ثقافة وفن

العوالم والمعالم الجمالية في ديوان قبل النسيان بقليل للشاعرة فاطمة فركال

اسماعيل السخيري – تطوان

مثلت التجربة الشعرية النسائية بالمغرب مسارا متميزا حافلا بالعطاء والتجارب المتنوعة، حيث استندت هذه التجربة على ركام التجارب العربية والمغربية فشربت من ينبوع البلاغة والتحديث الشعريين، ورغم حداثة التجربة الشعرية النسائية بالمغرب التي انطلقت في منتصف السبعينيات مع فاطمة الزهراء بن عدو الإدريسي التي نشرت ديوانها الأول أصداء من الألم عام 1975م، إلا أنها استطاعت أن تفرض نفسها في الساحة الثقافية والعلمية العالمية والعربية والمغربية، ولعل أسماء الشاعرات اللواتي أشرقن في سماء الشعر المغربي مثل : أمينة المريني وسعاد الناصر ومالكة العاصمي ووفاء العمراني وحليمة الإسماعيلي وثريا مجدولين وغيرهن من الشاعرات خير دليل على تميز الشعر النسائي العربي خاصة في القطر المغربي الخصب شعرا ونثرا.

إن ديوان قبل النسيان بقليل للشاعرة فاطمة فركال الذي صدر قبل قراءتنا هذه بقليل، يمثل تجربة لها أفق استشرافي متميز؛ لا من حيث اللغة ولا من حيث التراكيب الأسلوبية والانسيابية الشعرية، لذا شدنا إليه شدا فاخترنا أن تيه في ربوعه ولو قليلا من خلال بعض القصائد التي نسجتها الشاعرة بماء البوح وضوء العتمة القابعة في دواخلها وغياهب ذكرياتها المرة والحلوة، وما شجعنا للتفرس في ملامح هذا الديوان كونه أولا قُدم من طرف ناقد رصين جاد وصادق، ثم ثانيا كون متنه يعد بالكثير من الشعر ويراود القارئ على قراءته والسباحة في جداول مجازاته، فالشاعرة فاطمة فركال تنسج بوحها من عشقها للغة العربية وهو عشق بالتمكن والجموح، وكأنه تمكن ذاب عن قصد لترصيص الكلمات في صور شعرية تميزت بعزف شجي عذب الترانيم تارة وجارف عارم تارة أخرى، على حد تعبير  الناقد الرصين الذي قدم الديوان سعيد يفلح العمراني، الذي سبق له الإشارة في بداية تقديمه بأن الشاعرة اختارت تيمة الطبيعة في ديوانها هذا وحشدت لها رموزها، إذن هي شاعرة تتوسل بكل ممكن لبلوغ سقف الكفاية ولبلوغ كل غاية، لاحظنا أيضا أن شعر فاطمة فركال يستقي مادته بالأساس من اليومي والمعاش فهذا هو مدار شعرها وسر تمكنها من لغة القصيدة التي أطاعتها وأرهفت السمع لبوحها، فكيف إذن جاءت قصائد الشاعرة فاطمة ؟ وما هي أهم مميزات تجربتها الشعرية البكر؟

سنحاول إذن الإجابة على هذه الأسئلة المحورية انطلاقا من تحليلنا لبعض قصائد الديوان الشعرية التي شكلت لب تصور الشاعرة للأشياء والعالم والعوالم المنصهرة في البحث عنها ومحاكاتها أيضا.

أ-دراسة العتبات الخارجية للديوان

أولا: نبذة موجزة عن الشاعرة

فاطمة فركال، قبل هذا وذاك هي عاشقة للحرف تذوب في تضاريسه، تشتغل أستاذة بسلك التعليم الابتدائي، حاصلة على الإجازة في الدراسات الإسلامية، وتتابع دراستها بماستر الأدب المغربي في المغرب العلوي بآداب تطوان، شاركت في عدة مهرجانات شعرية  ولقاءات آخرها ليلة الوفاء التي نظمتها دار الشعر بتطوان.

نشرت أعمالها الشعرية في منتديات ومواقع رقمية عربية.

يعد ديوان قبل النسيان بقليل(2022) أول عمل أدبي لها.

ثانيا: واجهة الغلاف

العنوان:

تركيبيا: جاء العنوان من الناحية التركيبية جملة خبرية بمبتدأ محذوف.

قبلَ: ظرف زمان ملازم للإضافة وهو مضاف

النسيان: مضاف إليه مجرور

بقليل: الباء حرف جر، قليل: اسم مجرور

في هذه الجملة اجتمع شبهيّ جملة، الأولى بالظرف(قبل النسيان) والثانية بالجر(بقليل)

يمكن تأويل الجملة أو تقديرها كما يلي: هذا الأمر كان قبل النسيان بقليل أو تأملٌ قبل النسيان بقليل أو حدث تأملٌ قبل النسيان بقليل، فحدث فعل ماض مبني على الفتح، تأملٌ: فاعل مرفوع، والجملة الفعلية في محل رفع مبتدأ محذوف مقدر.

دلاليا:

يوحي العنوان من الناحية الدلالية، بأن شيئا ما على وشك النسيان، لكن الشاعرة تذكرته أو ربما منعت النسيان من اقتحام ذاكرتها في لحظة بعينها، ولعل كلمة «قليل»  تؤكد هذا، حيث إن النسيان أوشك على التمكن منها، لكنها تشبثت بالذكرى أو التذكر كرديف للنسيان، ثم إن ظرف الزمان»قبل» يدل على أن النسيان سيحدث بعد هذا التذكر الذي افترضناه، أو على الأقل فإن النسيان كاد أن يحدث، لذلك فإن هذا التذكر والصحو والتنبه حدث قبل النسيان بقليل، لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه نسيان ماذا؟ هل هو نسيان الوجع؟ أم نسيان هذه القصائد التي يحويها الديوان؟ لعله نسيان مفتوح على كل شيء قابل للنسيان أم هو نسيان قصائد كتبت في فترات مختلفة وظلت حبيسة الرفوف لمدة طويلةكما صرحت بذلك الشاعرة في كلمتها الاستهلالية للديوان؟  لكن من يعرف أي نوع من النسيان هذا؟.

لعل ورود كلمة «النسيان» معرفة هو الذي ينبئنا بأن هذا النسيان هو نسيان أمر محدد معين كاد أن يأتي عليه النسيان بقليل لكنه لم يحدث وربما لن يحدث أبدا

دلالة  واجهة المؤلف السميائية

يظهر لنا في وسط الغلاف  لوحة للفنان محسن وداد وهي عبارة عن ساعة دائرية قديمة بأرقام لاتينية، تتوسطها فتاة شابة تحمل كتابا ومن وراءها تظهر بعض الكتب في رفوف المكتبة، على جسد الفتاة تطفو حروف متناثرة من الكتاب الذي تحمله في يدها وهذه الحروف هي كالتالي: حرف الهاء، الميم، الياء، الحاء، الواو، والجيم، والسين، والباء، ويبدو أن هذه الحروف القليلة التي تخرج من الكتاب التي تحمل الفتاة بثقة وراحة كبيرين تنم ربما على أن الشاعرة واثقة في حروفها وكلماتها، بينما هي تمسك الكتاب مغمضة العينين كدليل على كونها ربما تتذكر شيئا ما قبل نسيانه، لأن الساعة التي حشرت داخلها الفتاة تدلنا على أن هذا التذكر حوطه الزمان وكذلك المكان الذي تجسده المكتبة خلفها، ولعل ثقة الفتاة وهي تمسك الكتاب دليل أيضا على أن الخوف من النسيان أو محاولة التذكر أثمرا ولادة كتاب أو ديوان، في حين توحي الصورة التي رسمت بألوان زيتية باهتة نوعا ما ومختلطة ومتنوعة بألوانها البنفسجية والسوداء والخضراء والبيضاء والبرتقالية والصفراء الفاتح لونها بأن مشاعر الفتاة ملونة ومتداخلة تشكل  كلا واحدا وعالما واحدا، والملاحظ أيضا أن الشاعرة فضلت كتابة جنس المؤلف في الأعلى وكتابة العنوان تحته مباشرة وهو دليل أيضا على أن الشاعرة تهتم بهذا الجنس الأدبي «الشعر» وربما نفضله على غيره، ثم أعطت العنوان مكانة ثانية بحيث جعلته أسفله فوق لوحة الديوان بغية جعل رابط مرئي بين دلالة الغلاف والعنوان  ثم اختارت كتابة اسمها في أسفل الغلاف ذلك أنها لا تريد البروز ولا الشهرة بقدر ما تركز على متن الديوان ثم نجد أيضا تحت اسمها الحقيقي عام الطبع والنشر «2022» توثيقا لزمن صدور هذا المولود البكر، إذن هو غلاف يتماشى وتقنيات النشر الحديثة لتحديد الدلالات السميائية للمؤلفات عامة وحفز روح التأويل عند القارئ والمتلقي.

خلفية الغلاف:

في الواجهة الخلفية للغلاف نجد هيمنة للون الأصفر الفاتح بالإضافة إلى وجود غيوم أو موجة أو سحابة مختلطة وممتزجة من الألوان في الجانب الأيسر من الغلاف، يغلب على هذه السحابة اللون البنفسجي الفاتح والمغلق، وقد يدل اللون الأول المهيمن على أن الديوان يحفل بالوجع وبالقصائد التي تعيد الاعتبار إلى المهمشين المنتمين إلى دوائر النسيان والتخلف والذين سقطوا من المجتمع كأوراق الخريف، بينما تدل تلك الموجة أو السحابة من الألوان التي تشكلت أساسا من اللون البنفسجي عن الأمل عن السباحة في عوالم الجمال والسمو الروحيين بكل ما هو في خدمة الإنسانية ورقيها. وفي خضم هاته الألوان نجد اقتباسا شعريا على الغلاف تعبر فيه الشاعرة عن كونها مقبلة لا مدبرة  أمام العواصف الغاضبة لذلك تشاغب اللغة وتبحث عن المفردات الجديدة التي تملأ ما بين المعنى وصوته، ثم نجد توقيعا لاسمها في أسفل القصيدة، أما في أسفل الغلاف في الجانب الأيمن نجد دار النشر» مكتبة سلمى الثقافية» بينما في الجانب المقابل أسفل الغلاف نجد ثمن المؤلف.

ب-تحليل بعض القصائد

أولا: قصيدة مجاز

في فاتحة الديوان تطالعنا أول قصيدة للشاعرة فاطمة فركال، موسومة ب: مجاز، تقول:

حياةٌ واحدةٌ لا تكفي /وهذا الجسد/ذو الحضور الجامد/ يسحبني/ ويقصيني/أريد أن أهجر ذاتي بعيداً/وأسافر بلا وزن/خفيفةً/صوب الأشياء كلِّها/والأزمنة كلها/لأتوحد بكل الفصول/وأتمرأى في كل قصص الحب/أريد أن أرى عيوني/ في كل العيون/أن أتفرع كشعاع ضوء/في كل المسافاتِ/أفتقد كل ما ليس أنا/ وأشتاق كل ما ليس هنا/أراود القصيدة دوما/ لأني أحتاج المجاز/ كي أجتاز/ هذا الحد الفاصلَ/ بين ما تراه روحي وعيني/ هذا الوهم الساكنَ/ بين أطراف أناملي وبيني..‭{‬انتهت القصيدة‭}‬

إن الشاعرة تريد أن تنصهر في حيوات متجاورة متعددة، لأن حياة واحدة بالنسبة إليها لا تكفي، هي تريد هجران ذاتها بعيدا  كي تسافر خفيفة بلا وزن ربما لأنها ملت من جسدها ذي الحضور الجامد، تريد أن تتوحد في كل الفصول منتقلة بين فصل وفصل، لعلها تتمرأى في كل قصص الحب وترى نفسها في كل الأشياء، فالشاعرة في هذه القصيدة ترغب في شيء واحد هو أن يكون لها صدى في كل الأشياء في عيون الآخرين بل  حتى في كل المسافات كي تشتاق لنفسها مجددا وتعود لها الحيوية في قول القصيدة والتمسك بالمجاز رغبة في اجتياز كل الحدود والفواصل الوهمية التي تعيق تقدمها ومضيها قدما نحو العالم التي تحلم به وترجو أن تكونه كحياة أخرى لأن حياة واحدة لا تكفي.

ثانيا: قصيدة تراتيل منتصف الدهشة

تقول الشاعرة:

تلك حروفي/أهش بها على وجعي/ ولي فيها مآرب أخرى../°°°كأن أتوج نجمة تُحتضر/ملكةً/لليلة واحدة على عرش السماء/فتمشي بعد ذلك لاندحارها/ثملةً/بذكرى سطوعها الأخير/كأن أدلل أسراب الغيوم الواقفةَ/على حافة الشتاء/أستبقيها قريبة من دارنا/أراود كل ذكرياتها/حتى تنفجر بالبكاء/ فتروي أشجار حقلنا العطشى../°°°كأن أعلّق على حبل المفردات/قصصاً..تركب صهوة الخيال/ وأشعل من القصيدة سراجاً/ أطرّز على نورها الخافتِ/منديلا ألفه على رأسي../ليحميني من زوابع الكلمات/ التي تبعثر أفكاري../كأن أجلس في آخر الليل/على حافة سريري/أفتح صناديق كنزي/لأعد بطولاتي..وأمجادي /أستعيد الذكريات../وأحتضنها طويلا/ثم أنام مطمئنةً../من سيفكر أن يسرقها مني؟؟/ أن يسرق ثروة../من الخيبات.

في مطلع هاته القصيدة يصادفنا اقتباس من القرآن الكريم، بحيث اقتبست الشاعرة فركال فاطمة هذه الأسطر الشعرية من قوله تعالى في كتابه العزيز على لسان موسى في سورة طه، الآية 18(‭{‬..‭}‬هي عصاي أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى‭{‬..‭}‬)

ينم هذا الاقتباس عن قدرة الشاعرة في التوسل بالثوابت الدينية للمجتمع وبكل ما يساعدها على إيصال رسالتها، فإذا كان موسى عليه السلام لم يبح بمآربه الأخرى التي تحققها له عصاه، فإن الشاعرة أيضا لم تبح بمآربها الأخرى التي تحصلها انطلاقا من نثر حروفها على بساط اللغة، فربما تمكنها حروفها من دخول عالم المحال كما يدخله الشعراء، ربما قد تمكنها حروفها أيضا من السير خلف المجاز  كي تتوارى عن الحقيقة من يدري ربما لها في حروفها مآرب غير هذه..

تتوج الشاعرة بحرفها نجمة تُحتضر ملكةً، لتحتفظ النجمة بذكرى سطوعها الأخير  بعد اندحارها ثملة. بحروفها أيضا تبقي أسراب الغيوم قريبة من دارها فتراودها عن ذكرياتها ليسقي ماؤها أشجارها العطشى، تطرز الشاعرة المفردات بحروفها  وتركب صهوة الخيال وتنسج من حبل المفردات منديلا تلفه على رأسها وقاية لها من زوابع الكلمات والأفكار التي تتقاطر على مخيلتها المروضة والجامحة، بحروفها تنام مطمئنة لأنها لا تخشى أن تسرق منها ذكرياتها أو ثروتها الوحيدة، لكن ليست ثروة من مال أو ذهب بل من خيبات.

هكذا تهش الشاعرة في هذه القصيدة بعصا حروفها، تهش علينا بمجازها  فتدخلنا في عوالمها الخاصة، انطلاقا من لغتها الخاصة، ولعل عنوان القصيدة كان يشي بهذا التطواف الغريب منذ البداية، حيث إن العنوان بني أساسا على خرق لغوي لنفض غبار السائد، فحينما نقول تراتيل منتصف الدهشة فذائقتنا اللغوية تفترض حتما انطلاقا من اشتغال دلالي في الذهن أن الكلمة التي ستلي منتصف هي «الليل»، لكن الشاعرة بدل ذلك استعملت الدهشة كدليل على أنها ستغوص في عالم الخيال والدهشة لتحقيق مآربها التي تصبو إليها.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق