ثقافة وفن

تحليل آية القرآن

‭‬لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار‭(‬ سورة الأنعام

بدر الدين العتاق

أنبه القارئ الكريم أن هذه المادة لا تناقش قضايا فقهية مقارنة ولا مراجعة لشروح وتفاسير ؛ كما أنها – فضلاً عن ذلك – تشير إلى الموروثات الفكرية والفقهية القديمة ولا تدخل في التفاصيل ؛ وبين هذا وذاك تطرح نفسها قضية شائكة ومعقدة للغاية ؛ لأنها أخذت الطابع العقدي على مر العصور ؛ وهنا محاولة لطرحها بطريق جديد ما كان إلى ذلك سبيلاً .

بصورة مباشرة ؛ فهمت الناس من معنى الآية الكريمة أعلاه أن الإدراك البصري رهين بنظر العين الشحمية إلى ما رغبت في أن تراه أو يراه العقل الحادث كيفما أتفق لها فكرة الإدراك الحسي في العقل والمخيلة الواسعة ؛ وهنا وقع الإشكال في المعنى الحقيقي لكلمة : ” لا تدركه الأبصار ” ؛ كما وقع من قبل الإشكال في فهم الآية الكريمة : ‭{‬ ولكن شبه لهم ‭}‬ سورة النساء ؛ وإليكم التأويل إن شاء الله ؛ لا كما أتخيله أنا .. لا ولا كرامة ! بل كما تمليه الآية نفسها .

هب أنك أردت رؤية الله تعالى ؛ وهذا مشروع بلا شك ؛ فأول ما يذهب إليه الفكر إشتغاله بلغة الخيال في تصوره الصور للإدراك البصري له تعالى ؛ فتتجمع الصور والشكول والرموز وتكوينها في ملايين الشكول ثم لا يصل إلى شيء يرضي به نفسه أو قل : إلى صورة صفة وشكل معين يتبناه بأنه الحق والحقيقة ؛ وآخر المطاف يرتد إليك البصر خاسئا وهو حسير ؛ خالى الوفاض .

إذا فهمت ما جاء أعلاه فأنت قد فهمت معنى كلمة : ‭{‬ لا تدركه الأبصار ‭}‬ .

معنى آخر : الأبصار هي تلك الصور وتلكم الشخوص والشكول والرموز اللامتناهية وتكوينها في المخيلة الفكرية للإنسان والتي نهاية أمرها .. العجز التام وعدم القدرة أو عدم  التكيف مع رمز واحد أو أكثر ؛ أو مع شكل واحد أو أكثر ؛ ليثبت لديك – لدى عقلك الباطن أو الواعي الظاهر – أن تلكم الحالة هي هو ؛ وما هي هو ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .

ومعنى كلمة : ‭{‬ لا تدركه ‭}‬ ؛ أي : لا يحيط به أي شكل أو صورة أو قل : رمز أو حالة أو صفة أو ذاتية ولا ولا ولا ! لسبب بسيط جداً هو : إن الإنسان – مطلق إنسان – لم ير الله من قبل ؛ أو إلها من قبل ؛ فتختزل ذاكرته ذاتيته ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ؛ لذا يكون التخبط خبط عشواء ؛ فلا تدركه الأبصار .

الادارك شفعيا كان أم وتريا ؛ يستحيل على العقل البشري تصوره أو وضعه في قالب معين ؛ لأنه تعالى لا يتحيز ولا يتقيد ولا يتعين بشئ مطلق شئ ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ؛ لذا المخيلة الفكرية للإنسان تتسع إتساعاً غير محدود ومن هنا كان الاستحال ؛ وجاء التعبير القرآني الملائم لهذه الحالة بكلمة : ” لا تدركه ” ؛ فطالما ” لا ” ف ” لن ” أشد إستحالة ؛ وأيضاً طالما ” لا ” تكفي لغوياً معنى واصطلاحاً ف” لن ” ليس لها موضع هنا لا لغوي ولا إصطلاح ؛ فالكل ؛ كل المخلوقات تحت  ” لا ” النافية ؛ فتعالى الله علوا كبيراً حتى عن مفهومنا نحن الناس لأبسط مقومات اللغة ؛ ودنونا نحن تشريفا وتحقيقاً لبلوغ ” لا ” إذعانا و إمتثالا وتكريما .

ومن نافلة القول : هذه الدائرة المغلقة تتسع لأبعد الحدود معرفية وجهالة في آن واحد بإطلاق الجملة على عواهنها ؛ وهي في ذي المقام تتراوح الأفكار والمخيلات إطلاقا رغم انغلاقها على نفسها وضيقها ذات الوقت ؛ وهنا تحديداً تسبح ال ” لا ” إدراك بلا حدود حيثما زاغ البصر باحثاً ومؤملا ومتأملا  ومفكرا ومصورا ومسولا لنفسه ؛ إرتد خاسئا وحسيرا .

أنت ترى من حيث لا تحتسب بعد المفهومين عن بعضهما البعض بشكل من الأشكال ؛ مفهوم قديم متوارث ؛ ومفهوم جديد – محاولة لبسط المفاهيم بصورة مباشرة – فحكم الوقت يحتم على الباحث البحث عن الجديد مستمراً والجيد ؛ لا ضربة لازب .

بقية الآية الكريمة : ‭{‬ وهو يدرك الأبصار ‭}‬ ؛ وهنا الإدراك ليس إدراكاً بالعين الشحمية بالطبع ؛ وإنما إدراكاً ذاتياً لجوهر الأشياء والأحياء – في أقل تعبير لي أنا الآن – فالله تعالى يحيط بما ضاق عنك وسعه في ذاكرتك أو مخيلتك أو تصورك له رغم ما تراه أنت واسعا في الماعون العقلي من سعة التصور لوهم قوة الفكر لديك ؛ وأنت ؛ مهما حاولت فلن تصل إلى القطعية البحتة لتثبيت الإدراك الواعي عندك ؛ ومن هنا ولسعة علم الله إطلاقاً حاط بما لم تحط أنت به خبرا .

بمعنى آخر : الإدراك يختلف عن معنى” الإدراك ” أول صدر الآية ؛ فإدراك الله تعالى إدراك إحاطة السوار في المعصم ؛ شاملاً كاملاً ؛ أبعد من ذلك ؛ إدراكنا نحن البشر كما وصفناه سابقاً ؛ هو من وضعه في مخيلتنا بكل الشكول والظنون والتوهمات والتكهنات والتخيلات .. إلخ ؛ بحيث رغم اتساع دائرة فكرنا – توهمنا بذلك – يضيق علينا الوعي إعياء ثقيلاً ونحن نسبح في دائرة ” لا النافية ” اللامتناهية في مخيلتنا ؛ ومن هنا كان الاستحال والتحدي والعجز والبهت والحيرة والدهشة والذهول والضعف الفكري المحض ومن ثم بفضل الله ثم بفضل ما ضاقت به السبل والأسباب جهلا وخزيا ؛ كان فضل الله علينا كبيراً بأن بذر فينا بذرة البحث عنه في ذواتنا ؛ ثم بعد العجز التام المحض توجهنا إليه ذاتا ووحدانية ومعرفة وأقررنا بذلك الضعف والعجز والبهت والحيرة والدهشة والذهول والإرتباك والإضطراب في الإدراك بألوهيته وفرديته ووحدانيته مطلقا لا شريك له ولن يكون ؛ فتعالى الله عن ذلك علوا كبيراً .

وتمام الآية الكريمة : ‭{‬ وهو اللطيف الخبير ‭}‬ ؛ يصف الدقة الدقيقة اللامتناهية في الإدراك والفهم والتصوير لما يعتري العقل البشري من تعدد الخيالات والتصاوير لأمر يستحيل عليه وعيه وفهمه وتثبيته ‭{‬ معنى الأبصار ‭}‬ ؛ وهو الشكل النهائي للذات الإلهية ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ؛ فالنتيجة النهائية القطعية البحتة الحتمية تمتنع هنا وهناك .

أمنا عائشة رضي الله عنها ؛ وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه ؛ في الروايات الواصلة إلينا منهما ؛ كما ترى ؛ ليس لها علاقة بما قلناه سابقاً بالتداخل والتشابك المفضي بوجود أو بعدم وجود عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ؛ من التحقيق اليقيني له شكلا ورمزا وصورة ؛ تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً ؛  والفرق بين المفهومين واضح بجلية وبعيد كل البعد عن المعاني المنقولة والمتواترة إلينا لأكثر من خمسة عشر قرناً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق