ثقافة وفن

Oakland Sam “Morse”

الواقعية وما ورائيات المفهوم

بشرى بن فاطمة


عندما خرج الفن من تأثيرات التجريد والتعبيرية التجريدية في الولايات المتحدة الأمريكية سطعت الواقعية بكل تفاصيلها المحرّكة لأسلوبية المفهوم وانفعالية الشكل وتحرّرت المواقف البصرية في جماليات حسيّة وانفعالية وتراتبية تشكّلت وبدت في تجارب مختلفة ومتعدّدة منها تجربة أوكلاند سام مورس.
يحمل الفنان التشكيلي الشامل ” أوكلاند مورس” صاحب التجارب التشكيلية المُلوّنة والتجريب الحسي المبعثر للمدارس البصرية المتنوعة والمحاكي للفلسفة الإنسانية في ثقافاتها المتعدّدة، الكثير من التساؤلات الوجودية التي ملأها بالتعابير والوجوه والملامح والتفاصيل الحياتية نثرها في لوحاته وقصائده وموسيقاه.
تعكي فرشاته وحركته التشكيلية اندفاعا ويندفع به نحو الانسان في فضاءات اللون بين الأصفر الأليف والأزرق الباهت يدعّمها بتلك الجمل الدقيقة التي يكتبها على حواف اللوحات كحوار باطني بينه وبين شخوصه او كاعتبارات حيّة يلقيها إلى متلقيه بصمته الدقيق الدافق كجسر يعبر به نحو الوجدان.
فالمشاعر والتصورات التي عايشها يحاول أن يتجرّد منها وتعمّم بها أكثر فلا حسيات فردانية أو مأساة واحدة تعكس انتماؤه للعالم بل كل المآسي انعكاس إنسانية وتلك فلسفته الشاملة التي عبّر عنها بكل ما استطاع من مواهب.
تمكّن أوكلاند من تأسيس لغة بصرية وحسية خاصة به من خلال الرسم والفن والموسيقى والتحم مع الرموز بين شموس وطيور دلالات لم تكن اعتباطية كانت تلتحم مع الطبيعة مع البشرية، في خطوط ودوائر وفضاءات تتسع وتضيق، فرغم مشاكله التي أجّلت تعلّمه وتعليمه استطاع أن يكون فنانا عصاميا له خطّه ومنهجه وانتماؤه الفني الذي لتهم فيه بحواسه كل تفاصيل الفنون والثقافات التي كوّنت ذلك المزيج البشري في الولايات المتحدة الأمريكية، فتأثّر بموسيقى السود وتبنى قضاياهم وتعلّم البلوز والعزف على الجيتار والهارمونيكا، ففتحت له الموسيقى منافذ التعبير بالشعر الشفوي وتمكن من تسجيلها بصوته عبر الكمبيوتر” اعتمادًا على عيني ويدي أقول ما أستطيع، لا أعرف مدى تأثير ما أقوله ولكني أحب أن أقوله وأعبّر به”.
في أعماله التشكيلية يطغى اللون الأزرق وتتكاثف كتله مع التراكم المتوافق مع البياض ليحدث جدلا بحثيا في اللوحة من خلال العلامة والرمز فهو يعوّض الفراغات بالأشكال ويثير الطبيعة في تجريد متكامل بين بصرياته المتفرّدة وبين تفاصيله التعبيرية التي تحاكي مآسي الانسان وبحثه الدائم عن الأمان، “في الأستوديو الخاص بي لا توجد نوافذ وكثيرا ما أرسم ليلا أحاول أن أخزّن النور والنهار والضوء في ذاكرتي وأردّده بالتدريج في مسطّحات اللوحة أغوص به في تصورات تعبيرية عن الوجود والرغبة في الحياة بعيدا عن الشقاء.”
وما شقاء الفنانين إلا تبني المواقف الانسانية والاستمرار في التعبير والتماهي بالذات مع الواقعية بمفاهيم متمازجة بينهم وبين المفهوم لذلك عبّر أوكلاند من خلال فنه ولوحاته وأسلوبه عن القضايا الإنسانية وتماهى فيها بالتجرّد الانتمائي والاكتمال الذي مكّنه من أن يحوّل تجريبه الفني للدفاع عن القضايا العادلة.
بدأ اندفاعه وتمرّده الفني مع ثورة السود الامريكان الذين تبنى ثقافاتهم واكتمل في الدفاع عن الأقليات خاصة عندما كانت إقامته بالقرب من السكان الأصليين في أمريكا وهي فلسفته الإنسانية التي ساعدته في تطويع روحه التواقة للحرية والإنسانية وطوّرت عمقه البصري عبر مشاهداته ورموزه ومفاهيمه المختلفة التي تأثّرت بها كلماته الشعرية وألوانه التشكيلية وملامح الانسان في لوحاته واختلفت علاماته من مده التعبيري عن الوجود المتمسّك بالإنسان في اختلافات هويته وتنوعه وفي الفلسفة الثابتة التي كان يدعو فيها للتعايش والتلاقي والتثاقف والتي تعني التنوع والحياة والاستمرار المثير لكل التفاصيل الحياتية المُعاشة فقد كان فنان تشكيليا وقاصا وشاعرا جمع فنونه وشكّلها على وحي الإنسانية من خلال المفهوم الفني البصري والمعنوي الذي استطاع الجمع بين النص واللوحة والمعزوفة، فقد تمكّن من خلق التناغم المعنوي في المزج بينها وبين المفاهيم والمعاني والكلمات والألوان وبالتالي مكنته هذه الفلسفة من تكوين ذاته بخلق أسلوب مباشر، خاص به وبتجربته، خاصة وأنه لم يكن بالخبير الفني في المدارس بدقاتها الكلاسيكية والأكاديمية، فقد كان تجريبيا أجاد الاكتشاف والابتكار والتماهي المتنوع في اللون والشكل بين التجريد والواقعية والتعبيرية والتأثيرية.
مكّنته لوحاته وتجريبه فيها من العبور الحركي المتماثل بين الموقف واللوحة فلم يخلق حواجز ولم يصطنع حدودا بل توغّل أكثر في تمكين الملامح من أن تقتحم عوالمه وتندغم مع أحاسيسه وبالتالي استنطق اللون باللون والحركة بالانفعال وتمرّد على تفاصيله الحسية التي كونت موقفه الإنسانية،
فوافق فيه بين إيمانه المندفع بالإنسان والعدالة والأمان الذي سعى إلى أن يعبر عنه حتى آخر نفس في حياته.
حملت رسالته الفنية عبارات وجودية وتساؤلات بصرية وتناقضات واقعية كانت تنفعل مع ألوانه بين الخفة والثقل وبين الهشاشة والثبات، كما يعبّر ” أنا الصانع لكل ما أرغب وكل هذا جيد، الضوء واللون والشكل والحب”

الأعمال المرفقة:
متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية
Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق