بدوياتسلايدر

إمبريالية ألمانيا الثقافية تجاه قطر ومونديال 2022 (1)

برلمانية ألمانية: «حين ننتقد قطر علينا أيضا الاعتراف بإنجازاتها»

د. محمد بدوي مصطفى

كره إعلامي طغى فادح:

كأس العالم، منافسة عالمية من العيار الثقيل وذلك دون جدال. جاءت هذه السنة ولأول مرّة على الأراضي العربية، فيا لها من سعادة للأمة العربية ويا له من شرف لأبنائها من المحيط إلى الخليج وهذا حقيقة الإحساس السائد في كل تلك البلدان. لقد بذلت دولة قطر، منذ أول يوم تم اختيارها فيها لتنظيم هذه التظاهرة العظيمة، كل ما في وسعها من جهود حتى تكون هذه المنافسات ناجحة، حرفية، آمنة، وشائقة بكل ما تحمل هذه الكلمات من معان، وكان كذلك. إذ كانت الحفاوة القطرية والعربية في كل بقعة من بقاع الدولة، وكان الكرم الفائق لكل زائر. وأجمل شيء أن في مباراة الافتتاح وضعت على كل كرسي بالملعب هدية، وهل حدث ذلك يوما ما؟! إذا تحدثنا عن المعايير الحرفية في التنظيم فأظن أن مونديال قطر هو الأفضل في تاريخ الكرة على الإطلاق، ذلك من حيث الاستراتيجيات، الخطط، التنسيق، الترتيب، التنفيذ، الخ. لكن رغم كل هذه الجهود العظيمة فقد طافت بعض الغيوم الملبدة على سماء هذه المنافسات، بالأحرى ريح أتت من الغرب الأوروبي وبالذات من ألمانيا. فقد رأى العالم في أول مباراة للفريق الألماني صورة تذكارية للفريق الألماني، بغض النظر عن رأي الفرد منّا عليها، فقد اعتقد لاعبو الفريق أن باستطاعتهم أن يلعبوا في غضون هذه المنافسة دورًا سياسيًا لم يتجرؤوا أن يلعبوه من قبل لا في المنافسات الخارجية لا في المنافسات التي تنظم في سياق البوندسليغا. والجدير بالذكر أن هؤلاء اللاعبون أنفسهم قد شاركوا بكأس العالم بروسيا، ونفس الاتحاد شارك في أولمبيات بكين. بيد أنهم لم يبدوا هذا الشغف السياسي تجاه منظمي المنافسات، لهذا السبب فأنا أسأل نفسي في كل مرّة؛ من أين أتت كل هذه الكراهية وهذا الحقد الألماني العام على مونديال قطر؟ ويجب أن أقول بأن الأجواء العامة في الشارع الألماني وبالإعلام عموما، تبدي انطباعًا للمشاهد بأن يحاربوا هذه المنافسة، بأي صورة من الصور، وهذا رأيي الشخصي، إذ لا تظهر إيّ اهتمام لما يحدث في قطر، وأظن أن ذلك يعزى للدمار المعنوي الكبير الذي صاحبته حملة شعواء على هذه المنافسة في دولة عربية مسلمة.

زيورخ واختيار قطر لتنظيم المونديال في عام ٢٠٢٢:

منذ أن حازت قطر عام ٢٠١٠ على تصويت الفيفا بمدينة زيورخ السويسرية لتنظيم كأس العالم حتى اندلعت حملات شعواء باتجاهها. وظلت ألمانيا هي الدينمو المحرك لكل هذه القذائف باتجاه الدوحة وما فتئت تلك أن تتكثف قبيل انطلاقة صافرة البداية. يتحدث الناس عن طرق غير شريعة في التصويت. فلابد للاتحاد الألماني أن يراجع نفسه في هذا السياق وكيف أتى مونديال ٢٠١٤ لألمانيا. وهل لعبت القوى الألمانية الشهيرة دورًا بارزا في الأمر. أنا أعلم أن فرانس باكنباور، سفير الحملة آنذاك قد واجه انتقادات لاذعة في الأمر، وتنحى لهذا السبب العديد من الرؤوس القائدة في الاتحاد الألماني. والقضية معروفة لكل فرد بألمانيا.

هناك كثير من النقاط التي تبعث في دواخلي تساؤلات عديدة، منها ما لا أتفق فيه مع الكثيرين من أولئك الذي يحملون لواء الحرب الإعلامية علي قطر. فليس من النزاهة في شيء بل هو عين النفاق أن نتظاهر بأننا ندافع عن حقوق الإنسان أثناء كأس العالم بقطر بينما كان بإمكاننا أن ندافع عنها خلال الألعاب الأولمبية في الصين فضلًا عن روسيا. أين كنّا بربكم … وأين كانت تلك الأصوات التي تنادي بحقوق الإنسان. هل نسينا احتلال شبه جزيرة كِرِم من قبل الروس، أم نسينا ضرب الطائرة الهولندية من قبل القوات الموالية لروسيا؟ والقائمة طويلة. نعم حقوق الإنسان لا مفاوضة ولا مفاصلة فيها، هذا أمر مفروغ منه. من جهة أخرى، يجب أن نتذكر بأن المنافس على إقامة مباريات كأس العالم في قطر كان الولايات المتحدة الأمريكية. فلو كانت منافسات كأس العالم قد أقيمت في الولايات المتحدة، لكان علينا أن نشكو من وجود غوانتانامو هناك، ولكان علينا أن نتطرق لحقوق الإنسان التي نادت بها الفئات المضطهدة بالولايات المتحدة خلال تظاهرات «بلاك لايف ماترس». وماذا عن تطبيق حكم الإعدام في بعض المقاطعات، عن أبو غريب، عن الانتهاكات الفظيعة للجيش الأمريكي في العراق، عن احتلاله لأسباب لم تكن لها بالأساس وجود، ولما وصل إليه هذا البلد من الدمار الشامل، والقائمة طويلة.

الإمبريالية الثقافية الألمانية …!

إذن لا أعرف أين نبدأ وأين ننتهي! وأعتقد أن هذا ما هو إلا شكل من أشكال الإمبريالية الثقافية، ذلك عندما نحاول فرض قيمنا على الآخرين لأنها تتناسب وإيماننا بها. فإما أن نقوم بذلك بشكل دائم ومستمر. كان علينا منذ البداية معارضة الذهاب إلى هناك، وكان يجب على اتحاد الكرة الألماني أن يرفض المشاركة بصريح العبارة ذلك منذ أول وهلة وقبل أن تقع الفأس في الرأس، فضلًا عن كل الشركات الألمانية ونوادي كرّة القدم التي يشارك لاعبوها في المنافسة وربحوا المليارات عبر الدعاية لشركات خليجية مبالغ تصل إلى المليارات من الدولارات وحدث ولا حرج. يا سادتي دعوا النفاق ولا بد علينا أن نعترف بأن عالم كرة القدم ما هو إلى سوق ومشروع تجاري بجدارة. هل نسينا أن فريق هامبورغ (ها إس فاو) يحمل ماركة الخطوط الجوية الإماراتية على قميصه، هل نسينا أن البافاري (بايرن ميونخ) يرحب ما يقدر ب ١٠٠ مليون يورو سنويًا من شركة قطر للطيران، يُدفع منها أجور لاعبيّ البوندسليغا، وبعضهم يشارك الآن في المونديال، وكان لهم الباع الأهم في تكثيف الحملة داخل لواء البودنس ليقا، مثال مانويل نويا وليون غورستكا. الغريب بأننا وعند الدخول إلى مطار الدوحة العالمي نجد أكبر الدعايات في أسواقه الحرّة، دعاية بايرن ميونخ ونرى نفس الوجوه التي كممت أفواهها في الصورة المشهودة تملأ جنبات المطار فضلًا عن وجود متجر لها. بايرن ميونخ وقادته هم من دعموا تحويل المنافسة من شهر يونيو ويوليو إلى نوفمبر وديسمبر، من بينهم كارل رومينغه. وليست قطر أو دول الخليج هي الوحيدة التي تدفع المليارات للبودنسليغا، ماذا عن غازبروم الروسي أو عن الأوليجارش الروس الذين اشتروا العديد من الأندية الأوروبية. وهناك موقف أذكره في إحدى الدول العربية، عندما كنت مرّة مع صديق قطري في إحدى المقاهي، فعندما عرفوا بأنه من قطر، صاروا ينادون بمقولة «قطر والفلوس المطر». وعلى عكس النداء صراحة، نجد الشركات تلهث لمشاركة قطر في مشروعاتها.

ماذا نطلب من العرب المهاجرين عند الوصول إلى بلدنا:

جاءت مع موجة الهجرة إلى ألمانيا أصوات كثيرة تطلب من الأشخاص الذين يأتون إلينا في ألمانيا أن يقبلوا قيمنا، يتعلمون اللغة الألمانية وأن يتأقلمون بطريقة ما على وتيرة الحياة فيها. وبنفس القدر كان علينا عند الذهاب إلى قطر أن نؤمن إيمانًا راسخًا بأن لقطر حضارة، دين وثقافة مختلفة كل الاختلاف عن الثقافة الألمانية، وأن للشعب القطري والعربي عموما قيمًا تختلف تمام الاختلاف عن شعوب الغرب. لعب السياسة لعبة خطرة وما كان للفريق الألماني من أول وهلة أن ينخرط فيها، وحتى ولو فعل، فكان عليه أولًا كما يقول المثل «أن يكنس أمام منزله»، قبل أن تعيّر الآخرين بالاتساخ! نعم، أقول أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ومع ذلك فهانحنذا لا يبعد بلدنا إلى بضع كيلومترات قليلة من الحدود الأوكرانية أو الروسية ونرى بأم أعيننا انتهاكات الأخيرة لحقوق الإنسان في الأولى، وروسيا عضو دائم في مجلس الأمن، نضع خط تحت الأمن، فضلًا عن الحرب الشعواء التي أشعلتها روسيا على الشعب السوري، وفضلًا عن التقتيل والتنكيل وحالات الاغتصابات العديدة في حلب ودرعا وبقية بقاع سوريا. ولنترك روسيا جانبا لنتحدث عن حقوق الإنسان في بلد آخر، يهابه الغرب أيما مهابة، هل يوجد حقوق إنسان في الصين، أو يوجد حقوق فردية للأقليات الإثنية الموجودة فيها؟ فلنرجع البصر نحن الألمان لما يحدث من انتهاكات لا إنسانية لشعب الأويغور، فالصين تتنمر على مواطنيها أنفسهم من خلال التقييم والفرز الاجتماعي، لمحو السلوك الغير مرغوب فيه، وهذا ملف غنيّ عن التعريف ناهيك عن الاعتراف بجمهورية تايوان الديموقراطية التي لا يمكن انكارها.

لسنا معلميّ العالم … علينا أن نهتم لأمور بلدن

ا في الأول:

يجب علينا في ألمانيا أن نتعامل مع الأمور المذكورة أعلاه بكل شفافية ونزاهة أو عندما نرفع السبابة لنشير للآخرين بأنهم أخطأوا في أمر ما. لقد سجل تاريخ ألمانيا في القرون الماضية أحداثًا مظلمة سواء في أوروبا أو في أفريقيا. وقد كنا السبب في انهيار تيارات الدم في كثير من بلدان العالم، لذلك ينبغي علينا أن نكون أكثر حرصاً عندما نمسك بعصى المعلم لتلقين الآخرين دروسًا في الإنسانية. أشار مدرب ليفربول يورغن كلوب إلى أمر مهم جدًا، يتساءل فيه ما الذي دفع اتحاد الكرة الألماني في خوض معركة السياسة الأخلاقية على الإطلاق؟ 

«يزعجني أن يوضع اللاعبين في وضع يتعين عليهم فيه دائمًا أن يكونوا على صواب سياسي تمامًا»، (…) فإذا كنت ستدخل منطقة الخطر السياسي كلاعب كرة قدم، فعليك أن تكون قادرًا على القيام بذلك أيضًا، وفي هذه القضية ضد قطر لم يحسب الاتحاد الألماني ما يمكن أن يحدث، عندما قرر المسؤولون الألمان باتخاذ موقف ضد مونديال قطر وضد الفيفا. والأمر قد يتفاقم لدفع غرامة للفيفا على هذه «البطولة الأخلاقية»، ويمكن للفيفا أن تفرض عقوبات رياضية بالإضافة إلى عقوبات مالية! يا للسذاجة والعجرفة! وينصح اللاعبين بأن يذهبوا إلى المنافسة ويقدموا أفضل ما عندهم، فالعمل والتألق تحترم الشعوب بعضها البعض، وتدخل بعضها في قلب بعض. يقول إنّه نوع من المراجعة التاريخية العكسية، لأننا تغلبنا على تاريخنا القذر جزئيًا، نعتقد أنه يمكننا تعليم الآخرين عن النظافة (على سبيل الاستعارة) وغالبًا ما كنا نسقط على أوجهنا في الآونة الأخيرة، على سبيل المثال مع نورد ستريم أو مع الأسلحة الثقيلة لأوكرانيا. فالصراع دائم بين القيم والمصالح، فلابد لنا أن نحذر تعليم العالم، فلابد لنا أن نبدأ، كما يقول المثل الألماني، بواجباتنا المدرسية أولا، قبل محاولة تغيير العالم. ولنبدأ بدعم القوى الديموقراطية داخل وخارج البرلمان البوندستاق، الذي يجلس عدد لا يستهان به من العنصريين والنازيين.

خاتمة:

تقول البرلمانية الألمانية من أصول عربية لمياء قدور: «حين ننتقد قطر علينا أيضا الاعتراف بإنجازاتها، أدعو الغرب لتبني صورة متمايزة عن المنطقة العربية وأحثه على عدم إغفال ما حدث فيها من تقدم في حقوق الإنسان».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق