ثقافة وفن

تفجير الخيال في رواية «أومادير» للأديبة أمامة قزيز

الزهرة حمودان

يتخلق نص رواية « أومادير « للأديبة المغربية أمامة قزيز من العلاقة التفاعلية بين نسق عام  تنتظم فيه البنية الاجرائية، للكتابة من لغة ومتخيل ومعرفة، والخطاب الذاتي للكاتبة، وبين التصورات التي تُحمِّلها هذه الأخيرة لذاتٍ أنثوية تنشد التغيير في بيئة ملغمة بمتناقضات عقدية حضارية، وثقافة اجتماعية ينقصها حماس الفعل المحفز لأي طموح اجتماعي ممكن، من أجل محاربة الخرافة والشعودة.  يتصدر اسم « أومادير «، منفردا بعتبة العنوان، وعندما نتعرف على دلالته اللغوية عند الأمازيغ، كما أوردت الكاتبة ذلك، على لسان الجدة، فإن اسم «أومادير» مشتق من عفاريت الكهف الأسود الذي ولدتِ فيه…..»، وهو تعريف َيرِدُ بعد أشواط من القراءة في الرواية، وقد يكون ذلك متعمدا من المؤلفة لندرك من الأحداث مدى علاقة « عفاريت الكهف الأسود» ودلالته الإيحائية، ببؤرة الخرافة والشعودة التي ترعرعت أومادير في حضنها؛ حضن العرافة التي تبنتها.

من المتعارف عليه، أن الاسم دلالة محبة الوالدين لميلاد مولودهما؛ غيرهذا ما لم يتم مع اومادير، لأن والديها، فقدا حياتيهما ثمنا لعلاقتهما الآثمة حسب معتقد القبيلة، وكانت أومادير هي ثمرة هذه العلاقة.

تؤكد الكاتبة هذا المنحى في قراءة دلالة اسم « أمادير»، وتناسقه مع ظروف تنشئتها، من خلال عدة نصوص وفقرات الحكي، نأخذ منهم، التالي :» لا شيء يعيـق انهمارهـا عـلى رجلهـا المفتـون، شـلالا مـن الرغبـة والإرادة في إثبــات الجوهــر الململمــة شــظاياه مــن تحــت أنقــاض الفقــر والتخلف وعشوائية عيــش فرض عليهاــ منذ ولادتها»، ومن خلال سمة « الإرادة في إثبات الجوهر» ‭{‬ جوهر أمادير‭}‬، هيأت لها رؤية نسقية استهلتها بإسناد صفة « صيادة العصافير»، لأنها فعل يتطلب الكثير من الدهاء لنصب الشراك والكمائن، فليس من السهل الإمساك بالعصافير، من دون هاتين الخصلتين.

وصفة صيادة العصافير التي خصت بها المؤلفة لشخصيتها البطلة؛ هي من كشفت ملكة الدهاء لديها، إذ كان سلاحها في اكتساب انتصاراتها، والذي وقاها السقوط في الأخطار التي واجهتها على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الجماعي مع قبيلتها.

تحقق أمامة قزيز، ما يمكن أن نسميه ب « الاستفزاز التفاعلي « لدى القارئ من خلال استحضار متخيل يحضر في زمن تاريخي حقيقي قديم، وبناء لغوي له أدواته الخاصة، التي تخدم الصيغ والتعابير؛ لتقديم قضايا النصوص، وخطاب الروائية. إذ يحكم الرواية  تناص تاريخي على مستويات عدة منها :

• الرموز والاشارات التي تحملها شخوص الرواية وأحداثها وسرودها، وهي الحاملة لأنساقها الثقافية  كما سنرى، يجلي قضية التناص التاريخي، بعض الإسقاطات التي تنفلت من الذات الكاتبة المتخفية وراء الساردة من الخلف، خصوصا على مستوى اللغوي الذي تنبني عليه فقرات تأتي في النص الروائي، على لسان ذات الساردة؛ إما على شكل حُكْمٍ، أو تبئير تأملي، أو عبارات مصاغة على شكل حِكَمٍ،  وفي هذا السياق نجد الساردة في تبئيراتها المنفعلة تأمليا في موقفين اختلفت حيثياتها، وتوحد حضور الحكمة في كلتيهما:

•«وفي الترتيب حكمة لا يعلمها إلا أورليوس»، وهذا الأخير هو الشخصية الرئيسة في الرواية، والعدو الذي أصبح حبيبا للبطلة أومادير.

•« كم هي رخيصة أرواح الجاهلين الغافلين عن كنه الحقائق.»

•« ولم لا، إن كنا في النهاية كومة عظم ولحم، تستمد طاقتها من قيمة المشاعر التي تضخها وتتلقاها»

أو عبارات تنبئ عن عصر ذات الكاتبة، ونسيج نسقها الثقافي، إذ تدرج مفردات هي في حد ذاتها مفاهيم لعصرنا الحالي، مثل : التعايش والتطبيع – المقاومة – المأزق الطبقي – معاهـدة السـلام ـ التطهير. وهي بهذا توظف تناصا لغويا مجترحا من معجم لغوي معاصر، لتجلي علاقة نص روايتها بالمؤثرات الاجتماعية والسياسية الأبرز في حياة الشعب الأمازيغي ، وعلاقته أيضا بالسلطة والقوّة، التي تمثلها الامبراطورية الرومانية في الزمن الذي تجري فيها أحداث الرواية، وتحيا فيه شخوصها، لتصل بالقارئ – في النهاية – إلى التقاط الإشارات التي من خلال تفاعله معها، تحضر لديه المقارنة بين المتخيل في الرواية، والواقع الذي يعيشه،  على مستوى صراع  الحضارات، والأفكار الدينية والسياسية التي تثيرها  السلط والأفكار المهيمنة في عصره، وتعتبر هذه هي القضية، المقصدية الأساس في تحول الكتابة الروائية اليوم نحو « الرواية التاريخية «.

يتنوع التناص في الرواية، في تساوقه مع موضوعاتها، مناسبا لدلالة سياق النص القرآني الذي تم توظيفه. مما ورد بهذا المعنى، نقرا هذا النص من الرواية:» رأيــت نحوتــا أخــرى لســاحات المعــارك والخيــول العاديــات في الأروقــة والباحــات « ، كما يتكرر التناص القرآني في جملة « بانت الأسماك شرَّعا»

كما تبدو من خلال هذه النصوص خصوصية دقة الوصف؛ الوصف الذي لا يعطل السرد، بقدر ما يسرع من سيولة أحداثه،  إذ تقول الساردة «بينمــا أمســك أوريليــوس يدهـا، ورمـش في شيء مـن الارتبـاك، وهـو يشـجعها عـلى الصبـر والجلــد»…

كما تقدم امامة قزيز تقدم خطابها حول الحب والسياسة والبناء الحضاري للأمم، والهويةـ من خلال سياق رواية مؤطرة بخيال يسبح في نسق تاريخي، يمكن ان نفكك عناصره كالتالي:

يقوم النسق التاريخي في الرواية على متخيل، تقوده معرفة بخصوصيات فترة زمنية قديمة، تزامن فيها وجود شعبين هما الرومان والأمازيغ، إذ تجري الأحداث المتخيلة في فضاء زمني/تاريخي؛ له خصوصياته الإنسانية، والجغرافية، حيث التزمت الكاتبة بشروط الخوض فيه، من خلال ما منحته من جهد في البحث والقراءة، ومن أستحضار لروح عصره، الحاضنة لمتخيلها السردي. وبهذا الصدد نقرأ في هذا النص المأخوذ من الرواية، والذي بثت فيه الكاتبة دفقة حياة مستلهمة من الزمن التاريخي للرواية، من خلال بلاغة تشبيه؛ يتناسب فيها المقال بمقام التواجد الحي في مجرى أحداث الرواية، الذي أتى  كما يلي :» حاذرتْ في تسلق الجدار، متشبثة ببعض الأحجار الناتئة .. بلغت النافذة الوحيدة  والواحدة في الزنزانة، والتي تطل على الفضاء الخارجي. كان قياسها لا يفوق فم قدر فخاري يستعمل في تخزين التين..»،

    توظف المؤلفة في هذا النص وحدة قياس ابتدعها متخيلها، من أجل أن تعطي الوجود الحي لبطلتها، في عصر شهد فيه التاريخ علاقة شد وجذب بين الرومان والشعب الموري/الأمازيغي ، وذلك من خلال وحدة  صناعة الفخار، لدورها في المعاش اليومي لكلا الشعبين.

كما يتكون النسق التاريخي في الرواية من أنساق معرفية صغرى منها:

النسق  الحضاري كمحور، من خلاله تتبلور المقارنة بين شعبين:

  الأمازيغي الذي تغلب عليه البداوة؛ وهي تعتمد نمط عيش يقوم على الرعي، وصناعة الفخار، وعلى منتوج هذين العنصرين، يقوم اقتصاد شعبهم، وطقوسهم الاجتماعية والعقدية. وإليه تنتسب البطلة.

• الامبراطورية الرومانية بمدنيتها، وجبروتها العسكري، وما يتبع ذلك من المعمار، واللباس، والاقتصاد، وكذا تدبير أمور الحكم، وفن العيش.

نأخذ هذه الفقرة من الرواية، وردت في هذا السياق : « شــعرت أنهــا أمــام حضــارة تســتحق الوقــوف احترامــا لأساســيات بنائهــا، وعماراتهـا الفنيـة، عقـول تنظـم وتحْبـك، تؤمـن بالعمـل وتمجـد الفـن، أمـا الآلهة فـلا يتعـدى دورها حـدود المبـاركات والتسـليم».

وفي سياق هذا النسق المقارن، تتمدد العناصرالمعرفية الناظمة للنسق الحضاري، لشعبين عاشا في تاريخ قديم واحد، غير متكافئين في التمدن وأساسيات بناء الاقتصاد القوي، وكذلك البناء العسكري. وهو نسق يحضره فعل المقارنة بين الشعبين، التي تفرضها الكاتبة على المتلقي، لتبرز قوة الصمود لدى بطلة روايتها الامازيغية.    تقدم الكاتبة « أومادير»؛ كشخصية رئيسة للرواية، تمتلك وعيا يؤهلها للتأمل في الفروقات الحضارية بين شعبها والدولة المستعمِرة؛ روما، وتسأل، والسؤال كما يقال، يولد المعرفة، لهذا فإنها ستجد الجواب في تداعيات ثقافة الخرافة بين أهلها، وتغييب العقل والمنطق. لتخطو نحو نقطة أخرى في الفهم، وهي رفض حضارة روما مادات تأتي شعبها غازية.

وهو نسق في الكتابة لدى المؤلفة تفجر من خلاله الخيال المعقلن – إن صح التعبير – انطلاقا  من بؤرة توتر؛ تجمعها أحداث محفوفة بخطر موت البطلة الثلاثي الأضلاع:

  الموت كقربان يقدم للإله غوزريل في طقوس دموية

  الموت انتحارا بعد فرارها

• الموت بعد عودتها لاخبار قبيلتها بنية جيش عدوها/الرومان بغزوها

إلى أن تعود أومادير إلى رشدها، وهي تستعيد مراحل هروبها إلى الأمام في مواجهة الموت، تشير إليها الساردة في هذا السياق : « غابت أشباح الوهم..بل كانت أحلام يقظة لم تحسن استغلالها.»

ومن موقع حضور الذات الكاتبة، من خلال  تقنية الحكمة المجلية لموقفها من قضايا معينة طرحتها الرواية، تفاجئ القارئ، مستقلة عن الساردة، حيث وحده السياق من يكشف علاقتها بالساردة؛ نقرأ هذا النص : «إملاءات الضمير الإنساني يستحضر مطارقه القضائية، على النفس المثقلة بأوزار عشق يمنعه الناموس العرقي الذي لقنته لها تماريس منذ نعومة أظافرها.»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق