سياسة

شهدت وعايشت الانجازات التي حققها الملك حمد في مسيرته الإصلاحية

في الذكرى 22 للتحولات السياسية في البحرين

المنامة – خالد أبو أحمد

مع سعادة وزير الخارجية  الدكتور عبداللطيف الزياني عندما كان الامين العام لمجلس التعاون الخليجي

مع الشيخ خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة وزير الخارجية السابق- مستشار ملك البحرين للشؤون الدبلوماسية حاليا

في شهر فبراير من كل عام يتذكر أهل البحرين أكثر الأيام سعادة وفرحة في مسيرة حياتهم في فبراير من عام 2001م كان الاستفتاء على (ميثاق العمل الوطني)، الذي نقل هذه الجزيرة إلى واقع جديد والزائر للبحرين يرى النقلة الحضارية الكبيرة التي حدثت فيها في شبكات الطرق والكباري والجسور والأنفاق والمشاريع الاسكانية الجديدة، فإرتقت مملكة البحرين عاليا في جميع المؤشرات ومن أهمها التقرير السنوي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن مؤشر التنمية البشرية في العالم وفي آخر تقرير له حتلت البحرين المرتبة 35 على مستوى العالم، متقدمة بـــ7 مراكز كاملة مقارنةً بآخر نسخة من التقرير في العام 2020، في حين احتلت المرتبة الثانية عربياً على مستوى الدول العربية.

وبحسب التقرير يقيس هذا المؤشر مدى نجاح دول العالم في تحقيق التنمية البشرية، وذلك من خلال رصد 4 مؤشرات أساسية تخص أمل الحياة عند الولادة، وسنوات التعليم المتوقعة، ومتوسط سنوات التعليم، ونصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي، وتم تصنيف مملكة البحرين من فئة الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جداً بتسجيلها أداءً مميزاً في مجال التعليم، إذ بلغ عدد السنوات المتوقعة 16.3 سنة، ومتوسط سنوات التعليم 11 سنة، وبذلك تحتل المراتب الأولى بين دول مجلس التعاون الخليجي في مستوى التحصيل الأكاديمي، وتفوق الفتيات على الأولاد في نتائج التعلّم، هذا قليل من كثير،كل هذه التحولات عشتها بنفسي وكنت من ضمن الصحفيين داخل معمعة العمل الصحفي والاعلامي في قلب الحدث.

كيف حدث هذا..؟

المراقب من الداخل للأحداث منذ مجيء حمد بن عيسى للحُكم في البحرين بعد وفاة والده طيب الله ثراه (1999) يجد مؤشرات كثيرة تقول إن الحاكم الجديد للبحرين ذلك الشاب الممتلئ حيوية ونشاطا وتوقُدا فكريا وذهنيا قد جدّد في بلاده الروح والفكر والتميز الحضاري، فعندما بدء الحديث عن الاصلاحات التي طرحها في بلاده لم تكن الساحة العربية تشهد أي مشروعات إصلاح مطروحة، ولا بصيص أمل، ولم تأتي هذه الاصلاحات نتيجة ضغوط أو اضطراراَ، هذا المشروع عكس إدراكاَ واعياَ من الملك حمد لمبدأ التحديث والتطوير، في إطار خصوصية البحرين حيث انتهج مبدأ التدرج المحسوب إدراكاَ بأن التحولات الفجائية وغير المسؤولة كانت سبباَ في انهيار دول بأسرها.

من اللحظات التأريخية التي عشتها في هذه الجزيرة شهدت القرارات التي اثلجت صدري وكتبت للبحرين مرحلة جديدة كليا في مسيرتها فكانت القرارات التي هزت المنطقة الخليجية والعربية ولفت الأنظار إلى هذه الجزيرة، حتى غدت المنامة صيدا ثمينا للقنوات الفضائية العربية والأجنبية؛ لمعرفة ما وراء القرارات الإصلاحية التي فاجأت الجميع  وتمثلت في الآتي:

• إطلاق جميع الموقوفين السياسيين بعد صدور عفو عام وشامل بحيث لم يعد هناك سجين سياسي واحد، وإلغاء قانون أمن الدولة  كما تم السماح بعودة من كان في الخارج دون شرط أو قيد.

• فتح قنوات الحوار المباشر مع فئات الشعب كافة، ورموز المجتمع البحريني لطرح تصورات المرحلة القادمة؛ لتبادل الآراء والأفكار وصولاً إلى أفضل الوسائل لخدمة الوطن والمواطنين.

• إطلاق عدد من المبادرات المتلاحقة لتحسين مستوى معيشة المواطنين ومعالجة المشكلات الاجتماعية كالبطالة والإسكان، وغيرها.

• إطلاق حرية الرأي والتعبير بحيث أصبحت الساحة السياسية والإعلامية مفتوحة للآراء والاتجاهات الوطنيةكافة.

• الزيارات الميدانية من قبل الملك حمد لأبناء شعبه ورموز المجتمع ليعبروا عن مطالبهم من دون وسيط أو رقيب.

هذه القرارات بالنسبة لصحفي مثلي متابع لما يجري في محيطه العربي أدهشتني للحد البعيد؛ وذلك لغياب مثل هذه الروح الإنسانية والثقة بالنفس في الكثير من دولنا، فالسنوات التي مرت على الإصلاحات في البحرين قدم من خلالها الملك حمد الكثير من الانجازات المعنوية للشعب،ومن خلالها تدفقت القرارات التي تثلج الصدر، وكنت شاهداً عليها بإعجاب شديد، تحمي الضعيف، وتغيث الملهوف، وتستر الأرامل وتحتضن الأيتام والمعوزين، وتنتصر لأصحاب الحاجة وتؤمن الخائف.

إن مشروع العاهل البحريني اتسم بمصداقية عالية للغاية؛ ذلك لأنه جاء مدفوعاً برغبة ذاتية صادقة في التحول الديمقراطي والارتقاء بالبلاد في مناحي الحياةكافة، والانتقال بها نحو التقدم والتطور في كافة المجالات، وقد كنا شهوداً على ذلك،جاء المشروع الإصلاحي في البحرين، وقد أدهش الجميع برغبة صادقة وحقيقية في الانتقال إلى حالة الأمن والاستقرار والتطور الاقتصادي، والتنمية الاجتماعية والثقافية والتعليمية، فكان بروز البحرين الجديدة في عالم يموج بحركة التطور البشري في المجالات كافة، ومن حسن الحظ أن المشروع أتى في فاصلة تاريخية كونية مع بداية قرن جديد، وبروح جديدة، وأمل جديد وبقيادة جديدة أدركت التحديات الماثلة للبلاد في محيطها الخليجي والعربي والعالمي، وأهمية تجاوز كل المعضلات بروح العصر الجديد، ومن هنا بدأ المشروع بقوة في الطرح يلامس الوجدان الإنساني.

وفي بداية مجيئه حدّد الملك حمد متطلبات الانتقال إلى مرحلة الدولة العصرية عبر تحديث شامل للسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ضمن خطة متكاملة ارتكز على موجهات الإصلاح وبما يواكب العالمية الجديدة التي تتحدث عن حقوق الإنسان والمواثيق الدولية، وحقوق المرأة، وحقوق الطفل، والحقوق السياسية، وهذا ما لم يكن مطروحاً البتة في الدول العربية على أرضع الواقع، وعندما بدأ الملك حمد بن عيسى يتحدث عن الحقوق كان ذلك في وقت مبكر وقبل حلول الألفية الثالثة، حتى قبل حادثة 11 سبتمبر/أيلول 2001م، بالولايات المتحدة الامريكية التي خلقت واقعا جديدا في العالم.

تطويرالأداء الإداري

وعلى صعيد السلطة التنفيذية كان الجميع ينظر لأهمية تطويرالأداء الإداري على أسس موضوعية مع تفعيل آليات الرقابة وزيادة الشفافية، ومن تاريخ هذه الخطة في 2002م إلى تخوم العام 2007م، كان الأداء الإداري في الدولة قد تقدم كثيراً، ويمكن أن نسمي ما حدث في هذا الجانب طفرة حقيقية لا ينكرها عاقل، وخاصة مع تحقيق الحكومة الإلكترونية بالحد الذي جعل المواطن يجري معاملاته الرسمية من منزله عبر جهاز الحاسب الآلي  وقد خطت البحرين في هذا المنحى خطوات متقدمة للغاية أذهلتني شخصياً بالنظر إلى البداية الفعلية للمشروع الإصلاحي (2001)، وخاصة فيها يتعلق بنظام الدفع الآلي  لمستحقات الكهرباء والمياه والهاتف ورسوم البلدية.

وعلى صعيد السلطة القضائية عمل العاهل البحريني على تفعيل الأجهزة القضائية ودعم استقلالها لتواصل رسالتها على أكمل وجه، وفي هذا المجال كنت شاهداً على التطورات التي حدثت من حيث القوانين والكفاءات المحلية التي بدأت بالولوج بكثرة من قُضاة ووُكلاء نيابة، ومن خلال سنيني القليلة التي عشتها في البحرين شهدت بنزاهة وعدالة القضاء البحريني في أكثر من قضية أجمع أهل البحريني بكل تلاوينهم على نزاهته.

إنزال مبادئ الشفافية

من أبرز العلامات الكبيرة والمهمة في التجربة الإصلاحية البحرينية هي إنزال مبادئ الشفافية على أرض الواقع، من خلال تأسيس ديوان للرقابة المالية والإدارية، أبرز وأهم الشواهد على مصداقية الملك في توجهه نحو الإصلاح والتغيير إلى الأفضل والانتقال ببلاده إلى مرافئ التطور والخروج من دائرة الماضي إلى عالم الحُكم الرشيد من خلال ابتكار الآليات الحديثة في دفع جهود التطور للأمام، الديوان يقوم بدور كبير للغاية في محاربة الفساد المالي والإداري، ويصدر تقريره السنوي الذي فأجأنا نحن كصحفيين مقيمين في البحرين عندما صدر في السنة الأولى وما ترتب عليه من ردود فعل إعلامية واقتصادية وسياسية واجتماعية، التقرير السنوي ينتقد الأداء المالي للوزارات والجهات الرسمية في البلاد من دون استثناء حتى المؤسسات التي يقف على رأسها أفراداً من العائلة المالكة إذا وجدت أي مخالفة، وفي تقارير الديوان للسنوات الماضية تم تناول مخالفات في عدد من الجهات.

وفي السياق ذاته المتعلق بمصداقية ملك البحرين في توجهه نحو إرساء قيم الشفافية والنزاهة كان قد أصدر أمره السامي بتأسيس مجلس المناقصات والمزايدات عام 2002 من خلال المرسوم بقانون رقم (36) لسنة 2002، وهو جهة تنظيمية مستقلة تشرف على ممارسات المشتريات الحكومية في مملكة البحرين، ويعمل المجلس على تعزيز ممارسات وأنظمة المشتريات والمبيعات الحكومية وتميزها بالفعالية والكفاءة وذلك من خلال اتباع آلية تنظيمية مصممة لضمان أقصى قدر ممكن من العدالة وتكافؤ الفرص. ويحرص مجلس المناقصات والمزايدات على التعاون مع الجهات الحكومية المسؤولة عن المشتريات والمبيعات الحكومية (الجهات المتصرفة) من جهة، والمقاولين والموردين المحليين والإقليميين والدوليين من جهة أخرى، وذلك حرصاً على تحقيق المساواة والشفافية والتنافسية في كافة ممارسات المناقصات والمزايدات والمشتريات والمبيعات الحكومية، إن مجلس المناقصات والمزايدات يعمل بأحدث الأجهزة الالكترونية التي تحقق أعلى معدلات الشفافية في حفظ المال العام.

تحولات ترتكِز على  إرث حضاري

عندما يتأمل القارئ في (ميثاق العمل الوطني) وما يرمي إليه من تحقيق لأهداف تعنى بالإنسان في المقام الأول لابد أن يجد ثمة ملاحظات، بل علامات مضيئة يقف عندها كثيرا بالتأمل والتفكُر والتدبر، والتي تتمثل في رغبة ملك البحرين في صياغة أسس موضوعية راسخة للعلاقة بين السلطة والشعب؛ لتفعيل الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي من خلال منهج ثابت يلتقي مع قيم أهل البحرين، وتبني منهج التدرج الهادي المتوازن في إحداث الإصلاحات لإعداد المجتمع لتقبل مفاهيم الديمقراطية ومراعاة الخصوصية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع البحريني.

وكذلك الإدراك الصحيح والواعي لما يفرضه موقع البحرين الجغرافي وأهميتها الإستراتيجية من مسؤوليات تنطلق من الدور البحريني في الإطار الخليجي والعربي كمحور التفاعلات الإقليمية في المنطقة، مع الحرص على مشاركة ألوان الطيف السياسي في التجربة الديمقراطية كافة في اطار من التوافق العام على الوحدة الوطنية ومقومات حماية النسيج الاجتماعي الواحد.

الصحفي المتابع والراصد لما يدور في العالم العربي يدرك تمام الإدراك بأن مشروع ملك البحرين الاصلاحي اتسم بالجُرأة والرؤية الثاقبة، وهنا لابد من ذكر نقطة جوهرية وهي أن الملك حمد استلم الحكم في مارس/اذار 1999م، ومن لحظتها بدأ في تهيئة الشعب البحريني لخوض عملية الاصلاح الشامل في بلاده، وفي الذكرى الأولى لتوليه مقاليد الحُكم كانت الكثير من المعاني الجديدة تنداح في المجتمع البحريني، ومن بينها الحديث عن الديمقراطية والانتخابات والعمل البلدي والنيابي، وعادت من جديد المجالس الأهلية تلعب دورها في استقطاب المواطنين لكي يتحدثوا عن مستقبل بلادهم السياسي والديمقراطي والاقتصادي في ظل أجواء الانفتاح الجديدة.

كنت أشعر بل أعيش سعادة المواطنين للعهد الجديد وما يحمله لهم من قيم ومبادئ حرية الرأي والتعبير، فقد فتح مشروع الاصلاح الطريق نحو ازدهار المجتمع البحريني على الصُعد كافة، ومع أولى القرارات كانت هذه الجزيرة الوادعة تهتز من الحركة الشديدة والحيوية والفاعلية وأصبحت الدولة الأكثر بروزا اعلاميا بسبب هذه القرارات الجديدة في البلاد، التي تتحدث عن الطرح الحضاري الذي قدمه الملك حمد بن عيسى والذي عُرف بميثاق العمل الوطني، وهو وثيقة احتوت على مبادئ عامة وأفكار رئيسية، الهدف منها إحداث تغيرات جذرية في منهج العمل والأداء، وتحديث سلطات الدولة ومؤسساتها.

النهوض بالمجتمع

في الوقت الذي كانت فيه الإصلاحات السياسية والحريات العامة تسير بخطى حثيثة كانت هناك جُهود ضخمة في أماكن أخرى من البحرين تضع ركائزها على الأرض، فقد اجتهد الملك حمد بن عيسى آل خليفة حثيثاً لجعل الإصلاح واقعاً على الأرض من خلال معالجات جذرية للكثير من القضايا، وفي هذا الصدد يجد المتابع والراصد للتطورات في البحرين أن ملامح إستراتيجية أنشأها العاهل البحريني؛ للنهوض بالمجتمع اقتصادياً واجتماعياً ووضع لها الآليات المناسبة والدراسات والخطط لضمان نجاحها في تحقيق الأهداف الرامية للانتقال بالإنسان البحريني من واقعه المعاش إلى واقع أفضل بكثير حتى مما يتوقع المواطن العادي، فكانت هذه الإستراتيجية غير المعلنة وقد تمثلت في عدد من المشروعات الوطنية الآتي:

• المشروع الوطني للتوظيف.

• المشروع الوطني للتأمين ضد التعطل.

• مشروع رواد الأعمال.

• تأسيس المجلس الأعلى للمرأة قفزة كبيرة في الارتقاء بالبحرين.

• تأسيس المؤسسة الخيرية الملكية لتتولى كفالة ورعاية الأيتام والأرامل ودعم الأسر الفقيرة.

كل هذه المشروعات حظيت برعاية ومتابعة لصيقة للعاهل البحريني ورئيس وزرائه وولي عهده، وقد استطاعت هذه المشروعات أن تؤتي أكلها من خلال إنجازات تقف شامخة على الأرض لا مكان للتشكيك فيها، ومن حسن الصُدف التي أحمد الله عليها كثيراً أنني كنت على صلة بشكل أو آخر ببعض هذه المشروعات، ومن خلال العمل الصحفي، وكنت مُلماً ومتابعاً لصيقاً لها ضمن قائمة الصحفيين الذين يُدعون لحضور المؤتمرات الصحفية، بل تعاملت إعلامياً مع هذه المشروعات من خلال التوثيق وإصدار المطبوعات.

نداء القلب والعقل

مسيرة الملك حمد في الحُكم، وقبلها عندما كان وليا للعهد اتسمت باهتمامه الشديد وحرصه الأكيد على فئة الشباب لذلك في الأول من أبريل 2006 كتب ملك البحرين مقالةً شدّت القراء لأهميتها لما فيها من رؤية ملكية لمعالجة قضايا الشباب وتسليطاً للأضواء على إستراتيجية البحرين للشباب التي تم إطلاقها في العام 2005 التي وضعت النقاط في الحروف وكشفت عن الخطط المرسومة للارتقاء بالشباب، ومن خلال المقال المعنون بـ (إلى الشباب..نداء القلب والعقل) نشرته كل الصُحف ولم يمر المقال مرور الكرام، بل كان اهتمام المجتمع به كبيراً في التناول والتحليل والمناقشة على نطاق واسع، وعبره برزت الرؤية واضحة للغاية في تبيان اهتمام ملك البلاد بدور الشباب في نهضة البحرين الحديثة، وما يريد أن تكون عليه بلاده في المستقبل باعتبار أن الشباب هم الأعمدة الرئيسة لحركة التطور والاصلاح في كل زمان ومكان، ويؤكد بتفاصيل أكثر على نهج الإصلاح في مشاركة هذه الشريحة في البناء الوطني.

هذا الاهتمام لم يكن اهتماما نظريا، بل كان عبارة عن خطة شاملة تشتمل على مشروعات لها اهميتها في المجتمع لتحقيق النهوض المطلوب فكان (المشروع الوطني للتوظيف، المشروع الوطني للتأمين ضد التعطل، مشروع رواد الأعمال، تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، وتأسيس المؤسسة الخيرية الملكية لتتولى كفالة ورعاية الأيتام والأرامل ودعم الأسر الفقيرة)، هذه المشاريع أخذت في حساباتها كل الأمور المتعلقة بتهيئة الأجواء للشباب لكي ينهضوا ويسهموا في تطور البلاد وهذا ما حدث بالضبط، ومن هنا أقول أن مشاريع النهوض بالمجتمع التي وضعها الملك حمد كثيرة هي نأخذ من بينها مشاريع ريادة الأعمال كنموذج في نجاح عملية التنمية المطلوبة التي نتحدث عنها لأنها تمس الشباب بالدرجة الأولى فكانت الخطة التي وضعتها حكومة البحرين مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بأن يكون هناك تدريب للشباب لكي يقوموا بإنشاء أعمالهم التجارية بتمويل من بنك البحرين للتنمية، وهو بنك حكومي تم تأسيسه لغرض تحقيق الأهداف التنموية المرسومة من خلال الشباب والأسر الراغبين في خوض تجارب عملية في المجال التجاري.

هذا النموذج حقق نجاحا منقطع النظير وكنت الصحفي الوحيد في البحرين الذي واكب هذه العملية وفي نهاية قمت بتأليف كتاب وثقت فيه هذه التجربة بعنوان (قصة نجاح النموذج البحريني في التنمية الصناعية) في عام 2013م، فلم يكن غريباً البتة أن تعترف منظمة (اليونيدو) بالنموذج البحريني بل اعتمدته المنظمة الدولية خلال المؤتمر العام لليونيدو الذي شاركت فيه مملكة البحرين في العاصمة النمساوية فيينا مطلع ديسمبر2007، بحضور 75 وزير صناعة و 20 رئيس دولة، واستفادت من النموذج البحريني حالياً أكثر من 100 دولة حول العالم، وفي 21 نوفمبر من العام 2016 كرمت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) ملك البحرين وذلك بمناسبة مرور 50 عاماً على تأسيسها بمقر المنظمة في مدينة فيينا، وذلك تقديراً لجهود مملكة البحرين التنموية ونجاح النموذج البحريني في ريادة الأعمال وتمكين المرأة اقتصادياً.

اعتماد الشباب على إمكاناتهم الذاتية

هذا النموذج سلط الضوء على الحلول الجديدة التي بإمكانها أن تنقل البشرية من حال الفقر والمجاعات والحاجة والعوز إلى وضعية أكثر أماناً، وفي العيش بكرامة من خلال اعتماد الشباب على إمكاناتهم الذاتية، ومن خلال مساعدتهم على تحقيق الأفكار التي يحملونها لتكون واقعاً معاشاً، وقد حدث ذلك بالفعل، فجاءت للبحرين الوفود للتدريب في البحرين، حيث تلقوا العلم الاقتصادي الحديث في البحرين، هذا ما جعل المملكة قبلة للراغبين في تأسيس البنيات الاقتصادية الجديدة التي أفرزتها التطورات الحديثة في القرية الكونية، وبعد نجاح البحرين ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) في توفير هذا النموذج الخاص بتدريب وتنمية رواد الأعمال وإنشاء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، فأصبح يخطو هذا النموذج طريقه نحو العالمية.

لم يقتصر وصول النموذج البحريني للدول المجاورة والمحيطة، بل فاق التصورات حتى امتد إلى القارة الإفريقية والمنطقة الآسيوية والصين تحديداً التي وقعت اتفاقية للاستفادة من تجربة البحرين على مستوى 38 مركزاً في عدد من مناطقها ولعل من أهم العوامل التي ساعدت على نجاح هذه التجربة الرائدة هو الدعم الحكومي الكبير الذي لقيته الفكرة في مملكة البحرين وطبيعة الاقتصاد البحرينى المرن، وتوافر العناصر البشرية القابلة للتدريب والتطوير بسهولة،وسهولة الحصول على الخدمات في البحرين، وسهولة التنقل وتواجد مكتب اليونيدو في المنامة، كل ذلك جعل من تجربة البحرين تجربة ناجحة لفتت أنظار مسئولين بارزين فيإيطاليا والصين وتركيا وغيرها من الدول التي وقفت على التجربة بأنواع الدعم المختلفة.

النموذج البحريني العالمي برز إلى حيز الوجود من خلال قراءة متأنية للتطورات في الفكر التنموي الاقتصادي والبشري وخلص إلى إيجاد حزمة مترابطة من خطط العمل لبرامج تدريب وتأهيل الموارد البشرية لريادة الأعمال، وأدى ذلك إلى إقبال عدد كبير من الدول العربية والأجنبية؛ للأخذ بمناهج هذا البرنامج وتطبيق أبجديات هذا النموذج نفسه سواء للمتدربين من رواد الأعمال أو لمدربي برامج ريادة الأعمال.

الخلاصات

إن الأعوام الـ 22 التي مرت على البحرين وأنا كصحفي في قلب الأحداث أثمرت عن الكثير من الطفرات بحكمة مليكها حمد بن عيسى آل خليفة، فقد حققت طفرة كبيرة غير مسبوقة في العصر الحديث سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ورياضيا، ولا يوجد مجال إلا وقد لمسته يد التطور، في هذه الأعوام التي مرت سريعا زاد وجود مملكة البحرين في الكثير من المحافل الدولية والاقليمية، وأصبحت المنامة منارة ومركز تدريب للكثير من المجالات المهمة التي يعتمد عليها العالم في التطور مثل مجال الحكومة الالكترونية وحلبة البحرين الدولية لسباقات السيارات، والنموذج البحريني العالمي في التنمية الصناعية وتدريب رواد الأعمال…إلخ.

البحرين هذه الجزيرة الصغيرة الكبيرة بانجازاتها وعقولها النيرة تحتضن قمة قادة القطاعين المصرفي، وقطاع الصيرفة الإسلامية في العالم تحت عنوان (المؤتمر العالمي للمصارف الإسلامية) بحضور أهم الخبراء والمختصين في هذا العالم الواسع الامتداد، كذلك البحرين تستضيف أهم المؤتمرات والملتقيات الأمنية وهو (حوار المنامة) الذي يعتبر القمة الأمنية الأولى في الشرق الأوسط، وتجمع رؤساء الوزراء، ووزراء الدفاع ووزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي ورؤساء الجيش والمخابرات على مستوى العالم.

يجري في البحرين في كل عام سباق الفورمولا (1) على حلبة البحرين الدولية الذي يستقطب عشرات الآلاف من محبي هذه الرياضة، يأتون من كل أنحاء العالم، وقد أصبحت البحرين موطن لسباقات السرعة، ليس هذا فحسب، بل أن فريق (مارشالز البحرين) الذي ينظم هذا السباق أصبح كالعلامة العالمية، وأثبت أبناء البحرين كفاءتهم وجدارتهم من خلال تنظيمهم وإدارتهم لسباقات الفورمولا واحد العالمية والسباقات الدولية الأخرى سواء التي تقام على مضمار حلبة البحرين أو في مختلف بلدان العالم.

البحرين مركز اشعاع عالمي في ترسيخ قيم السلام والتسامح والتعايش السلمي، ويعتبر جلالة الملك المفدى حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه أيقونة السلام والمحبة، وسياساته الحكيمة جعلت البحرين تحتضن كل أصحاب الديانات والمذاهب، ويعمل العاهل البحريني على ترسيخ ونشر هذا المبادئ عمليا من خلال تأسيسه  مركز الملك حمد العالمي للتعايش السلمي، وكرسي الملك حمد للحوار بين الأديان بجامعة سابينزا الإيطالية، فكانت زيارة شيخ الازهر الشريف وبابا الفاتيكان في نوفمبر الماضي تأكيدا على أن البحرين أصبحت بالفعل بلد السلام والتعايش والتسامح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق