بدوياتثقافة وفن

الموسيقار نعمان الحلو.. قدّم لوحة فنيّةً مغربيّة خالدة

بحرٌ حلوٌ يفيضُ بحلاوةِ الطربِ وحفظِ التراث

د. محمد بدوي مصطفى

يا لها من ليلة ليلاء بعبقِ النسيم ويا له من عرسٍ جميلٍ برونقٍ فخيم، كان فيه الحلو حلوًا والكلم فنًّا والجمال عقدًا فريدًا رصّعه بأنغامه النادرة، ودوزنه بمقاماته الخالدة، فالعود يحكي والقانون يُزكي والناي يبكي، كلها تَسرُدُ في كل لمحة ونفس وتحكي ، بوتقة من الموسيقيين في جوق آسر فيه من الندرة والتميز ما فيه، فكل عضوٍ فيه نجم ثاقب، طارق كما الطوارق، وكل نغم فيه عَبرة وكل إيقاع فيه نبرة وكلُ بيتِ شعرٍ عِبرَة، غدونا يا سادتي مع ركب الحلو ، وأنخنا العيس وركبناها بعد ذلك على أعطاف رحلة مدهشة تُهنا وجُبنا فيها معه بسفنية الصحراء، في حقبٍ آنية وغبراء، تتنقل هذه الأخيرة بين صحائف التاريخ وبين الثريَا والمريخ لتقول بصوت الصقليّ الجهور المبين: “بلادي يا زينة البلدان”، نعم زينة البلدان بثقافتها وإرثها المصون، بلادي مغرب الحقيقة الدفينة، فهل من مدكر! نعم سرينا بليل، متنقلين معه راغبين ومُلهَمين بكل كلمة، نغمة ودقة ريشة من عوده الرنّان، زائرين المدن الزاهرة، عابرينها من مسقط إلى آخر، فسلام على طنجة ووئام على تطوان، بهاء بمراكش وزهوٌ بإفران، مقاس الدنيا بفاس، بلد العلم والأقداس، تحية لوجدة فنار الدين فيها نجدة ، ومنها لمكادور وما لها من دور في تاريخ بعبق العرعار والصَدَفِ والفخار وعلى أجنحة طيرُ “العَوَّة” الطيَّار، ومن ثمّة لأكادير بلاد تزلزل الأقدار و المقادير، مدينة التكبير والتقدير، ولم ينس في سخاء مدينة غزة، بلاد العزّة، تغنى “أنا اللي مات وأنا اللي عزّى … الله حقّ، الله عدل، واللي معاه ربي، ديما منصور، أنا غزة، رمز العزّة”،  لحنًا وبكاها نغمًا، وأحسّها ألمًا وأنّات بدمعٍ ورنَات، أبكانا لبرهات معه ولها، لك الله يا غزة. رجعنا أدراجنا إلى حكايات وطرف ومآسي المدينة القديمة لنستحضر معه ذاك التاريخ التَلِيد، مغنين معه:

واش عقلتي على داك الدار دلمدينة لقديما –  والدنيا و اشحال كان عليها د القيمة

والنخوة د ناس زمان والحوما والجيران – كانت الحياة بسيطة وكانت الفرحة ديما

هاديك الصورة مازالا فعيني غير البارح – ذكريات كيف كانت لمدينة وكيف ولات

والرحبة دالسقاية عقلتي عليها ؟ اللي كانت فجنب الواد

كثرو لمعامل فيها وتبدل لون الواد – وقالوا والله و أعلم …

بسبابو مرضو لولاد وبسبابوا خوات الرحبة  والحومة وماليها

ولمسيد اللي مورالدرب اللي ضيق وصغير – ومنو يمكن لك تخرج للجامع الكبير

ولفقيه مول لبشارا الله يواليه الخير – هاداك لمسيد آ سيدي زال وبناوا فمكانو عمارة

وكلشي با لأجل – ويلا جيتي تشوف راه بحال بحال لمسيد والعمارة

المهم مازال الدرب وما زال الجامع لكبير

 هذه العبر هي حقيقة في كل البلدان العربية، كيف تبدلت الأوطان وتغيرت معالم المدن، المدينة تلو الأخرى، تغيرنا نحن وأهلنا، أولادنا وأحفادنا، ابتعد الناس وتفرقوا في بلاد الله الواسعة، وعندما يرجعون إليها بعد زمان، يجدونها غربية عليهم وهي تصبح غريبة على نفسها. وسرد في طيات هذه الأغنية حكاية درب القنديل، الذي بيعت كل بيوته إلا دار واحدة، هي دار العربي، الذي صمد بين من أتوا من خلف البحار وغيروا معالم الدرب، وتغير الاسم إلى اسم سان جيرمان. فأي عبرة في ذلك، فلنرجع البصر هل نرى من فطور ولنرجع البصر كرتين فيما يأتي من كلمات خلدت نفسها بنفسها، فلننصت:

هاديك الدار لكبيرة فراس الحوما – دابا يلا سولني ولدي آش غا نكول ليه

نكول ليه باللي نسينا شكون احنا وماضينا وحضارتنا أو نكدب عليه

غادي نكول ليه ونعاود ونعترف ونرتاح ونسلم ليه المفتاح والله عليا شاهد

احنا جيل اليوم غريب غريب غريب – غمضنا عينينا وظلمنا لمدينا وخنا لحبيب

بنينا فيها عمارات كلها فالليل اتبنات وبسرعة اقدامت ورشات حيت فالأصل مغشوشة

غادي نكول ليه أنا عندي فيك أمل انت وجيل الأمل

باش الما يرجع للونو – ولفقيه مول لبشارة

يرجع للمسيد يصونو – ويرجع بلارج للواد الهايج

وترجع لياقوت – وشامة وحليمة

واش عقلتي على داك الدار دلمدينة لقديما

هكذا بكت بيوت مراكش الحمراء في المدينة القديمة، مدينة الكُتُبية العفراء بكت، كما بكينا في تلك السهرة الآسرة على أطلال ديور تحولت فيها الأسماء، والألقاب في ساحة الفناء وما حولها.

 ورغم ذلك مُرحبًا بمن جاؤوا من خلف البحار ومقدرًا لمن صمدوا في عقر الديار، في ملكوتهم صامدين، حالمين، في رياض لم يخرجوا منها رغم إرهاصات الزمن وأغواء المِحن. تغنى بصمود الأوفياء حتى عندما تغيرت الأسماء من درب قنديل إلى شارع  سان جيرمان.

 في ليلة الاحتفاء سرد فيها حلو الكلام، وأشعر فيها بإلهام وانغم متغنيًا بمفاتن هذا البلد الأمين، فحفظ الله المغرب وجعله بلدًا آمنا وأدام لنا أولئك الذين يعملون في السرّ والعلانية واضعين تراثهم وبلادهم في حدقات أعينهم ذاكرين جمال وكماله برسائلهم التي تعبر البحار لتصل إلى مصر، بلجيكا وحتى بلاد العم سام. هكذا الحلو المفعم بحب بلده والشغوف بكل ما يلهم وجدانه من إبداع والحارث الظافر بالعلوم الأكاديمية التي بسطها لتوثق لهذا الموروث الخالد.

ثم ماذا، عساني أن أقول يا سادتي في حق هذا الرجل، تعجز الكلمات وتغبر فليت النجوم تدنو لي فأنظمها عقود مدح، ولا أرضى له كلمِ.

أجاد الفنان والموسيقي نعمان لحلو، بليلة السابع من يوليو وقدم حفلا فنيا مميزا تحت عنوان الأصالة والرقي بحلة في أبهى تجلياته، وشكرًا له وشكرا للجنة المهرجان لأنهما عبدا الطريق لتوثيق تراث هام، ولتسليط الضوء على قضايا مهمة تنصب في سياق الحفاظ على الموروث الثقافي والتفاني من أجل تخليده وصونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق