ثقافة وفن

مذكرات قروي في البندر

بدر الدين العتَّاق

إذا سمح لي السيد الكريم المهندس المفضال / الناجي عكاشه ، أن أكتب حول هذا الكتاب وتلك المذكرات الموسومة بــــ « مذكرات قروي في البندر « التي رُبَّما يقف القارئ الكريم عليها موقف المتأمل المريد المستزيد لما هو بعدها بلا ريب ، وهدَّك من رسالته آخر الكتاب لكل الناس لا لتعيين أحدهم دون الآخر إذ يقول : ‭{‬ لا تحكوا الحكاوي للأطفال كي يناموا بل للكبار كي يستيقظوا ‭}‬ ، فأنا سعيد بلا شك .

أمران حملاني على الكتابة حول هذا النص الجيد الذي إن طاوعني فيه النُقَّاد بأن يُصنَّف في دائرة أدب الرواية التقليدية الجيدة التي تأخذ بوتيرة الأحداث تصاعدياً حسب الأسبقية الزمنية وتحمل في طياتها كل أو جُل مقومات الرواية لأنَّه – أي : النص – لا يدخل حاق المذكرات الشخصية المحضة بل يدخل حاق السرد القصصي الممتع ذو الطابع الروائي الجيد ، وربما يتفق معي من يتفق ويختلف عليَّ من يختلف في ذلك والأمر متروك للنُقَّاد والقُرَّاء الكِرام بكل تأكيد ، وأنا لم أقرأه بعين المذاكر الساخط بل بعين الناقد المتفحص البصير قدر الإمكان فهذا العمل يستحق الاطلاع والمذاكرة والمنافسة والمناقشة بلا شك .

زد على ذلك ، الكتاب يحمل في طيَّاته المعلومة مثبتة مع الموقف كمرجع لها وللحدث بجانب التوثيق التاريخي لحقبة زمنية ما فهو يحمل المعلومة والتاريخ والفكرة ووحدة الموضوع ويشمل كذلك التدعيم بالصور مما يجعل ذهن القارئ مرتبط بالرسوخ حيثما ذهب الكاتب به فيما أراد وهذه ميزة تحمد له وللنص بلا ريب .

هذا ! قلت : أمران حملاني على الكتابة حول هذا النص الجيد أولهما : المتعة والتشويق والإثارة وانسياب السياق الفطري وتدفق العفوية والتلقائية في كتابته بلا عناء ، وهذا الأمر قلَّما ينبري له أحد الرواة الحاليين ممن يفوز بالجوائز ذات الوشاحات أو ذات الألواح الخشبية أو ربَّما ذات الفرطاقة والفرطاقتين ، فمن يطَّلع عليه – أغلب الظن – لن ينفك منتفعاً ومستمتعاً ببعض المواقف التي تجوش بها الخاطرة والفطرة وطبيعة الأشياء دون تكلُّف أو تصنُّع فهو ما بين منفعل حزين لبعضها متعايش مشارك مسرور متأثر للبعض الآخر وريثما ينفك من إحداهما فهو ينفعل بالأخرى وهكذا حتى نهاية الكتاب .

  في أدب الروايات المأخوذة من أدب الذكريات والسير الذاتية الغيرية هناك من كتب في هذا الباب وأطال منهم على سبيل المثال لا الحصر الأستاذ الدكتور المرحوم / طه حسين ، في كتابة « الأيَّام « من ثلاثة أجزاء وهو كتاب ذائع الصيت وتمَّ تحويله فيما بعد لمسلسل في الدراما المصرية كما هو معروف ، وكذلك كتاب الأستاذ الدكتور المرحوم / أنيس منصور ، « الكبار يضحكون أيضاً « وكتابه : « في صالون العقَّاد ، كانت لنا أيَّام « والواضح هنا أنَّ أغلب كتابات الدكتور / أنيس منصور ، هي سيرة ذاتية غيرية وإن كانت تأخذ الطابع الفلسفي أو الطابع الأكاديمي العلمي في بعضها لكنها في تقديري تغلب عليها السيرة الذاتية بعُدَّة أشكال وأساليب ، كذلك كتب الأستاذ الكبير الدكتور / عبد الله الطيب ، في هذا الباب ما هو أمتع وأفيد مثل كتابيه : « من نافذة القطار « وكتاب : « من حقيبة الذكريات « وكتاب : « ذكرى صديقين « ورغم تصنيف كتابه الأول في أدب الروايات إلَّا أنَّه لم يحظ بالتقدير التام والاهتمام الحقيق على أن يتم تصنيفه رواية عالمية بكل المقاييس لكن للنُقَّاد رأي آخر كما ذكر هو شخصياً ، وحاولت جاهداً أن أحذو حذوهم في كتابة السيرة الذاتية خاصتي رغم قلة التجربة وريعان الشباب إلَّا أنني كتبتها في كتاب لا يضل ذهني ولا ينسى خشية فوات الذاكرة لأحداث مهمَّة في دنيا الأدب والشعر ورجالاتهم للثلاثين سنة المنصرمة من عمر الزمان وهو تحت الطبع الآن بعنوان : « ملتقى السبل « وفي ذلك قال القائل :

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إنَّ التشبه بالكرام فلاح

هذا ! الأمر الثاني : هو معرفتي بسعادة الدكتور مهندس / الناجي عكاشه ، منذ عشرين سنة أو عليها تزيد ( 2004 – 2024 ) ، ذلك بحكم المهنة المشتركة والعمل في المجال الهندسي ، ثم بحكم الجوار فهو يقيم – آنذاك – بحي الملازمين أحد أرقى الأحياء في العاصمة وأنا كنت أقيم بجواره بحي بيت المال العريق ، لكن صلة الود بيني وبينه هي التي أطَّرَت لاستمرار هذه العلاقة الطويلة الممتدة إلى أن يشاء الله فلم أنقطع عنه ولم ينقطع عني طيلة تلك الفترة ، فهو رجل بشوش حبوب وراقي وفاهم وله حس فكاهي وإداري ناجح وإنسان بكل ما تحمل الكلمة من معنى ولا أقول هذا الحديث من باب التملُّق والتكلُّف والتزلُّف والتصنُّع – حاشا لله – إنَّما أواصر الود المستكن في نفسي هي ما تحملني لتدوين الحق في فضل الرجل ويكفي أنَّه وقف بجانبي حين فرَّ الناس من حولي في أشد حالات الاحتياج للمشورة والرجولة والمروءة والمال ، وإن كانت شهادتي فيه مجروحة فالرجل أكبر مما كتبت حين لم تسعني الكلمات فيه ، وهذه القيم الإنسانية تكفيه أن يبرز في دولة الإنسان وأن يكون من طلائعها بلا شك .

بمناسبة فصل زواجه من الدكتورة / ليلى يحي منور ، المتوفية في سنة 2007 – رحمها الله رحمة واسعة – التي شكَّلت علامة فارقة في حياته وفي وفاتها ، وأذكر يومها بعد وفاتها ونحن جلوس بالمكتب إذ تداعت له الذكريات فأخذ يحدثني عنها حتى فاضت عيناه قرابة الثلاث ساعات ما قطع حبل مشاعره إلَّا الهاتف يرن إذ مواعيده التي يرجع فيها إلى البيت تجاوزت المقبول عند بناته الفضليات فلم ينتبه للزمن وهو يمر ، وهذه الحادثة رُبَّما بطريق غير مباشر وضعت في نفسي قيمة الوفاء والولاء للزوجة وكيفية برها والتعامل معها والإحسان إليها وما إلى ذلك وما زلت أذكر تفاصيلها حتى الآن ، وهذا درس مجَّاني يستفاد منه كما ترى .

وبهذه المناسبة ، دعني أتمثَّلُ بقول القائل وهو الأستاذ الشاعر / محمد عبد الله شمو ، في قصيدته التي يغنيها المرحوم الأستاذ / مصطفى سيد أحمد ، لأنني كنت شاهداً على وفاتها حين بكاها الناجي بإنسانيته الصادقة :

ثم أنتِ

أنتِ يا كلُ المحاورِ

والدوائر

يا حكاياتُ الصبا

تحفظين السر والمجد الذي ما بين نهديك اختبأ

ليس يعنيكِ الذي قد ضاع من عمري هبأ

وأنا صغيرتي لستُ أدري ما الذي يدفعني دفعاً اليكْ

ما الذي يجعلني أبدو حزيناً حين أرتاد التسكع في مرايا وجنتيكّ

لا عليكْ

هكذا قد خبّروني ثم قالو ترجلْ

وعلى اطروحة الحلم المسافر التقيك

على حمى الرحيل المستمر الآن في كل المواطن ألتقيك

في مساحات التوهج … في جبيني ألتقيك

في انشطار الوقت في كل الذرى

وفي حكايات الطفولةِ إذ يعودُ بنا الزمانُ القهقري

آه لو تأتينَ يا سيدتي من كل فجٍ واتجاه

من عميقِ الموجِ

من صُلبِ المياه

تستطيعين التنقّلَ بين ارجائي وظلّي

تستطيعين التوهجَ عند لحظات التجلي

ولعينيكِ امتلاكُ وثائقي حتما وقلبي

ولعينيك التنصلُ عن مواثيقي ودربي

هكذا قد خبروني ثم قالوا لي ترجل

ولك أن تتأمل قمة هذا الوفاء والإخلاص أيها القارئ العزيز .

هذا ! أنا سعيد حين أقدِّم لقُرَّاء العربية هذا السِفْرُ الجيد رغم قلة وزني في مجالات الأدب وتقديم الكتب إذ ما زلت في بداية الطريق للتأليف لكن انطباعي وتقييمي لهذا العمل مما جاء عاليه هو ما ألزمني بالتقديم ثم الود والوفاء والواجب ورد الجميل الذي عبَّر عنه الشاعر الحطيئة حين قال :

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

لا يذهب العرف بين الله والناس

أشكر الله على أن منحني فرصة العلاقة الأبوية والتلمذة مع الدكتور المحترم / الناجي عكاشه ، وأشكره حين منحني التوثيق لهذه العلاقة بتلك المقدمة التي تشرَّفت بها غاية التشريف والتقليد ، وسعدت بها غاية السعادة فأنا مدين له بها أبد الدهر بلا ريب ، حفظك الله ورعاك أينما كنت أستاذنا الجميل وسدد خطاك وأسرتك الكريمة وبناتك الفضليات إنه سميع مجيب .

ابنك / بدر الدين العتَّاق

مهندس مدني يتقاضى الأدب راتباً

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق