سياسة

أزمة كورونا

ما بين النموذج الصيني والنموذج الألماني؟

فاطمة أنفلوس البوعناني

تداول الناس بإعجاب كبير خبر انتصار الصين على فيروس كورونا. وبغض النظر عن مدى صحة الخبر من أساسه أصلا، إلا أنني لم أستطع الاستمتاع به مثل الآخرين، فسرعان ما تبددت فرحتي بمجرد أن تزاحمت الأسئلة داخل رأسي الصغيرة:

> كيف انتصرت الصين في هذه الأزمة؟

> ماهي الإجراءات التي اتخذتها للوصول إلى هذه النتيجة؟

> وما معنى أنها انتصرت؟

لقد انتصرت بالعلم والديكتاتورية! جندت كل قدراتها في مجالات التكنولوجيا والطب والبحث العلمي وسمحت لنفسها بمراقبة كل السُكان والتدخل بكل أشكال العنف لتطويق المشتبَه فيهم بحمل الفيروس دون المراعاة لأدنى معايير حقوق الإنسان.

أين يكمن الخطر في ذلك؟

> يكمن من جهة في كون الصين قد تصير نموذجا يُحتَدَى به باعتبارها نجحت فيما فشلت فيه الأنظمة الديمقراطية.

فقد يُعزَى فشل هذه الأخيرة في تطويق الأزمة الحالية إما إلى عدم قدرتها على التحكم في مواطنيها أو عدم رغبتها في خسارة سمعتها أمام العالَم.

> ويكمن من جهة أخرى في احتمال تَبَنّيِها كقدوة من طرف أنظمة فاشلة لا تملك من ثنائية العلم والديكتاتورية إلا عصاً تهوِي بها على رؤوس الشعوب.

مثل هذه التخوفات تستمد مشروعيتها من ردود أغلب نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي التي نوهت بالعنف الذي تمارسه السلطات على المواطنين أثناء ضبطهم خارج بيوتهم رغم الحجر الصحي المفروض. لقد أصبحت هناك مطالبة شعبية بوجوب استعمال رجل السلطة للعنف بكل أشكاله من أجل معاقبة “الخارجين عن القانون”.

لحسن الحظ أن كل هذه الخروقات تظل مبادرات فردية دون سند قانوني، لكن الموضوع لا ينبغي الاستهانة به مطلقا!  لماذا كل هذا الإجماع اليوم على قبول العنف بل والمطالبة به؟

هل هو الخوف أم الأنانية؟

> تخيلوا أن يصل بنا الخوف لدرجة اتخاذ قرارت خاطئة قد نندم عليها مستقبلا.

ماذا لو تَعَوَّد رجل السلطة على ضرب المواطنين وأصبح هذا الأمر مألوفا في الشوارع حتى بعد اختفاء كورونا؟

> وتخيلوا أننا بسبب أنانيتنا نفكر فقط أن نكون نحن وأولادنا بخير.

وربما انزعاجنا ممن خرجوا للشوارع (للرقص أو الدعاء) لم يكن خوفا على حياتهم، بل كان فقط بسبب خوفنا نحن على حياتنا!

يبدو أن المحرك الأول لكل إنسان هو الخوف: 

الخوف هو من أنزل بعض الناس للشوارع والخوف من جعل البقية تختبئ في بيوتها وتدعو رجال الأمن للتدخل.

الخوف من جعل البعض يتسابق على تكديس المواد الغذائية، والخوف من جعل البقية تشتمهم على صفحات التواصل الاجتماعي.

كلنا خائفون، لكننا لا نعبر عن خوفنا بالطريقة ذاتها. كلٌ منا يعبر حسب وعيه وضميره ومدى قدرته على مراقبة تصرفاته.

الخوف أسوء مستشار (كما تقول الحكمة الألمانية) فهو يحرك العاطفة ويُسكِت المنطق.

وما أتمناه بقوة، أن يَعلُوَ صوت المنطق الهادئ والعاطفة المتزنة لتنجح ألمانيا في تقديم نموذج يدحض التجربة الصينية.

ليس فقط لأنني أحب ألمانيا وأعيش فيها، بل أيضا لأنني أريد أن تكون هناك إمكانية لإنقاذ أرواح الناس دون التضحية بقِيَم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن السلطات الألمانية لحد هذه اللحظات لم تفرض الحجز المنزلي، ولسان حالها يقول:

نتمنى ألا نضطر للاختيار بين الكرامة والبقاء على قيد الحياة! 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق