
الفنانة المغربية يسرا طارق
زهرة ترفل بين شموليّة الفنون وسحر الأدب
يسرا وثالوث الابداع الخطير: الصحافة، السينما والرواية
د. إبراهيم الشعبي
حدثونا عن أن كل عسر، ضيق أو كرب، يتبعه بالضرورة يسر أو يسران، لذلك قال عز جلاله: ” إن مع العسر، يسرا “. من كان يعتقد أن ابنة إحدى البلدات المترامية بين أحضان جبال الريف الشامخة، إحدى البلدات الجميلة والمدللة بإقليم الناظور (شمال شرق المغرب)، والتي تسمى ” أزغنغن ” التي توجد بها حديقة تشبه حدائق الأندلس. بلدة اشتهرت بجهادها ضد المستعمر الإسباني، والتي قاد ابنها المجاهد محمد أمزيان بازيد من 100 معركة ضده. بلدة ذكرها الرحالة المغربي والعالمي ابن بطوطة في رحلاته حيث قضى بها ليلة عند قدومه من تلمسان بالجزائر الحالية. من كان يعتقد أن هذه الريفية الجميلة ستتسلح بصبر وجهاد وكفاح وعناد أهل بلدتها أن تتخطى المصاعب والمخاطر والأعراف المجتمعية ما ظهر منها وما بطن، لتفتح بابا، بل لتقتحم أبواب أمل وحلم في مستقبل قريب. حكاية يسرا تشبه إلى حد كبير، حكاية الفينق، ذلك الطائر الأسطوري الذي ينبعث من رماده، أو تلك الحكاية السيزيفية، حسب الميثولوجيا الإغريقية، لذلك الذي حاول أن يحمل الصخرة إلى الأعلى مهما كلفه ذلك من وقت وصبر وجهد وعناد. يسرا يسر الله لها سبل النجاح والفلاح. يسر لها مسارا بين اليسر والعسر، أي مسار في منزلة بين المنزلتين. مسار انطلقت فيه من لا شيء، او من شبه لا شيء، إلى أشياء كثيرة، أو على الأقل إلى أشياء ثلاثة: الصحافة والسينما والادب. بداية المغامرة بدأت من مسقط رأسها مدينة “ازغنغن”، حيث رأت النور بين أحضان مجتمع جد محافظ، لا حظ فيه للمرأة والزوجة والابنة والأخت، أعراف وتقاليد تسيج حركات المرأة وسكناتها. ورغم ذلك، وبما أن يسرا ليست ككل الفتيات، ولبست كبعض النساء اللواتي يقبلن على الحجر العائلي والمجتمعي، فقد تحدت التقاليد البالية والأفكار الذكورية بمساعدة أمها وبتزكية ” مترددة” من ابيها، استطاعت أن تجمع بين الدراسة والفن والثقافة. وهكذا كانت الانطلاقة من دار الشباب ازغنغن (عندما كان لدور الشباب شان عظيم في التأطير والتكوين والتربية)، حيث بدأت الطفلة يسرا تكتشف أبجديات التمثيل ومقدمات التنشيط والبدايات الأولى للدفاع عن الثقافة الأم (الثقافة الامازيغية وخاصة الشق الريفي منها) والاهتمام بقضايا الوطن والمواطن، سواء في أعالي أو سفوح الجبال.
بداية الحلم / الحقيقة:
وهكذا كبرت يسرا وكبرت أحلامها وتنوعت اهتماماتها. ككل الأحلام تبدأ صغيرة. تبدأ بقراءة رواية أو تشخيص دور في مسرحية مدرسية أو تقمص دور منشط إذاعي أو تلفزي أمام الصديقات والأصدقاء بميكرفون من خشب.
في الصحافة والإعلام:
شغفها الكبير بعالم الإعلام والاتصال، جعلها بل دفعها للبحث عن الجينة الصحفية فيها. وهكذا وبعد حصولها على شهادة البكالوريا، التحقت يسرا طارق بجامعة محمد الأول بمدينة وجدة (شرق المغرب)، لتتابع بعد ذلك دراستها بالمعهد العالي التقني (تخصص سمعي- بصري) بالعاصمة الرباط، لتنتقل بعد ذلك إلى المدرسة العليا للصحافة والاعلام بالعاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية: الدار البيضاء. مسار أكاديمي قوي اهلها لتجد موطأ قدم في عالم طالما أثارها وجذبها إليه. ” تكويني الأكاديمي؛ تقول يسرا طارق، في مجال الصحافة والاعلام، زرع بداخلي حب المعرفة والفضول في للبحث عن المعلومة وتقصى المجالات التاريخية والسوسيولوجية والرواية والادب”. لقد درست، تضيف يسرا، على يد أساتذة كبار في مجال الإعلام والاتصال بالمغرب، ورغم أنى اكتب أحيانا في مجال الشعر والرواية، إلا أن المجال الذي يخترق قلبي هو الصحافة والإعلام والسينما…”. برزت يسرا كوجه إعلامي متميز عند المشاهدين المغاربة، وخاصة الأمازيغيين، من خلال شاشة القناة الثامنة ” تمازيغت”، التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، والتي يديرها باحترافية ومهنية قل نظيرها، الإعلامي والخبير في مجال السمعي البصري الأستاذ محمد مماد. و بما أن يسرا كانت موفقة في التنشيط والحكي والكلام، فقد استهلت مسارها الإعلامي السمعي بصري، بتنشيط برنامج ” نتات” ( بتشديد التاء الأولى)وتعني باللغة العربية ( هي) عملها بهذا البرنامج الذي كان ناجحا، والذي كان يركز على استطلاعات وحوارات صحفية للعمل خارج مقر القناة التلفزية، وهكذا جابت يسرا المنشطة الإعلامية العديد من المناطق، منذ حوالي عشر سنوات أو يزيد قليلا، لكي تقنع المرأة الأمازيغية وخاصة الريفية بالحديث والكلام ومواجهة الواقع العنيد أمام للكاميرا وتحدي بعض الطابوهات المجتمعية والرقابة الذكورية. بعد نجاحها في تنشيط البرامج التلفزية باللغة الامازيغية، بجدية ومهنية يشهد بها كل متتبع ومشاهد لمنتوجها الإعلامي؛ انتقلت يسرا طارق لتلقي مع جمهورها العريض من خلال تقديم نشرات الأخبار بذات القناة، القناة الثامنة الأمازيغية.
يسرا والفن السابع:
إلى جانب الحب الابدي المتمثل في الصحافة والاعلام، الذي يخترق قلبها كما تقول، عشق آخر لا يقل أبدية عن الحب الأول، وهو الفن السابع (نتمنى ألا ينزعج زوجها المخرج السينمائي محمد اليونسي). إن اهتمامها بكل ما هو سمعي بصري، جعلها تنتقل من الشاشة الصغرى إلى الشاشة الكبرى بسلاسة كبيرة وممتعة. إن الفن السابع الذي طالما راودها منذ أن كانت طفلة تتردد على دار الشباب في بلدتها الصغيرة، جعلها تحقق فيه نجاحا كبيرا قد يزعج عشقها للصحافة والإعلام. شاركت يسرا طارق في أشرطة سينمائية متعددة ومع مخرجين مغاربة وأجانب؛ لكن تجربتها السينمائية مع زوجها المخرج المبدع محمد اليونسي كان له طعم مختلف؛ لأنها كما تقول سارة اشتغلت مع المخرج والزوج والصديق.
لنقرأ ما كتبت عنها الزميلة ” أنفاس بريس” في هذا الصدد:
” شكلت “يسرا طارق” ثنائيا سينمائيا مع زوجها المخرج “محمد اليونسي”، في أفلام سينمائية ناجحة من بينها : “الوشاح الأحمر” الذي شارك في بطولته المرحوم “محمد البسطاوي” وفيلم سينمائي آخر “دقات القدر” صدر في متم سنة 2018 ومن أبطاله الفنانين محمد الشوبي وعبد الله شاكيري، وقامت فيه “يسرا” بدور مؤثر في أحداث القصة، التي تتعرض للفترة التاريخية التي قصفت فيها جنود الاحتلال الإسباني الريف بالقنابل الكيماوية، وكانت قد أقدمت على حلق شعر رأسها كاملا، لتنسجم بصدق مع هذا الدور، (ضحية لمخلفات القصف الكيماوي)، لكن عاشت مضايقات الناس في الشارع العام، بسبب هذا الأمر، فقد نـُعتت “يسرا” بنعوت قاسية وصُنفت في خانة المتمردات على الأعراف والتقاليد المحلية، وليس ذلك بالأمر الغريب على مجتمع لا يفرق معظمه بين الشخصية الطبيعية والوظيفية، إذ سقطت “يسرا” ضحية لخاصية “التناص” بشكل سلبي، وهي على يقين أن هذه الظاهرة الاجتماعية النفسية رغم كونها حكما جائرا، قد تصدر من أشخاص بعينهم بشكل عفوي، وتتطلب حينا من الدهر، لتفكيكها وإعادة تركيبها بشكل سوي في الذاكرة الجماعية لأي مجتمع. وقد سبق اشتغالها في السينما مع زوجها، مشاركتها في أول فيلم سينمائي ناطق باللغة الريفية، يحصل على دعم المركز السينمائي المغربي، وهو فيلم تاريخي عنوانه “ميغيس” للمخرج “جمال بلمجدوب”، كما شاركت في فيلم سينمائي آخر عنوانه “وداعا كارمن” للمخرج “محمد أمين بنعمراوي”.”
يسرا والرواية:
على هامش الصحافة والسينما، تخصص المبدعة والفنانة يسرا طارق وقتا ثالثا لباب ثالث ظل موصدا لمدة زمنية ليست بالقصيرة. باب الكتابة في الأدب، فكتبت في الشعر والقصة القصيرة بل تجرأت على جنس أدبي نبيل وهو الرواية. وهكذا أصدرت أول رواية لها في السنة الجارية 2020, تحت عنوان ” الواهمة” التي حظيت بتغطية إعلامية كبيرة جدا بل استطاعت يسرا أن تنظم لها حفل توقيع في المعرض الدولي للكتاب والنشر في فبراير الماضي بالدار البيضاء. الزميلة مجلة سيدتي التقتها هناك وكتبت ما يلي: ” …تدور أحداث الرواية حول شخصيتين هما “حياة” وشخصية “سوار”، من أب ريفي مغربي محافظ في مرحلة الثمانينيات إبان انتفاضة يناير 1984 بمدينة الناظور (شمال المغرب). هذا الأب القاسي يرفض أن تواصل ابنته الدراسة، كما يحبس زوجته لاحقاً ويعاقب الكل، والنساء على وجه الخصوص عندما يختفي ابنه صالح بسبب نشاطه السياسي على خلفية الأحداث الاجتماعية التي شهدتها مدينة “الناظور” خلال شهر يناير من سنة 1984 ،حيث ستجد “سوار” نفسها في المقابل سجينة سلطة العقلية الذكورية في مجتمع يتحكم فيه الذكور، وهذا ما يمهد للانعطافة الثورية التي ستحصل للبطلة، عندما تفكر في الهروب من الأب بكل ما يمثله من قمع وخوف و رعب باتجاه الحب ، آملة أن يتمكن الحب وحده من إنقاذ روحها ، لتشق طريقها نحو حلمها في البحث عن السعادة، هذا الحلم الذي سرعان ما سيتحول كما تصفه الرواية نفسها إلى وهم.”.




