن ورع. قبَّلها الجميع. لم يبق غير الشابّ. صافح المرأة بمودّة، واستدار. فيما هي تتابع حركة رحيل الشخص الوحيد الذي حفل لها. لم تكن تريد أن تبقى وحيدة. بدأت، بالفعل، تشعر بهول الوحدة، والأرق الطويل، والخلوة المحبطة. كانت خائفة، معتمدة على الشابّ وحده، ومتعلِّقة به، هو الذي أحاطها ببعض الاهتمام. لم تترك يده، ضغطت عليها، وشكرته بارتباك كي تبرِّر إصرارها. صار الشابّ محرجاً، فيما الباقون بدؤوا، فعلاً، في استعجاله. ينطلق العرض على الساعة التاسعة، وينبغي الوصول باكراً لتجنُّب الانتظار عند شبّاك التذاكر.

أمّا هو، فكان يشعر بأنه أمام أفظع محنة عاشها؛ محنة سيِّدة عاجزة يُتخلَّى عنها من أجل السينما. أراد أن يتوارى، لا يريد أن يفهم، حاول سحب يده. لمدّة ثانية، شعر بكراهية شديدة نحو هذه العجوز، وفكَّر في صفعها بكلّ ما أوتي من قوّة.

تمكَّن، في النهاية، من الانسحاب والمغادرة فيما المريضة، وهي تحاول القيام، معتمدةً على كرسيها، ترى، برعب، تلاشي اليقين الوحيد الذي ارتاحت له، فلا شيء صار يحميها ساعتها. في استسلامها المطلق لفكرة موتها، لم تكن تعلم، بالضبط، ما الذي يخيفها، لكنها كانت تشعر بأنها لا تريد أن تبقى وحيدة، فنَذْر النفس للربّ عَزَلها عن الناس، وجعلها وحيدة. لم تكن تريد هذه العزلة؛ لذلك أجهشت بالبكاء.

كان الآخرون قد وصلوا إلى الشارع. استحوذ على الشابّ ندم شديد. رفع عينيه نحو النافذة المضاءة.. عين كبيرة جامدة في المنزل الصامت، أنامت العين. قالت ابنتها: «تطفئ النور، دائماً، عندما تكون وحيدة. تحبّ أن تبقى في العتمة».

***

كان العجوز مزهوّاً، يقطِّب جبينه. يتصنَّع الحكمة، رافعاً سبّابته، ويقول: «أنا، كان أبي يعطيني خمس فرنكات في الأسبوع، لأستمتع بها حتى السبت الموالي. ومع ذلك، كنت أجد سبيلاً لادّخار بعض المال. فلزيارة خطيبتي كنت أتمشّى في الريف أربع كيلومترات، ذهاباً وإياباً. نعم، أنا أقولها لكم: شباب اليوم لا يعرف كيف يستمتع». كانوا متحلِّقين حول مائدة مستديرة؛ ثلاثة شبّان، وهو العجوز. كان يروي مغامراته البائسة؛ تفاهات يرتقي بها، وإحباطات يمجِّدها. لا يترك أيّ مجال للصمت في حديثه، ويتعجَّل في قول كلّ ما لديه قبل أن ينفض الجمع من حوله. يحتفظ من ماضيه بما يظنّه قد يمسّ مستمعيه. عيبه الوحيد أنه يحبّ أن يجد من يستمع إليه؛ كان يتجنَّب ملاحظة النظرات المتهكِّمة والتعاليق الساخرة. هو، بالنسبة إليهم، العجوز، الذي كان كلّ شيء على ما يرام في زمانه، فيما هو يعتقد أنه الجدّ المحترم الذي تزيده التجربة أهمِّيّةً. الشباب لا يعلم أن التجربة إخفاق، وأنه يجب فَقْد الكثير من أجل فهم القليل. الشيخ عانى كثيراً، لكنه لا يتحدَّث عن ذلك. بالنسبة إليه، من الأفضل الظهور بمظهر سعيد، وإذا كان هذا التصرُّف خاطئاً، فإن خطأه سيكون أكبر لو حاول التقرُّب إلى الناس من خلال مآسيه. ما أهمِّيّة مآسي رجل عجوز إذا كانت الحياة تأخذك بالكامل؟ كان يتكلَّم ويتكلَّم، ويتيه بتلذُّذ في بُحّة صوته المكتوم، لكن هذا لا يمكنه أن يستمرّ. فسعادته تنذر بنهايتها، وانتباه متتبعيه في تراجع. لم يعد مسلِّياً البتة؛ صار عجوزاً فحسب، فيما الشباب يفضلون البليار، وألعاب الورق التي لا تشبه العمل الغبي لكلّ يوم.

سرعان ما أصبح وحيداً، رغم مجهوداته وأكاذيبه ليجعل حكاياته أكثر جاذبيّةً. تفرَّقَ الشباب من حوله دون أيّة مراعاة لعواطفه. المريع في الشيخوخة هو أن يكون المرء وحيداً، لا يجد من يستمع إليه، يُحكَم عليه بالصمت والعزلة. وبهذه الطريقة، يتمّ إخباره أن أجله قريب. عجوز على حافّة الموت، هو عديم الجدوى. إنه مكَدَّر ومخاتل، فليرحل، أو ليصمت، على أقلّ اعتبار. أمّا هو فيتألَّم لأن صمته يجعله يتذكَّر شيخوخته. مع ذلك، نهض ورحل مبتسماً لكلّ من حوله، لكنه لم يصادف غير وجوه لامبالية، يهزّها مرح، لا حَظَّ له منه. قال أحدهم ساخراً: «لا أنكر أنها عجوز، لكننا، أحياناً، في القدور البالية، نحضِّر ألذَّ حساء». عقَّبَ آخر بنبرة أكثر جدِّيّة:«نحن لسنا أغنياء، لكننا نأكل جيّداً. حفيدي يأكل أكثر من والده؛ فإذا كان الوالد يلزمه رطل من الخبز، فالحفيد يلزمه كيلوغرام كامل، الشيء نفسه بالنسبة إلى النقانق وجبنة الكامومبير. أحياناً، حين ينتهي، يردِّد: «هام! هام». ثم يستمرّ في الأكل». يبتعد العجوز. بخطوات بطيئة وصغيرة كحمار العمل الشاقّ، سار على طول الأرصفة الغاصّة بالناس، معكَّر المزاج، دون رغبة في الرجوع إلى المنزل. عادةً، كان يحبّ العودة إلى المائدة ومصباح الغاز والصحون التي تتلمّسها أنامله، وتتعرَّفها، كما كان يحبّ العشاء الصامت، وزوجته الهرمة جالسة أمامه، ولقيمات الطعام الملوكة ببطء شديد. رأس فارغة، وعينان مثبَّتتان وباردتان. الليلة، لن يعود إلى البيت إلا متأخِّراً. سيجد عشاءه في مكانه بارداً، والعجوز قد نامت، دون قلق، بما أنها متعوِّدة على سهراته الطارئة. كانت تقول: «إنه غريب الأطوار»، فكأنها قالت كلّ شيء.

يسير بإصرار خفيف، عجوزاً وحيداً. في نهاية العمر، تتمظهر الشيخوخة كحالة غثيان. كلّ شيء يفضي إلى عدم الانتباه له. يتمشّى، يلفّ عند زاوية زقاق، يتعثَّر فيوشك على السقوط. الأمر سخيف، لكن، ما العمل؟ على الرغم من كلّ شيء، هو يحبّ الخارج، بدل تلك الساعات التي يقضيها في البيت، وقد حجبت عنه الحمّى زوجته في غرفة النوم. في بعض الأحيان، حين يكون وحيداً في البيت ينفتح الباب ببطء، يبقى موارباً للحظة. يدلف رجل بملابس، يجلس مقابلاً له، في صمت، لدقائق طويلة، بدون حراك، كما الباب، من حيث دخل. من وقت إلى آخر، يمرّر يداً على شعره، يتنهَّد بهدوء. يحدّق إليه زمنا طويلاً بالنظرة المثقلة بالحزن نفسها، ثم يغادر في صمت. خلفه، يتردَّد صوت المزلاج. العجوز، ظلّ هناك مرعوباً، وفي جوفه خوف بطعم المرارة والألم. أمّا في الشارع، فلا يكون وحيداً، رغم قلَّة من يقابلهم. حرارته تطربه، خطوه الصغير يتسارع، يخاطب نفسه: «غداً سيتغيَّر كلّ شيء، غداً. قبل أن يكتشف، فجأةً، أن الغد يشبه اليوم، وكذلك بعد الغد، وكلّ يوم. حقيقة لا رجعة فيها تسحقه. مثل هذه الأفكار هي ما يقتل، وإذا لم يتمكَّن الإنسان من تحمُّلها ينتحر، أمّا إذا كان في سنّ الشباب، فإنه يصنع منها نصوصاً.

عجوز، مجنون، نشوان، ستكون نهايته وقورة، منتحبة، باهرة. ستكون ميِّتة ناجحة، أعني في معاناة. سيكون هذا بمنزلة عزاء له. لكن، أين المفرّ؟ لقد شاخ بلا رجعة. الناس يبنون للشيخوخة القادمة. لهذه الشيخوخة التي يتكالب عليها كلّ ما هو عضال، يقدِّمون فراغاً يجعلهم عُزّلاً. كلّ واحد منهم يريد أن يشغل منصب رئيس عمّال من أجل تقاعد في فيلا صغيرة. لكن، حين يتقدَّم بهم العمر، يكتشفون أنهم قاموا بالاختيار الخطأ؛ فهم في حاجة إلى الناس لحماية أنفسهم. أمّا هو فلم يكن في حاجة إلّا لمن ينصت إليه؛ حتى يستيقن من استمراره على قيد الحياة. الطرقات صارت أكثر ظلمة، وأقلّ حركة. فيما أصوات المارّة لازالت تتردَّد، لتصبح أكثر وضوحاً في هدوء المساء. خلف الروابي التي تسيِّج المدينة، ما تزال هناك بقايا من شفق. خلف القمم المُحرَّجة، ينهض دخان كثيف مجهول المصدر، متثاقلاً ومدرّجاً. أغمض الشيخ عينيه، وحيداً، حائراً، ومجرّداً إزاء الحياة التي تجرف من المدينة هديراً، ومن السماء ابتسامة لا مبالية. بدا كأنه قد مات.

هل من الضروري الحديث عن الوجه القبيح لهذه اللوحة الجميلة؟ يمكننا أن نتخيَّل أن العشاء كان جاهزاً، والمرأة العجوز تحضِّر المائدة في غرفة قذرة ومظلمة، جلست، ثم نظرت إلى الساعة، انتظرت قليلاً، بدأت في تناول الطعام بشهيّة. كانت تفكِّر: «إنه غريب الأطوار»، فبدت كأنها قالت كلّ شيء.

***

كانوا خمسة أفراد يعيشون مجتمعين؛ الجدّة، وابنها الأصغر، وابنتها الكبرى، وابنيها. الابن أبكم، والبنت معوَّقة، تفكِّر بصعوبة. أحد الابنين يعمل في شركة تأمين فيما الأصغر يتابع دراسته. في سنّ السبعين، مازالت الجدّة تهيمن على كلّ شيء. فوق سريرها يمكن رؤية صورة لها، حيث تظهر أصغر بخمس سنوات، منتصبةً في فستان أسود جُمِع طوقه برصيعة، من دون أيّ غضن، بعينين كبيرتَيْن، صافيتَيْن وباردتَيْن. كانت على تلك الهيئة المهيبة التي لم تتخلَّ عنها إلّا بفعل التقدُّم في السنّ، والتي كانت تحاول تداركها، أحياناً، في الخارج.

لهاتَيْن العينَيْن الصافيتَيْن، عند حفيدها، ذكرى لا يزال يخجل منها. كانت الجدّة تنتظر زيارة الأقارب لتسأله، بنظرة شاخصة وقاسية: «من تحبّ أكثر؛ أمّك أم جدَّتك؟». تصبح اللعبة أكثر تعقيداً في وجود الأمّ نفسها، ففي جميع الحالات، يردّ الابن: «جدَّتي»، وفي قلبه دفق حبّ كبير لهذه الأمّ الصموت، التي كانت تردّ على استغراب الزوّار: «يفضِّلها؛ لأنها هي التي ربَّته». لكن، أيضاً، لأن العجوز تعتقد أن الحبّ شعور قسري. إحساسها بكونها ربّة أسرة فاضلة كان يجعلها صلبة وغير متسامحة، فهي لم تخنْ زوجها، قطّ، وأنجبت له تسعة أبناء، وبعد وفاته رعت أسرتها الصغيرة بهِمّة. حين تركوا مزرعتهم في الضاحية، جنحوا إلى حَيّ قديم وفقير، عاشوا فيه لفترة طويلة.

في الواقع، هذه المرأة لم تعدم بعض المزايا. أمّا بالنسبة إلى حفيدَيْها اللذين كانا في سنّ الأحكام المطلقة، فلم تكن أكثر من ممثِّلة، فقد عرفوا، عن طريق أحد أخوالهم، قصّة مثيرة. إذ عند قدومه لزيارة حماته، ذات يوم، رآها من الشارع ساكنة عند النافذة، لكنها استقبلته وفي يدها خرقة النظافة، واعتذرت من أجل مواصلة عملها، بسبب ضيق الوقت الذي تسبِّبه لها أشغال البيت. في الواقع، كان كلّ شيء عندها كذلك، بالفعل، فقد كانت تفقد وعيها عقب كلّ نقاش عائلي، بسهولة بالغة. تعاني من تقيُّؤ مؤلم ناتج عن مرض في الكبد، ولم تراعِ أيَّ تكتُّم في ممارسة ذلك، فعوضاً عن الانعزال والتستُّر، كانت تتقيَّأ بصخب في صفيحة نفايات المطبخ، قبل أن تعود شاحبة، دامعة العينين من الإجهاد. كلَّما ترجَّوها لأخذ قسط من الراحة، تذكِّرهم بما ينتظرها في المطبخ، وبالمكانة التي تحتلّها في تدبير أمور البيت: «أنا من أقوم بكلّ شيء هنا». وتضيف: «كيف سيكون حالكم من دوني!».

اعتاد الأطفال على عدم الاكتراث لتقيُّئها، «نوباتها» كما كانت تقول، ولا لتبرُّمها. في يوم من الأيّام، لزمت الفراش، وطلبت عيادة طبيب. أتوا به لمحاباتها، فحسب. في اليوم الأوَّل، شخص الطبيب تعباً عاديّاً، وفي اليوم الثاني قال إنه سرطان كبد، وفي اليوم الثالث، قال إنه يرقان متقدّم. لكن الطفل الأصغر ظلّ يصرّ على أن الأمر يتعلَّق بتمثيلية جديدة، محاكاة متقنة. لم يقلق حيالها نهائيّاً. هذه المرأة اضطهدته بما يكفي لجعله غير متشائم، بخصوص ما يستجدّ أمامه. هناك نوع من الشجاعة اليائسة في الوضوح، ورفض حبّ أحد ما. لكن أن تتصنَّع المرض، هذا ما لا يمكن إخفاؤه. دفعت الجدّة بالمحاكاة حَدّ الموت. في اليوم الأخير، وبمساعدة أبنائها، تحرَّرت من التخمُّر المعوي. خاطبت حفيدها بتودُّد: «أرأيت؟ تخرج الغازات مني كخنزير صغير». بعدها بساعة، فارقت الحياة.

بالنسبة إلى حفيدها، أصبح واضحاً أنه لم يستوعب ولو جزءاً بسيطاً من المسألة. لم يستطع التخلُّص من فكرة أن هذه المرأة قد قامت أمامه بآخر تمثيلياتها، وأقطعها. إذا تساءل عمّا شعر به، حينها، من ألم، فلن يجد أيّ شيء منه. في يوم الجنازة، فقط، بكى، لكن بسبب فورة الدموع الجماعية، وخشية ألّا يكون صادقاً أمام الفقيدة. كان ذلك في يوم شتوي جميل، تخترقه أشعة الشمس. في زرقة السماء، يمكن تخيُّل درجة القَرَس المنمَّق بلون أصفر. كانت المقبرة تشرف على المدينة، ويمكن رؤية الشمس الجميلة الشفافة تأفل، عند الخليج المترنّح من الضوء، كشفة نديّة.

***

كلّ هذا لا يستقيم؟ الحقيقة المرّة: سيّدة يُتخلَّى عنها من أجل سهرة سينمائية، رجل عجوز لا أحد يريد أن ينصت إليه، وموت لا يكفِّر عن أيٍّ من الخطايا. على الجهة الأخرى، كلّ ضوء العالم. ماذا سيحدث لو قبلنا بكلّ شيء؟ هذه ثلاثة أقدار متشابهة، لكنها -مع ذلك- مختلفة. الموت للجميع، لكن لكلّ واحد ميتته. على كلّ حال، لا تزال الشمس تدفئ عظامنا.

 (عن مجلة الدوحة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق