آدبثقافة وفن

الأدب العامي ماذا يُخاطب فينا!؟

سيرين الزوش (تونس)

اللغة العاميّة تحضر في أعمال كتابية كثيرة، لا يمكن إنكار وجودها، فمنها يُصنع الشعر ليُغنى و تُولد المسرحية لتتجسد و تتواجد الرواية المشوقة المفاجئة و لعل الجميع يعرف أن أشهر الروايات في العالم العربي مزجت بين الفصيح و العامي إثر عملية سرد الأحداث و نقل الحوار لمعرفة بواطن الشخصيات ، أملا في أن يزداد القارئ قربا إلى واقعة و اتحادا معه و يتحسن وعيه بنبض مجتمعه و حتى يزداد تأثرا أيضا حينما يعلم أن الأدب قادر على احتوائه و مساعدته مهما بلغت بساطة تفكيره أو معيشته و من هنا يبدأ تعلقه بالكتاب و من هذا المستوى بالتحديد يبدأ قطاع النشر في الانتعاش و الوصول إلى حيوية لا مثيل لها… لأنه أوجد مكانة للغة التي تُخاطب جميع الطبقات الاجتماعية و كل المستويات الثقافية و العلمية.
الشعر العامي مثلا لا يخفى عنا بريقه، هو الذي يُلحن و يُغنى و تحفظه الألسنة بسهولة و تردده في احتفالات عديدة و حتى عند القيام بالطبخ أو غسل الصحون!
في الحقيقة عود الإنسان نفسه على الرضا بالقليل أو السهل… أكثر الناس لا يُحاولون التعرف على جمال اللغة العربية الفصيحة، لا يفتحون معاجمها و لا يحفظون بيوت شعرها و لا يكتبون على شاشاتهم الذكية ما يُبين تطورهم و تقدمهم الثقافي و اللغوي، أكثر الناس يكتبون الخواطر و التدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العامية و هم يشعرون بمواكبة العصر و بلوغ أسمى مراتب الحضارة من خلال استعمال الكمبيوتر و المنصات الذكية و الفيسبوك و التويتر و الهواتف الذكية إلخ و لكنهم لا يعلمون انهم متأخرون في طريقة طرح أفكارهم و أسلوبهم إذ بقيت لغتهم ساذجة قانعة بالقليل لا تحاول الينوع او الازدهار و لا تقدم ثمارها للعقول المجبولة على النمو و المعرفة و الفضول، و الفكر هنا ميت لا نشاط فيه يذكر!
قد تمنحنا اللغة العامية الابتسامة و الضحك و خفة الدم و قد تُخاطب فينا مشاعرنا الأولى بلا تكلف و لا مشقة، هي لغة روتيننا و مجتمعنا، نخاطب بها الآخرين فنبدو واضحين لا يعترينا الغموض، تجعلنا لا نتعب في إيصال المعلومة و التعبير عن شعورنا
اللغة العامية مسليّة و مميزة كلما حاولنا الإبداع بها، و كأننا نبحث عن البراعة و الجمال في المخاطبة و النقاش و حس الفكاهة و الإقناع بلغة حياتنا اليومية المحبوبة و العزيزة على القلب التي رافقتنا منذ ولادتنا و علمتنا الحروف بطريقة تلقائية لينة و هي التي تسيّر دواليب علاقاتنا و قراراتنا بلا أقنعة.
لكن و رغم ذلك لا يمكن احتقار الطموح المتواجد في عالمنا العربي، فلهجاتنا تختلف من دولة إلى أخرى و لا توحدنا سوى اللغة العربية الفصحى أمام العالم الغربي المتقدم، لغة القرآن هي هويتنا و معجزتنا، إنها أصعب لغة في العالم و هذا في حد ذاته فخر لنا العرب و تحد كبير يجب العمل على النجاح فيه و ذلك حين نسعى إلى تصدير ثقافتنا و حضارتنا الراقية من خلال أعمالنا الأدبية القيمة المعتمدة على لغتنا الفصيحة و معاجمها الغزيرة، لغة البيان و الأوزان و الحركات و المعاني التي تتغير بالسياق
اللغة العامية لا تُخاطب فينا طموح الثقافة و التقدم و النجاح و التميز، لا تجعل مستوانا اللغوي يقتحم أعلى المراتب و يصل إلى أبعد الآفاق، إنها طبيعتنا و عفويتنا و لكنها ليست علما يستحق العناء و الاقتداء كما أنها ليست إبداعا مدهشا يستحق التصفيق و الثناء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق