ثقافة وفن

Manuel de Arce

دمج الهوية البصرية مع الموقف الإنساني

بشرى بن فاطمة

تحكي أعماله عنه وتحاكي انتماؤه الأول الاسباني الأمريكي مانويل دي أرتشي الفنان التشكيلي الذي خبر كيف يعيد تكوين الفراغ من اللون، بحذر واع بمواقفه الإنسانية وبروح قادرة على تمرير رسائل الرمز المختلف في تفاصيل الطبيعة والملامح والهويّة الجمالية الأولى للفكرة التي يسعى من خلال تقنياته الأسلوبية الى توظيفها خاصة عندما يتماهى بين الألوان الباردة ليضع حرارة دافقة في رموزه الحسية التي تنبعث من تفاصيل شخوصه التي يختار أدوارها بعناية ويعايشها في حركتها وجمودها.
فهو يحمل مقاماته الثقيلة والخفيفة حسيا وبصريا ليقدّمها بتكاملاتها المتناقضة بين الوضوح الباهت والتعتيم الواضح في رحلة مختلفة عبر الطبيعة بين اخضرار قاحل وخصوبة عقيمة يحاول تمريغها في الجدليات الموحية بالعري الحسي في شخوصه وإيروتيكية المعاني المندفعة من الأجساد فبين الواقع والتعبيرية يعيد تشكيل فكرته في مفاهيم الحضور الإنساني بين هويتين ثقافيتين.
إن المعنى المستدرج للون الذي يعتمده يتماهى معه في كثافة باهتة يصمّمها بتقنياته المرمّلة التي تتلوى بين العناصر وتتشكّل في تضاريسية تكاد تنحني مع اللوحة وتحيد وتعبر وكأنها تحمل عين المتلقي عبرها في أسفار باطنية عميقة على القماش، لتبدو كأنها متقدّمة في نسق تصاعدي حسيّ متصدّع متخدّش، ورغم ذلك حرّة المعالم، تبدو مثل رحلة مشهدية تعبيرية لموت الحرية وانبعاثها من جديد في مساحات باردة وبين ملامح جامدة ولكنها ذات موقف حركي من وجودها.
تتميّز الأسطح في اللوحات التي يقدّمها دي أرتشي بأرضيّة متماوجة بين حبيبات لونية سميكة لها هوسها المحتمل في ترتيب المواقع المحمّلة بالكتل وهي تعاود تفصيل الفراغ من المفهوم الأوّل المطروح بسذاجة حكيمة بين التكاثف والهدوء.
فتلك الأسطح ينعكس فيها اللون مع تلك المشاهد، لأنها تتناسب مع تصوير الريف الإسباني والملامح والانماط الحياتية المتلوّنة بين طبيعة غجرية المزاج اللوني حيث التماهي معه أبعد في الإيحاء المتكاثف مع فكرة الحريّة المطلقة في الوجود، ما يجعل اللون الثقيل حاملا لجودة رسمه في أشكال مُنمّقة عند محاولة التكامل معا.
تحمل مشاهد آرتشي نوعا من الحميمية الايروتية المحسوسة في عناصر اللوحة رغم طغيان الألوان الباردة ورغم كثافة باهتة لا حميمية تنبعث بين زاوايا اللوحة إلا أن التعاطي التقني معها استطاع أن يلامس الروح العاطفية المحلقّة التي تجسّدت في تفاصيل الشخوص واللحظات وزوايا التكاثف التي تبدو واقعية وتشخيصية اعتيادية ومألوفة ولكنها ذات خصوصيات فنيّة وتقنيّة ترفع من تفاصيلها إلى مستوى التواصل الجسدي مع الفكرة التي تكامل معها في الأسلوب بين الرسم والطباعة في تشكّلات معاصرة استحدثها ليركّب ألوانه عبرها بالتناسق مع الضوء والتناغم مع العناصر التي تمكّنت من احتواء فكرة الفراغ ومفهوم الجمود في الأعمال.
فالليثوغرافيا أو الطباعة الحجرية التي يعتمدها آرتشي تعيد تصميم التفاصيل بشكل معاصر وتحفرها كتثبيت لها في التفصيل العميق وكعملية انتماء بين اللوحة والفكرة والفنان نفسه، نقش آخر يتجادل حسيا بين الضوء واللون، فالمبدأ الأوّل الذي يسعى لتقديمه هو التناسب الكلاسيكي بين مفهوم اللوحة التقني وبين طبيعته التحديثية.
إن اللوحات التي يقدّمها آرتشي لها حسياتها العالية التي تتماشى مع أسلوبه المتناسب أيضا مع شخصيته وما يحمله من روح الدعابة والسخرية السوداء والطرافة المكتظة بالتفاصيل الحسية والمزدحمة بالحكايا المتعدّدة التي تعود الى انتمائه وما يتناسب معه من تفاصيله التي يتمتع بها، ما يجعل التجانس بينه وأعماله وأسلوبه متوافقا في النقل الحسيّ خاصة مع توافق تقنيات الليثوغرافيا وما تعيده في ترتيب اللوحة من تجانسات بين العناصر تتناغم في طبيعتها العاقلة والعاطفية.

*الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق