ثقافة وفن

الثلوج الغاربة

غادة عيسى العلوان*

في روايته «الثلوج الغاربة» يستجيب الكاتب والروائي السوداني الفاتح كامل لطفي بكل قوى روحه، وبكل جهد عقله، وألم وجدانه؛ لكل القضايا الموجعة في زمنه التراجيدي، وذلك حين حوّل من ثيمات ثلات هي «الهجرة»، و»الفاقة»، و»الطموح» مرتكزاُ لعمل إبداعي يقول فيه، أن روح الإنسان تتمرد، أن ذات الإنسان تبحث عن مخرج، أو بالأحرى تختار اقتحام  المجهول على أن تكون غائبة أو مغيبة.

– في الوقائع، تشكل حادثة السيل التي حصلت في الريف السوداني العام (1988) منطلقاً للأحداث، التي سوف تسهم في بناء ذاكرة بطل الرواية أحمد سالم المهدي عن والداه اللذان لم يراهما، وذلك حينما تخبره مربيته حاجة فاطنة وهي على فراش الموت بحقيقة سوف تغير مجرى حياته كلها، «أمك لم تمت ليلة السيل. ليلة السيل كانت ليلة مولد سالم مهدي. أمك توفيت أثناء وضعك. وأم سالم مهدي أيضاً توفيت أثناء وضعه». تشابه المصائر هذا بين الإبن والأب أصاب بطل الرواية بداء الرحيل، فشد الرحال إلى موسكو للبحث عن أبيه «الغائب» عن حياته، «الحاضر» في وعيه «سالم مهدي» وهو الأب الذي غاب في يوم مولد ابنه، سافر لنيل درجة الدكتوراه في روسيا ولم يعد إلى بلده أبداً، فبقي في وعي الإبن كا»الوهم والأسطورة». ظلّ حاضراً داخل مخيلته كل سني حياته وأكثر من عشرين عاماً قضاها وحيداً بين ضعضعة الأيام والأفكار يبحث عن السبب في رحيله وعدم عودته.

-ولأن الخطاب في الرواية غير منفصل عن المضمون، حاول الكاتب هنا مقاربة عمله من منظور نفسي، أي العمل في ضوء المنهج التحليلي النفسي، فهو يعرض الحالات النفسية لشخصيات الرواية، ثم ينفرد بعد ذلك بسردٍ نقدي تحليلي نفسي خاص لكل واحدة منها، ويبرز ذلك بوضوح من خلال تتَّبع إشكاليَّة الأب بين الواقع والمثال، والبحث في فكرة (غياب الأب) لدى البطل على الصعيد النفسي وتفسيرها وكأنها كينونة مجازية انوجدت قسراً في غير محلها، وهي الكينونة التي سوف تهيئ الذهن لاستيعاب هويات ثقافية مارست تأثيرها القوي على السارد وعلى العصر الذي عاش فيه بشكل عام؛ بحيث يُمكننا تلمس ذلك من خلال الصور التحليلية المتصلة باستمرار بـ «رحلة العبور»، للأب والإبن معاً (من، وإلى) وإن كانتا في زمانان مختلفان، وأيضاً من خلال التركيز على الاستقطاب الدرامي بين الذات المقتلعة عن مكانها «أم درمان»، وبين الرفض للآخر في البلد الجديد «روسيا» وحالة التشظي التي حولت سمات البطل إلى هوية إشكالية، تُجسد معاناة الإنسان العربي في أول مواجهة له مع الغرب حيث يبحث عن القيم في عالمٍ يسعى جاهداً لخنقها، ما يعني تشظي الذات الساردة بين عالمين ثقافيين غير متجانسين، (شرق/غرب) تتولد عبرهما هوية هجينة لا ترتبط بقيمة ثقافية ثابتة، «سالم مهدي لم يتخذ وطناً له ولا إحساس صادق لمن لا وطن له».

-عبر منظومة الجدل هذه يستمر السرد ويرصد التناقضات الجوهرية بين ذات البطل والذوات الأخرى التي تدور في فلكها الحكاية، ويعرض لسلسلة من التحديات التي تواجه البطل في عالمٍ يسوده النفاق الاجتماعي والخيانات والنساء العاريات، بدءاً من «مارفا ليوبوف» الروسية زائرته الليلية في مسكن الطلاب الوافدين، مروراً بـ  «سونتا ليم» المجرية الملحدة و»سالي برهام» النصف مسلمة من بلاد القوقاز، وغيرهن ممن مررن بحياته، واللاتي جمعته بهن؛ رغبة التوحد الغريزي التي تجمع بين جسدين لا أكثر وتقود إلى لحظات مشحونة باحتقانات ذاكرة متعبة، تجتاحها رغائبها الموتورة، وانزياحها، من ثم، في عملية الاتصال والتوحد، إلى ممارسة ثأرية تستوعب كل دلالات الإخضاع (الحسي/الذهني) بين الذكر والأنثى، مع بقاء للحاجز اللاشعوري المفترض بين الذات والآخر على الحال نفسه، وبما يفضي بالتالي؛ لترسخ القطيعة وتأصيل الفجوة الذهنية والعاطفية بين الرجل العربي، والريفي تحديداً، وبين المرأة الغربية حتى في أشد اللحظات حميمية ويفعل ذلك الكاتب بصور مستوحاة من ذاكرة رجل شرقي مشحون بنوازع الهيمنة والإخضاع للمرأة التي يلتقيها خارج إطار مجتمعه وأحكامه المسبقة عنها، وتمثيلاتها للآخرين أي – الذاكرة – ونوازعها للمقارنة بين الهويات، فالبطل دائم المقارنة بين النساء اللاتي تعرف إليهن في روسيا ونساء من بلده الأم، والكاتب هنا يعكس حال التيه التي تصاحب المهاجر العربي إلى بلاد الاغتراب، كما يبرز دوره في الكشف عن القيم والأحاسيس والأفكار المتقاطبة التي تباعد بين الجنسيات بقدر ما تباعد بين الجغرافيات، فضلاً عن مهارات (تقنية) أخرى في حبك الأحداث، ونسج السمات، وانتخاب الصور الممثلة لحال الاغتراب، والضياع، مستعيناً بثقافة متعددة الموارد من فلسفة، وعلم اجتماع، وأدب. يكون القصد منها إقامة روابط سردية وحكائية داخل النص الروائي بين أجناس أدبية مختلفة كان أبرزها بين (الروائي، والشعري)، فالكاتب هنا على ما يبدو استضاف الشعري إلى جانب الروائي وسخره لتحقيق مقاصده على الرغم من الاختلاف بين هذين الجنسين، وهو اختلاف يطرح في مجال الإبداع شعرية جديدة في السرد الروائي، تكون بمثابة أداة للتواصل الحكائي على مستوى البناء الروائي.

-وبهذا الاشتغال، بدت لغة الرواية شاعريةٌ بامتياز، ذاتُ إحساس عالٍ، منتقاة الألفاظ والتراكيب، محسوسة بقدر ما هي مجردة، تدفع القارئ لالتقاط مقاصدها، والتمتع بقراءتها، بالأخص عند الحديث عن الحب والهجرة والاغتراب.

«قد تغرب شمس من هنا، وقد تشرق من هناك.

لكن مهلاً اليوم يا قدر حياتي…

يا ليلي البارد الطويل.

فتحت ضربات قدري الإستوائي.

ترحل ثلوجي الغاربة…

أنا اليوم مع ذاتي أتوحد، أفنى وأولد، حيث الخلاص والتواصل مع كل أشواقي العلوية…

ها أنت ذا يا فيرا ترقدين تحت الثرى تلتحفين سماء الخلود، ضحية لكل نزواتنا».

هذا النص الشعري يكشف عن حمولة دلالية تُذكر القارئ بعتبة العنوان النصية وذلك بإرجاعه إلى بُنية العنوان وهي رحيل «الثلوج الغاربة» ومن ثم، إدخاله من جديد إلى مواطن العالم التخييلي للحكاية والذي هو نفسه جوهر هذا النص الروائي.

– أما على مستوى الخطاب الروائي، فيعتمد الكاتب على الراوي الضمني/ العليم الذي يوكل إليه مهمة الوقوف على الأبعاد الداخلية، والخارجية، لشخصيات روايته وعوالمهم السرية الدفينة، وذلك عبر اتباعه حركية سردية تتم بين الوقائع والذكريات للشخصية الروائية، فهو يقوم برصد حركة البطل الخارجية في المكان وبين حركته الداخلية في الذاكرة، ويحرص على رسم الإطار الذي تدور فيه أحداث الرواية بدقة، زمانياً ومكانياً، فتتكامل في الحكاية الوقائع المتحرّكة مع الأماكن الثابتة، ولكن أحياناً يكسر التسلسل الزمني لمصلحة ترتيب روائي/ فني يقفز فيه بين الأحداث والأزمنة وفقاً لرؤية فنية خاصة على الصعيد التقني؛ منها أنه يبدأ بالرواية من حيث تنتهي أحداثها، وذلك حينما يُطالعنا بمشهد زيارة بطله للمقبرة التي تحوي جثمان أبيه، وأخته فيرا، عند هذه النقطة على مستوى الأحداث يبدأ السرد، ليبدأ من جديد بسرد الوقائع حتى بلوغها هذه النقطة مستعيداً البدايات التي أدت إلى تلك النهاية.

-وبعد، «الثلوج الغاربة»، رواية حداثية تستقطب قارئاً نوعياً، وتزعزع طقوس التلقي التقليدية التي تربط القارئ بالراوية العربية زمناً غير قصير، تطرح عليه أسئلة لا بد من مواجهتها، وبنفس الوقت تغريه بمغامرات عليه أن يخوضها.

– الرواية، صادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون (1434 ه – 2013 م).

*كاتبة من سورية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق