ثقافة وفن

المفاهيمية بين النحت والأداء تجربة

التشكيلية ميرفت عيسى Mervat Essa

بشرى بن فاطمة

تشكّل طرق التجريب البحثي في الفنون المعاصرة رؤى تتجدّد حسب المفاهيم التي ترتكز عليها وتتوافق معها من حيث اختيار الأسلوب وبالتالي تعمد إلى التعمّق أبعد في تلك المفاهيم حتى تحوّلها إلى مواقف تؤسّس عليها مبادئها الجمالية وفق التوجّه المفاهيمي الحر، فقد لامس طرق الابتكار والخامة والأداء كمسارات منعتقة من ثنايا الالتزام الاكاديمي بخصوصيات الفنون المألوفة بما في ذلك توافقاتها المبهرة للتعبير عن كل ما يختلج الفنان من تساؤلات وحيرة يطرحها ويطرح معها معايشاته وما يختلجه حسيّا وذهنيا، كما في تجربة الفلسطينية ميرفت عيسى من حيث التصميم والروح البحثية والفكرة المرجوّة الباحثة عن الهوية والأرض والحق .

إن كل ما تُقدمه ميرفت عيسى في التصورات النحتية التي تبدو في توافقاتها غير مألوفة في التصور النحتي يتوافق مع ما تسعى له في تعبيرها المفاهيمي حيث تعكس أسلوبها ورؤاها البصرية وحضورها المبالغ في الاندماج مع الأرض في توافق وتداخل مع استباقها لذاكرتها ومستقبل وجودها.

دون أن تتجاوز التركيز على الخامة من خلال دمجها في روح الابتكار وتوظيف عناصر أخرى معها وتطويع الكتل والأحجام وزخرفة الأشكال، حتى يبدو الأسلوب وكأنه عبث داخلي تجريبي له منافذه الجمالية عند التنفيذ حتى تعيد به عين المتلقي إلى تلك القرى الفلسطينية وتفاصيل الطين والتراب التي تحاكي الوجود الحقيقي في الواقع بقيمه الراسخة وحكمته في تفعيل الأداء الذهني عند التلقي وطرح الأسئلة وتوثيق الأجوبة مع الحواس الذهنية التي لا تتراكم بقدر ما تبحث وتنتشر وتثير أكثر رؤى التجريب.

فقد تجاوزت تجربة الفنانة والنحاتة ميرفت عيسى النحت نحو ابتكارات اندمجت مع الحجر كعنصر مفهومي نابع من الأرض باق في رمزياتها وعلامة من علامات الصمود والمقاومة في جدلية تحاول بها أن تُخرجه من صمته بمجازاتها لتُحوله من عنصر جامد بلا حركة متروك في فراغ التكوين إلى تشكيل مصقول له أيضا حركته المتفاعلة مع المساحة والفضاء والمفهوم حتى لو كان بلا فعل واضح إلا أنها تحرّكه رمزا ودلالة ومقاصد في مخيّلة المتلقي فقد استطاعت أن تعبث بالمعنى المألوف وتراوغ المستحيل بالممكن في التجريب التكويني.

لميرفت عيسى تجريبها المستمر مع الخامات المختلفة، الطين أو السيراميك والحجر، تحاول تطويع التكوينات النحتية لتفرض ذاتها على التداخلات النفسية والتصادمات الوجودية والحسية وهي توجّه نظرها إلى الحالات والذوات بين الأنا المتعايشة والذوات الغائبة والذوات الحاضرة في تقاسم مختلف المشاعر والمفاهيم والاسترجاع والتذكر في التوافقات المتداخلة فيما بينها حتى تحوّل الأزمنة والأمكنة في المجاز التشكيلي إلى طبقات وثنايا وزوايا ترتّب مسارات المنحوتة ومحاوراتها مع الفراغ.

تبدو العملية النحتية التي تقدّمها ميرفت عيسى معاصرة في قيمها المعتمدة على المفهوم والدلالة البصرية التي تجمع العناصر المختلفة فهي إضافة إلى النحت النافر والغائر وتركيز الأبعاد تدمج الحركة والصورة وتستعير من الذاكرة ما يشبه انتماءها من صور وأقمشة وخيوط وزجاج وحجارة وتراب لتكوّن حكاياتها البصرية مستجيبة لواقعية السرد، حتى تحمل الحكاية أُلفة التبادل بين خيالها والتقاط المفهوم من المتلقي ليكون هذا التبادل بمثابة استرجاع للتاريخ والأرض ومصارعة لفكرة الوجود المشوّه بالوجود المستمر وبتجميع الذاكرة.

فقد استطاعت من خلال الفن ورؤاها المعاصرة أن تدمج قيمه وجمالياته وابتكاراته الأسلوبية وتجلياته الفنية مع كل التوافقات الواقعية والنفسية والاجتماعية باختلافاتها ومواقفها وتطوراته ودرجات الوعي التي تربط المنجز بالفكرة والفهم بالمتلقي، خاصة لو كان للفنان دوره التوفيقي في خلق موقف وجماليات وحضور يؤكده التعاطي الأول مع الأرض والذاكرة والوطن كقضية حياة وموت بتناقضات رمزية.

وهي فكرة ميرفت عيسى التي أوصلت بها صوتها وصورتها وأرضها وذاكرتها ومفاهيمها المعاصرة في التنفيذ الفني والجمالي وهي تنبش في الحجر وتبحث في التراب والطين وتمارس التجريب لتلتقط الإحساس وتستوعب انفلات الصور في الذاكرة المشحونة بالعلامات والرموز لتعيد صياغتها بصريا وتحاكيها بمفاهيم وقيم فنية.

فهي تبعث في خاماتها الصلبة والطيعة حركة المعنى والذاكرة باستفزاز طاقة التخيّل من خلال ما تصقل من ملامح ومجسمات تعطيها وظيفتها ومعناها في التصور الواقعي وفق جماليات وابتكارات تستقي رموزها من تاريخ فلسطين وحضارتها بشكل مألوف ومتآلف مع المفهوم الذي تريده، فمنحوتاتها تعكس صورتها الفلسطينية بتدقيق أنثى تبحث عن التفرد وسط وطن يعاني من عوائق الحدود وتشابك الجغرافيا لتعكس أيضا انتماءها وحكايتها ونكبة عاشتها في الذاكرة والسرد والمعايشة التي رغم حضورها المزدوج في أرض أخرى إلا أنها لم تنفصل عنه بل حافظت ضمنيا على انتمائها الأول كما حاولت به أن تنتصر لتكون حقيقية.

تبدو المظاهر المستوحاة من عمق الصور العالقة في الذاكرة في تجربة ميرفت عيسى واضحة العواطف قويّة التشكل النحتي فهي تبالغ في حواسها الذهنية التي تحاور عناصرها وتماثلاتها وقوالبها المتناغمة مع جدلياتها الفكرية في سرد القصص من عمق الأرض والتاريخ.

تروّض خاماتها لتكون جاهزة لمشاركتها الدور فهي مع منحوتاتها تتشبه بملامحها، وطنها في تجاذبات الحق والسلب التناقض بين الوجود والعدم الواقع والخيال وتداعياته المتصادمة والحدود التي تشوّه المعنى من خلال التفاصيل التي تشبه الأرض في تقنياتها النحتية، حيث تتحدى قساوة الخامة بأنوثتها التي تتعمّق بالتفاعل الحسي والذهني.

إن الحجارة وكما تعبر ميرفت لا يمكن لها إلا أن تكون طيّعة للمفاهيم التي تعاند جمودها الأخرس حتى تواجه عنف الواقع برقّة التفاعل واندفاع الحواس وصخب الاستنطاق والمواجهة والصمود والمحاورات العنيدة خاصة وأنها تعتبر النحت على الصخر تحدّ بالغ للمشاهد المُعتمة والحدود الضيقة التي تفجّرها وتهب طاقتها الفرح، لأن كل ما تفعله يحرّك المنحوتة ليستوعب الفكرة منها حتى تجتاح الخامة الصلبة في توظيفها الرقيق المندمج مع مشاعر الحنين والتذكر ومزاج البحث وبالتالي فهي لا تكتف بالنحت ولا تقلّد أحدا بل تتآلف مع محاوراتها الذاتية لتترك خاماتها حرّة وهي تمارس معها مغامراتها الجمالية بكل تفاصيلها التي تستحقها وتتجاوب معها من أجل أن يكتمل انتماؤها لذاتها لأرضها ولفنها.

*الاعمال المرفقة

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق