سياسة

أكلوا الدنيا بالدين وعافوا «الدولية»!

بثينة تروس

تسارعت جامعة القراَن الكريم وتأصيل العلوم ببيان تبرأت فيه من اعلان لروابط طلابية بالجامعة تعتزم إقامة احتفالات تخرج تحييه الفنانة مروة الدولية، واستهجنت إدارة العلاقات العامة (بوسترات اعلانية تحمل اسم جامعة القرآن الكريم وتأصيل العلوم، مضافا لصورة (المغنية) في موقف يثير الاستياء ويدعو للدهشة والاستهجان، ويتنافى مع رسالة واهداف هذه المؤسسة الدعوية والتعليمية والتربوية) انتهي.. ما لفت الانتباه الغضبة والحماس في بيان التبرؤ من حفلة المغنية، والذي لم نشهد مثيله من الجامعة التي تلتحف قداسة الدين، وصمتت اوان العبث بالدين، وتقاعست عن نصرة الحق، وعند قتل النفس التي حرم الله بالباطل، وسالت دماء الشباب في الشوارع هدراً. وتم اغراقهم في النهر مصفدين بالأثقال، وحين هتكت اعراض الرجال والنساء. بل ضعفوا عن ادانة دولة تحكم بالشريعة الإسلامية وفيها وظيفة (اختصاصي اغتصاب)! كما لم تتذمر من عدوان الجيش والمليشيات على الشهداء وهم في الاكفان.

نجحت سياسة الإسلاميين في شراء الذمم (أطعم الفم تستحي العين) فكان لجامعة القران الكريم وتأصيل العلوم نصيبها المعلوم، فاحت رائحة فساد الجامعة بمديرها، وأساتذتها غير المؤهلين من الذين ترقي بعضهم لدرجة بروفيسور بسرقة بحوث الاخرين، ومنهم الذين كانوا يتقاضون الحوافز ليس على جهد تدريس الطلبة، بل علي كل طوبة يتم وضعها في منشأة جديدة في الجامعة بنسبة 3% لمدير الجامعة نائبة ووكيله (صحيفة التيار 2014).. ولان الفساد الإسلامي يتكئ على فقه التحلل، وسرقة المال العام، فرجال الدين في ذلك سواء، طالعتنا اخبار السعودية بتقرير حول ضبط أئمة ومؤذنين يؤجرون مرافق المساجد بأكثر من نصف مليون ريال، (قال رئيس المهام الميدانية بمناطق الشؤون الإسلامية سليمان الزومان، إن الإمام دكتور أكاديمي ويقول أنه محتسب في هذا المسجد ويرفض أن يكون موظف رسمي تابع للوزارة.. أضاف التقرير «الإمام يقول إنه محتسب لا يريد التقديم على وظيفة رسمية، لأنه لا يريد أن تكتشف كل هذه الاستثمارات») انتهي..  وجميع ذلك تحت ستار (هي لله) كأنما الله بغافل عما يعملون!

ورجال جامعة القراَن أكلوا الدنيا بالدين، لكنهم عافوا غناء الدولية، مستهجنين لحضورها واعتبروه من قبيل الإساءة للجامعة، وتستبطن الادانة العيب في الكلمات، وحركات الجسد والايحاءات الجنسية، التي لا تليق بقداسة هؤلاء المشايخ الورعين ومناهجهم! ولديهم كل من يتمايل طربا هو سفيهاً وضيعاً. ثم يُظهر هؤلاء الادعياء الحرص والغيرة على اخلاق خريجيهم من الشباب! الذين اختاروا (الدولية) لتزفهم كخريجين، الشيء الذي افتضح عجز الجامعة والبون الشاسع بين ما تقوم بتدريسه من فقه متحجر عاجز عن مخاطبة حوجة هؤلاء الطلبة للمعرفة التي تآخي بين الحداثة والدين، وتزيل التناقض الحادث بين واقعهم وما يحصلونه من تلك الجامعة، حتي تستطيع ان ترتقي بحس وذوق طلابها الذين يجدون في غنائها متعة وتطريب.

والشاهد ان هؤلاء الدكاترة المشايخ يدركون ان هؤلاء المغنيات اللاتي عرفن (بالقونات) واشتهرن باغاني (الزنق) هن نتاج المشروع الإسلامي، والجنين الشرعي لثقافة ووعي المشروع الحضاري (الرئيس الرقاص) رعته بالنماء وفتح المساحات الحرة لممارسته، في أحلك قيود الحريات العامة في مجالات الاستنارة، حيث انصبت الرقابة علي الناشطات والمعارضات السياسيات وملاحقتهن بتهم مخالفة الآداب العامة، والزي الإسلامي وقوانين النظام العام. وفي الجانب الاخر نفس رجال الشرطة واللجنة الأمنية يغدقون الأموال علي هؤلاء المغنيات بلا حسيب او رقيب! لقد تعاظمت شهرة ذلك النوع الجديد من ضروب الفن الغنائي، كتظاهرة مجتمعية حين استأثر فيه الدعاة ورجال الدين والحكام الإسلاميين بكل خيرات البلد وأفقروا الشباب الذي يتخرج فيه الطبيب ليعمل سائق تكتك او رقشة، وتتخرج منه المهندسة لتعمل بائعة شاي، فقط لأنهم لا وساطات لهم، ولا أهلهم من المتمكنيين، او يديرون منظمات الدعوة الاسلامية.

خرجت الدولية ورفيقاتها القونات يعبرن عن الملهاة الدراماتيكية لسياسات حكومة القوانين الإسلامية، وكماشة الفقر، والحرمان، وعدم التنمية والعدالة الاقتصادية، وتقنيناً لعوالم الاسلامويين في التعدد، وزواج المسيار، وزواج المتعة (راجل المرا حلو حلا). وسياسات العنف (قنبلة واحتمال تنفجر)، والتهريب  (راجل التهريب تعال راجع خليتو قلبي شريد)، ذاك التهريب الذي لم يستثني المخدرات بالحاويات، ورعاه الفلول فنافسوا لوردات الكارتيلات في العالم. وثالثة الاثافي حين تبدلت كل القيم المجتمعية بفعل الفساد وتحول شدوه من (الحارس مالنا ودمنا اريد جيشنا جيش الهنا) لي صياح القونات الهستيري وصخب الجمهور (لو ما  داعامي ما تقيف قدامي، والدعم  السريع صارف والجكس عارف)!! وكذلك لم نشهد انزعاجا لجامعة القران والتأصيل، لضياع المجتمع الصالح وتدمير عقول هذا الجيل، والمجتمع برمته.

جهل (أصحاب الايدي المتوضئة) ان ازمة الاخلاق في التعصب الديني، و ليس في اغاني الزنق والقونات والراب والراستات، لان كل ذلك تعبير رافض لجيل ذكي صاحب طاقات ومقدرات تفوق هؤلاء المشايخ، لكنه محبط من عجز حكوماته في توفير الحياة الكريمة.. فلو كانت لنا حكومات رشيدة تحترم هوية هذا الشعب الافريقي الذي دخله الإسلام بالطبول والنوبات لوفرت للأفراد المناخات الحرة لجميع ضروب الفنون والغناء والرقص والموسيقي، دون مقصات رقابة الدعويين، لشهدنا حينها الابداع، الفكر، والكلمة المهذبة المشذبة بالقيم الرفيعة، وتجسيد الغايات السامية التي شع قبس منها في ساحة الاعتصام في ثورة ديسمبر المجيدة. كذلك الازمة في قصور الفهم الديني العاجز عن حل مشكلات الأجيال المعاصرة، وهو يتمترس حول قشور الدين والرجعية، عقل نقلي قاصر عن شاو التطور والعقل الحداثي، واللحاق بالمتغيرات العالمية السريعة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق