سياسة

الثورات لا تموت

وليد دبلوك

المشهد السياسي في السودان مشهد عصي على التحليل والقراءة، ولكأن السودان كتب عليه منذ الأزل ان يكون في مسيرته السياسية غير مستقر ومتقلب بشكل غريب للغاية.

الثورة التي اذهلت العالم بسلميتها الفريدة والتي اطاحت بأكبر واقوى نظام حكم شمولي استمر لثلاثة عقود ، أنعشت الآمال وايقظت النفوس وأينعت الاماني بغد افضل واجمل ، وتلاها ما تلاها من عك سياسي ابان التفاوض ما بين العسكر والمدنيين وما اسفر ذلك عن تكوين توليفة سياسية للحكم دون الطموح والمستوى ولكنه كان الخيار الاوحد بين مكون يمتلك القوة والسلاح وفرض بهما نفسه في الساحة وبين مكون آخر امتلك الإرادة والشارع واستند إليهما  لإثبات وجوده  وظهرت عندها حقيقة المشكل لدى الطرف المدني وهو انه اتفق في كل مكوناته على إسقاط النظام فحسب دونما امتلاك اي رؤية لما بعد السقوط ، فسقطت ورقة التوت وبدأ المكون المدني والثوري عاريا عن البرامج والرؤى والخطط .. بعكس المكون العسكري الذي كان واضحا انه له إستراتيجية وهدف وغاية لها يسعى ويعمل وبدأ ذلك واضحا اليوم فيما آلت اليه الاوضاع..

إن ما تعانيه البلاد اليوم وان سعى الكثيرون الى إلصاقه بحكومة السيد حمدوك ولا أعفيها من مسؤولية مباشرة ايضا، إلا ان واقع الحال الراهن يبرهن على ان ثمة أياد عابثة تدرك وتعمل على بلوغ الاوضاع الى ماهي عليه الان..

وما لا شك فيه ان النظام السابق لازال قابضا على كثير من مفاصل الدولة الاقتصادية والاعلامية، وقد برعت الآلة الاعلامية في توصيل الاجندة التي تسعى اليها وهي إيصال النفوس الى مرحلة القنوط واليأس والخنق حتى يصير الطريق ممهدا الى تحقيق هبوط سياسي ناعم يتم قبوله من الاوساط الشعبية بكل رحابة أملا في تحقيق انفراجات اقتصادية وامنية تعاني انعداما حادا حاليا.. ويتم ذلك الهبوط عبر الوافدين الجدد عبر طريق اتفاقية السلام الاخيرة. وهم وافدين قدماء جدد في آن.

بالنظر الى كل من السادة مالك عقار ومني مناوي وجبريل ابراهيم والتوم هجو وغيرهم ممن أتوا عبر بوابة السلام هم من الوجوه القديمة في المسرح السياسي وان غابوا عن فصول تلت غيابهم إلا انهم عادوا في المشاهد الاخيرة للواقع السياسي.. والناظر الى تصريحات قادة الثورية يلاحظ ارتياحا كبيرا وسط الاسلاميين لتلك التصريحات، ورسالة جبريل التي وضعها في بريد الثورة وهو يقوم بزيارة الى منزل دكتور الترابي معزيا اسرته في رحيله، هي رسالة لها معاني وإيماءات ينبغي الأخذ بها مأخذ الجد والنظر الى القادم بعين الحذر واليقظة.

السودان مقبل على فصول سياسية ساخنة في شتاء قارس والواقع يتحور بشكل سريع ودراماتيكي للغاية..

السيد حمدوك في وضع لا يحسد عليه فهو مأزوم لحد بعيد من نواحي عدة أبرزها ضعف اداء حكومته الباهت والضعيف، وتسارع الاحداث من حوله بشكل يجعله لا يستطيع مجاراتها بنفس الوتيرة والرجل يفقد رصيده يوما بعد يوم، وان كنت أرى ان الرجل له رؤية وفكر وهدف ولكن مجابه بهجمات عكسية من جوانب عديدة تشل حركته على إحداث اختراق سياسي يعيد التوازن الى الساحة السياسية والذي اختل ميزانها لصالح المكون العسكري وقوى الثورة المضادة.

  يحسب دكتور حمدوك الساعات والثواني لبلوغ ميقات وصول بعثة الامم المتحدة المناط بها المساعدة في تثبيت الديمقراطية وإرساء دعائم الحكومة الانتقالية، وهي ستشكل الظهر والسند الذي يستقوي به في مواجهة من يسعون الى تقويض الانتقالية وتكوين حكومة اخرى تلبي غاياتهم والتي غاية منتهاها هو الامان من المساءلة والعقاب خصوصا مع تزايد الضغط الشعبي في شأن حادثة فض الاعتصام بعد ظهور المقبرة الجماعية الجديدة والتي من المرجح انها لمفقودي الاعتصام. ودخول البعثة الاممية سيؤدي قطعا الى فتح المستور والمخفي عمدا.

وفي خضم هذا المشهد وذاك يوجد عامل هام وفاعل واساسي ينبغي استنهاضه للعب دور محوري وفاعل وهو الشارع والوعي الثوري.

نستطيع القول ان الثورة ان لم تكن قد سرقت فهي في طريقها للسرقة، وان من يسرقها هو من يفترض به حمايتها، ولذلك ينبغي ان يتم اشراك الثورة عبر لجان المقاومة في المشهد الحالي بشكل مباشر دون وسيط، فليس من ضمان وامان للحكومة الانتقالية الآن أكبر واقوى من الشارع الذي يهابه الكل بلا استثناء وما امواج الثلاثين من يونيو ببعيدة عن الاذهان.

ينبغي ان تكثف الحكومة الانتقالية من جهودها للتواصل بشكل جدي واوسع مع القواعد الشعبية وتمليكها كل الحقائق، ولو امتلك السيد حمدوك الشجاعة لذلك فسيمتلك ناصية الامر مجددا.

نعم الضغوطات الاقتصادية خانقة والوضع الصحي متردي للغاية خصوصا مع موجة كورونا الثانية والتي تبدو أكثر شراسة من الموجة الاولى التي استطاع دكتور أكرم عبر سياسته وتخطيطه من الخروج بالسودان منها بأقل الخسائر ولكن في بلادي يحاربون الناجح حتى يفشل ويشجعون الفاشل عساه ينجح وهيهات. تلك الضغوطات الاقتصادية والصحية لها أثر سلبي في التعاطف مع الحكومة الانتقالية ولكن إحداث أي اختراق سياسي كفيل بتغير المعادلة وهو ما يجب على السيد حمدوك السعي له بجدية وعدم الاكتفاء بالانتظار لمقدم الدعم اللوجستي الاممي، فالأيام لدى المناوئين للانتقالية تعني الكثير ويصلون الليل بالنهار لقطع الطريق وفرض واقع جديد تنتفي معه الحاجة لبعثة الامم المتحدة.

الثورة عظيمة في قيمتها وقوتها ولكن تتكالب عليها ذئاب العهد القديم بشتى السبل إذ لا سبيل للانقلاب العسكري المباشر لاستحالته عمليا ونظريا وليس بسبب الحذر من المجتمع الدولي او الاقليمي ولكن لأن الشارع بالمرصاد لأي انقلاب مباشر لذا لا مناص امامهم من الانقلاب الناعم وقد بدأ فعلا.

الثورات لا تموت لان روحها هو الشعب والشعب لا يفنى، فعضوا على ثورتكم بالنواجذ وإلا عضيتم الانامل من الندم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق