ثقافة وفن

أوراقي الأفريقية (2)

نيجيريا والنيجر

فاروق عبد الرحمن

رحم الله الرئيس اسماعيل الازهري المحب لأفريقيا ففي خلال رئاسته لمجلس السيادة (1966-1969) زار عدداً من دولها واستضاف بعضاً من رؤسائها في السودان وكان من حظي ان رافقته في بعض تلك الزيارات وقد كانت هي الأولى ليّ لأفريقيا جنوب الصحراء (وأكرر هنا ما ذكرته في الحلقة الماضية من ان بدايتي الافريقية كانت داخل السودان نفسه وسنأتي لتفاصيل ذلك في مقال لاحق).

وحيث ان انتخابات رئاسية حرة تجرى هذا الاسبوع (نهاية ديسمبر 2020) في جمهورية النيجر غير المعروفة جيداً لدينا في السودان فقد رأيت ان اعود اليها في هذه الحلقة من اوراقي الافريقية واقتبس من كتابي السودان وسنوات التيه الأسطر الآتية (ص-148-160) في شهر يونيو من عام 1968 زار السودان رئيس جمهورية النيجر ديوري هاماني ترافقه زوجته ووفد كبير يرتدون جميعاً رجالاً ونساءً الازياء الافريقية الجميلة. أدخلتني هذه الزيارة في تجربة كبيرة هي تجربة الترجمة الفورية أمام حشد كبير من الناس يمثلون قيادة البلاد بحالها ففي المنصة التي أقيمت في مطار الخرطوم وجدت نفسي أقف بين الرئيسين هاماني وأزهري لا نقل على مكبر الصوت الترجمة العربية مباشرة من اللغة الفرنسية التي تحدث بها الرئيس الزائر وقرأ كلمة مكتوبة تزيد عن صفحتين اشاد فيها بالسودان وعلاقاته الجيدة بجيرانه وحسن معاملته لإخوته الأفارقة خاصة أولئك الذين يعبرون حدوده كل عام في طريقهم الي مكة المكرمة.

رافقت الرئيس هاماني الى مشروع الجزيرة حيث خرج آلاف من مواطنيه المقيمين هناك مرحبين به ويعزفون موسيقى الكيته ما دخل السرور عليه وتبادل معهم الحديث بلغة الهوسا دون حاجة الى مترجم لكن بطبيعة الحال كان الانبهار عظيماً عند التقائه بإدارة المشروع وعلماء البحوث الزراعية السودانيين مائة بالمائة. ما ان عاد الى بلاده الا ووجه دعوة الى الرئيس اسماعيل الازهري لزيارة النيجر تمت بالفعل في أواخر أكتوبر من نفس العام وكان من حظي ان كنت في وفد المقدمة المشارك (Advance Party) المكون من ثلاثة من ضباط البوليس برئاسة القمندان محمداني مصطفى وسافرنا بطائرة تجارية تابعة للخطوط الاثيوبية من الخرطوم حتى اكرا مع التوقف القصير في العاصمة النيجيرية (آنذاك لاغوس) هنا كانت ملامستي الاولى لإفريقيا جنوب الصحراء وكانت نيجيريا تخوض حربها الاهلية بعد محاولة بيافرا (الإقليم الواقع جنوب شرقها) الانفصال.  أما لاغوس التي لازالت أكبر المدن فقد انتقل منها مركز الحكم الى العاصمة الجديدة أبوجا وسط البلاد.

أمضينا ليلة في أكرا وزرنا السفارة السودانية هناك حيث التقينا السفير الباقر عبد المتعال اطال الله عمره وزميله السكرتير الأول عز الدين محجوب عليه رحمة الله ثم واصلنا سفرنا بطائرة ثانية إلى أبيدجان عاصمة ساحل العاج يقولون احياناً انها بيض الجان واحياناً عبيد الجان هكذا كتب لي الاخ بشير ابوسته من هناك في وقت لاحق عندما افتتح السودان سفارة له في تلك البلاد في منتصف السبعينات كان في تلك البلاد سوداني واحد فقط من كبار الشخصيات على مستوى القارة كلها هو السيد مأمون بحيري أول مدير للبنك الإفريقي للتنمية الذي تقرر تأسيسه في مؤتمر وزاري جرى في الخرطوم عام 1963 كان السودان يأمل ان تكون الخرطوم مقراً له الا ان ابيدجان الجميلة سرقته منها بجدارة (نسجل هنا احدى اخفاقات السودان على المستوى الإفريقي الى جانب اتحاد كرة القدم الأفريقي الذي نالته القاهرة وسكك حديد زامبيا وغيرهم ما قد نعود اليهم في مقالات لاحقة). .

أمضينا يومين في ابيدجان زرنا رئاسة البنك واستضافنا السيد مأمون بحيري على مأدبة عشاء بمنزله الفاخر الذي كان المقر الرسمي لرئيس الجمهورية هوفيت بوا نيه أول رئيس جمهورية لساحل العاج والزعيم لكل أفريقيا الفرنسية. (جمعتني الظروف الطيبة بعد بضع سنين بالسيد مأمون بحيري وزير المالية آنذاك في لندن عام 1976 وأنا قائم بالأعمال بسفارة السودان بلندن فرافقني والسيدة حرمه الى حفل شاي الملكة اليزابيث Garden Party الذي تقيمه كل عام للسلك الدبلوماسي ويسمح لكل رئيس بعثة ان يدعو شخصاً او شخصين من مواطنيه ضيفاً عليه.  وبعد ان حلت علينا كارثة الانقاذ عام 1989 التقيته بضع مرات في البنك السوداني الفرنسي بالخرطوم وقد حاول مشكوراً مساعدتي في الحصول على وظيفة ولكن لم تتحقق.

ثم وصلنا الى نيامي عاصمة النيجر بعد ثلاث رحلات وأربعة أيام وبدأنا التحضير لزيارة الوفد الذي اتى بطائرة مباشرة من الخرطوم لم تكن لنا سفارة هناك ولا جالية ولكن لم نجد صعوبة في التحضير فأهل البلاد يشبهوننا في كثير من الصفات الطيبة والبلاد نفسها تشابه اقليمنا الغربي ( كردفان – ودارفور) فأشجار النيم تذكرني بأم روابة واشجار التبلدي واللالوب تكمل باقي الصورة أما الاستقبال الذي وجدانه في كل من تاوا وأغاديس وزندر ومرادي والفرسان على ظهور الجمال والخيل فقد ذكرني بمدينتي الأبيض عروس الرمال وهي تستقبل ضيوف السودان تيتو وعبد الناصر وبريجنيف والملكة اليزابيث في الساحة التي أصبحت تحمل اسم ميدان تيتو رئيس يوغسلافيا الذي زار السودان في العام 1959وخرجنا ونحن طلاب في خور طقت الثانوية نهتف باللغة الصربوكرواتية دوبري دوشلي تيتو عبود.

في مدينة زندر القريبة من الحدود مع نيجيريا انعقدت قمة ثلاثية بعد ان جاء الرئيس النيجيري الشاب يعقوبو قاون وانضم الى الرئيسين أزهري وهماني وكان التفاهم فيما بينهم بثلاث لغات (الهوسة والفرنسية والانجليزية) كان مترجمنا الأول هو الدكتور بشير البكري وكنت اساعده وقد سبق له ان عمل سفيراً في نيجيريا والمعروف انه من اوائل الخريجين السودانيين في الجامعات الفرنسية وأول سفير للسودان في باريس قبل ان يصبح اول مدير سوداني لبنك الكريدي ليونيه واذكر ان الرئيس هاماني الذي تربطه به صلة صداقة كان دائماً يناديه ب مسيو لو بانكيير. . حرصاً على سلامة الرؤساء الثلاثة أقفلت الحدود الا أنه واستجابة لطلب من الرئيس اسماعيل الازهري سمح لشخص واحد فقط بالعبور هو رجل الأعمال السوداني عثمان الطيب المقيم في مدينة كانو منذ الأربعينات ويتمتع بعلاقات طيبة مع القيادات السياسية في تلك البلاد وكان من الطبيعي ان يتحدث بلغة الهوسا مع الرئيسين يعقوبو قاون و ديوري هاماني (بعد عدة سنوات وانا اقوم بالأعمال في سفارة السودان بلندن قابلت السيد عثمان الطيب وشقيقه ابراهيم الطيب (عليهما رحمة الله ) وقد حضرا الى فندق السافوي لمقابلة الرئيس جعفر نميري وكان هو من اعلمهم بمكان إقامته). .نيجيريا بحجمها الضخم وثروتها الكبيرة تريد قيادة غرب افريقيا بأكملها الا انها تجد في التكتل الفرانكفوني الذي يضم أكثر من عشر دول في تلك المنطقة ما يسد عليها الطريق لكن التواصل الودي بين الرئيسين الناطقين بلغة الهوسا كان عاملاً في التقارب بينهم و تخفيف الاحتكاك بمثل ما لعب الرئيس ازهري دوراً مقدرا في توحيد الصفوف (قاون مسيحي من الشمال و بعد تركه رئاسة السلطة ذهب لبريطانيا للدراسات العليا ) وفي مقال لاحق سنتحدث عن قمة ثلاثية اخرى جمعت السودان والكنغو و يوغندا كان من حظي ان رافقت فيها الزعيم الازهري.

ولكن في العام 1977 ونحن في نيويورك نصوت لعضوية مجلس الأمن الدولي والمقرر فيها اختيار النيجر عضواً في المقعد المخصص لأفريقيا واجهتنا نيجيريا وبعناد شديد وتآمر مع بعض الدول الأخرى خاصة ليبيريا بان استطاعت ان تقتلع المقعد لنفسها ادعاء منها بأن قمة لبرفيل 1976 لم تحدد بشكل قاطع ان يؤول المقعد للنيجر ( صديقي العزيز إبراهيم طه أيوب الذي كان يقوم بالتصويت الذي استمر عدة جولات حتى وقت متأخر من الليل تنقص فيه كل مرة اصوات النيجر وترتفع أصوات نيجيريا حتى بلغت الثلثين علق قائلاً بان القوة قبل الحق. . . سينقلنا هذا الجزء من الحديث الى ما جرى لسوداننا نفسه في محاولة نيل عضوية مجلس الأمن الدولي عام 2000 عندما فازت علينا دولة صغيرة بعيدة هي جزيرة موريس الجميلة الساحرة ما دفعني لأن أكتب مقالاً نشرته صحيفة الأيام الخرطومية فندت فيه دعاوى كل من مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية آنذاك ومندوبه في نيويورك وسفيره في أديس أبابا وفشلهم المريع في تنظيم حملة السودان بالفوز بهذا المقعد المخصص لشرق إفريقيا والله اعلم كم كلفتنا تلك الحملة من أموال دافع الضرائب السوداني.. واذكر بالخير كله في هذه المناسبة الاخ الصديق الرشيد سعيد يعقوب (وكيل وزارة الثقافة والإعلام حالياً) الذي تمكن من إيصال مقالي من باريس للأستاذ محجوب محمد صالح للنشر في أوقات صعبة تحول دون إبراز أي حقيقة. جدير بالذكر ان نيجيريا التي استقلت بعدنا بأربعة أعوام قد فازت بعضوية مجلس الأمن الدولي خمس مرات بينما قبع السودان بين أواخر الدول الافريقية ولم يفز غير مرة واحدة في الفترة من 1972-1973.

ما اذكره من النيجر وما زال يعاودني من آن لآخر هو مدينة أغاديس الواقعة في وسط الصحراء الافريقية الكبرى على مقربة من الحدود مع الجزائر وسكانها من فرسان البربر الأمازيغ الملثمين يرتدون في اغلب الاحيان ملابس زرقاء اللون بينما النساء سافرات اما في جنوب شرق النيجر فقد رأينا رعاة البقر من قبائل الامبررو وهؤلاء على عكس أولئك يتزين الرجال منهم بينما النساء غير متبرجات وأكثر حشمة.

من الذين شاركوا في هذه الرحلة وما زالوا في ذاكرتي السادة جمال محمد احمد وكيل وزارة الخارجية وأمير الصاوي وكيل الداخلية واللواء حمد النيل ضيف الله نائب رئيس الاركان والدكتور شاهين مدير الادارة البيطرية بوزارة الثروة الحيوانية وموسى الله جابو مدير ادارة البساتين بوزارة الزراعة وكذلك الإعلامي محمد سليمان وايضاً الاخ ضابط الشرطة الرشيد مكي. .ولكن لا ننسى ان جاءتنا برقية من الخرطوم تنعي لنا طيب الذكر السفير بشرى حامد جبر الدار السفير لدى المملكة العربية السعودية في مدينة جدة مقر البعثات الدبلوماسية آنذاك. بالنسبة ليّ هو فقد يخصني بما يربطنا من جيرة ونسب ففي مدينتنا الأبيض سكنا متجاورين فمنزلنا لا يبعد عن منزلهم بأكثر من مائة متر ولكن بفارق السن لم اعرفه الا في العام 1960 بعد عودته الى الأبيض مع زوجته السيدة فتحية محمد الفضل اطال الله في عمرها من الولايات المتحدة حيث عمل كمستشار للسفارة السودانية وقبل ذلك كان قنصلاً للسودان في غامبيلا التي أعادها السودان لأثيوبيا في يوم الاستقلال 1956/1/1.

عدت الى نيجيريا في العام 1983في طريقي الى السودان من بانقي وأقمت في ضيافة الاخ والزميل والصديق احمد بدري المقيم آنذاك في لاغوس (وحالياً في بريطانيا العظمى) فكانت لي تجربة لا تنسى تمثلت في أمانة ونزاهة العاملين في المطار الذين أعادوا لي حقيبة يدي كاملة غير منقوصة بما فيها من اموال ووثائق كنت قد نسيتها اثناء تجوالي في الداخل وذلك في مدينة كانت سمعتها الاسوأ في العالم من حيث النهب بكل انواعه المسلح والمصلح.

أما بالنسبة لبلاد غرب إفريقيا عامة فقد زرت في مهام رسمية كلاً من توجو والسنغال ومالي وسأعود للحديث عنهم في لقاء آخر.  واتطلع الى العودة ان سمحت الظروف إلى أغاديس مع زيارة الى تمبكتو وموريتانيا لكن ما لفت نظري مؤخراً ولا أجد له فهماً هو وجود لاجئين سودانيين في النيجر فنحن لسنا جيراناً لذلك البلد اذ بيننا وبينهم تشاد وهي دولة واسعة الحجم. وفي ذات الوقت تعرضت النيجر لحروب داخلية كان من الواضح أطماع معمر القذافي في خام اليورانيوم المتوفر فيها قد جلب إليها الطامعين في ثرواتها من اليورانيوم المكتشف في فترة الثمانينات بعد ان كانت منذ سنوات طويلة ترغد في فقرها وبؤسها فما كل الثروات هي مصدر سعادة.

الان تضرب النيجر مثلاً طيباً متمثلاً في انتخابات ديمقراطية نزيهة لا يخوضها الرئيس السابق محمد يوسفو بعد ان أكمل فترتين في السلطة ولعلها تكون بادرة طيبة في تلك المنطقة (الى جانب السنغال التي دائماً في المقدمة منذ الاستقلال وحتى الان لا تماثلها في ذلك الا بوتسوانا الواقعة في أقصى جنوب القارة وهي بلاد سنعود إليها في مقال لاحق.

عدنا الى الخرطوم مع الرئيس إسماعيل الأزهري بطائرة الخطوط الجوية السودانية من طراز كومت وكانت على مستوى من النظافة والسلامة ولكنها لا تماثل الخطوط الأثيوبية التي حملتنا من الخرطوم الى اكرا في بداية الرحلة)

ما ان عدنا من تلك الزيارة الجميلة التي مازالت ذكراها الطيبة حية في ذهني حتى الآن بالرغم مرور أكثر من نصف قرن عليها وقد انعم علىّ فيها الرئيس ديوري هاماني بوسام ثاني غير الاول الذي نلته في الخرطوم خلال زيارته للسودان الا وذهبت في اليوم التالي الى جامعة الخرطوم لمشاهدة امسية في الفلكلور والرقص وما زال ذهني يختزن الموسيقى الأفريقية ويطرب لها فكانت الفاجعة التي لن انساها ابداً. (مذبحة العجكو التي سبقت بوكو حرام بأعوام واعوام)

اوراق إفريقية قادمة …

من زنزبار الى زائير

ومن طابا الي طنجة

ومن كلهاري الى كلمان سكوب واخريات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق