ثقافة وفن

أودري أزولاي تحتفل بإحياء “روح الموصل” مع اقتراب اليونسكو من إنهاء أعمال إعادة الإعمار

 

الموصل، الخميس 6 شباط/فبراير 2025 – زارت أودري أزولاي الموصل يوم الأربعاء للإعراب عن شكرها لسائر العمال والمهندسين المعماريين والمهندسين الذين نفذوا أعمال اليونسكو في مواقع المدينة القديمة على أكمل وجه لإعادة إعمارها. شهدت هذه المدينة التي دمرها تنظيم داعش ولادةً جديدةً بعد 7 أعوام من الجهود المشتركة بين الموصليين وتضامن المجتمع الدولي، لتعود وتشعل شعلة الإلهام مرة أخرى.

استهلَّت أودري أزولاي، في شهر شباط/فبراير 2018، أي بعد أقل من عام على تحرير المدينة، مبادرة “إحياء روح الموصل”. وعرضت اليونسكو، لأول مرة في تاريخها، ألا تقتصر مساهمتها على تنسيق عملية إعادة إعمار مواقع التراث التي دمرتها الحرب، بل وأن تمتد لتشمل الإشراف المباشر عليها. هذا التدخل استثنائي في صعوبة تنفيذه: فقد كانت المدينة القديمة مدمرة بنسبة 80%، وخاوية على عروشها بعدما فرّ أهلها من المعارك، ومفخخة بالقنابل غير المنفجرة.

وأثنت المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، على الجهود المبذولة قائلة: “بعد مضي سبعة أعوام، وبعد تعبئة أكثر من 115 مليون دولار أمريكي، وإزالة الأنقاض والألغام من المواقع، والانخراط في مشاورات واسعة النطاق مع السكان، وتدريب أكثر من 2800 عراقي في مجالات الترميم والتراث، إن اليونسكو على بُعد خطوات من إنهاء مشروعها، لتستعيد الموصل عناصر أساسية من هويتها. يُسجَّلُ هذا الانتصار للجميع، وهو يبرهن مدى فاعلية العمل المتعدد الأطراف، وإلى أي مدى يمكن ترجمته إلى أفعال ملموسة تؤتي ثمارها.”

تحالف التراث والثقافة والتعليم

عادت العائلات لتقطن في 124 بيتاً تاريخياً، وعادت منارة الحدباء الشهيرة لتعانق سماء الموصل، وعادت أجراس كنيسة الطاهرة للسريان الكاثوليك ودير سيدة الساعة لتُقرع من جديد. وتفصلنا أسابيع قليلة فقط عن تدشين جامع النوري الكبير، الذي دمره تنظيم داعش ورَفَعَ رايته السوداء فوقه، كي يستكمل مسيرته التاريخية.

وحققت مبادرة اليونسكو غايتها أيضاً من خلال تجديد 400 فصل دراسي في الموصل وضواحيها، ودعم مكتبة الجامعة، وتدريب أكثر من 5000 معلم ومرب على برامج التعليم من أجل السلام، فضلاً عن تنفيذ العديد من المشاريع الثقافية مثل إعادة إحياء المهرجانات والمراكز الفنية.

تمثلت الغاية المرجوة من زيارة المديرة العامة لليونسكو في الإعراب عن شكرها لجميع العمال والحرفيين والمهندسين المعماريين والمهندسين، رجالاً ونساء، لمساهمتهم في ترجمة هذه المبادرة إلى واقع ملموس، والشكر موصول أيضاً إلى العديد من الجهات الفاعلة في المجتمع الموصلي. وساهمت مبادرة اليونسكو في إيجاد ما مجموعه 7700 وظيفة، وهو ما ساعد في تسريع استئناف النشاط الاقتصادي.

مثال تحتذي به المنطقة والعالم

قالت المديرة العامة لليونسكو في أثناء تجولها في أزقة المدينة القديمة ولقائها بالسكان: “لقد بيَّن المجتمع المدني في الموصل التزامه بتجديد العلاقة مع تراثه وثقافته والمعرفة وبمكافحة النسيان، لكي ينهض من المأساة الكبيرة التي أصابته، وقد تسنى تحقيق ذلك بفضل التزام الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما من الشركاء بتحفيز من اليونسكو”.

وتخرج اليونسكو بدورها من هذه المبادرة أقوى من ذي قبل، فقد اكتسبت المنظمة خبرة جديدة في أوضاع ما بعد النزاع، وأصبحت قادرة على نقل هذه الخبرة إلى مناطق أخرى تشهد أزمات.

وقد ألهم عمل اليونسكو في الموصل عدة تدخلات قامت بها المنظمة في السنوات الأخيرة، كمبادرتها في لبنان التي أعادت تأهيل المدارس التي تضررت في بيروت من الانفجار المزدوج الذي حدث في المرفأ في 4 آب/أغسطس 2020، أو في أوكرانيا من أجل حماية التراث والمساعدة على استمرار التعليم في زمن الحرب.

وقالت المديرة العامة لليونسكو في الخطاب الذي ألقته أمام المنارة الحدباء: “ما أُنجز في الموصل هو مثال لما يمكن أن تقوم به اليونسكو وغيرها من الأطراف الفاعلة في المستقبل في المنطقة والعالم ككل”.

الموصل، مدينة متعددة الثقافات منذ القِدم

تعني لفظة الموصل “نقطة الربط والوصل”. وكانت هذه المدينة على مدار الألفين وخمسمائة عام الماضية نقطة التقاء الثقافات، وتميزت بتعايش مختلف الجماعات الدينية واللغوية، فكانت بوتقة تنصهر فيها الهوية المتعددة للعراق. ولطالما جسَّد تراث المدينة القديمة في الموصل قيم التعايش والانفتاح.

ويتميز هذا الإرث المتعدد الثقافات بوجود المئذنة الحدباء التي تشمخ عالياً في سماء المدينة منذ القرن الثاني عشر بارتفاع 45 متراً، ويرتفع على بعد عشرات الأمتار منها جرس دير سيدة الساعة وساعته التي أهدتها الإمبراطورة أوجيني إلى أهل الموصل في نهاية القرن التاسع عشر في إثر أول بعثة بابوية إلى بلاد الرافدين.

ولكن تنظيم داعش استحوذ على المدينة في حزيران/يونيو 2014 وجعلها عاصمته، وأعلن زعيمه أبو بكر البغدادي من منبر جامع النوري الكبير تأسيس الخلافة الإسلامية في العراق. وقد نُهبت آلاف الكتب والممتلكات القديمة أو مزِّقت ودُمِّرت، وأغلق تنظيم داعش المقاهي وطارد الفنانين. ووُضعت الأقليات الدينية أمام خيارين، إما إشهار إسلامها أو الموت. وأصبح دير سيدة الساعة مكاناً لتأهيل الجهاديين، وتحوَّل بيت الصلاة المجاور له إلى سجن ومكان للتعذيب.

وقرَّر تنظيم داعش إبَّان اندحاره في تموز/يوليو 2017 تفجير المنارة الحدباء وجامع النوري الكبير، ويعود الفضل إلى السلسلة البشرية التي شكَّلها السكان في حينها في تجنَّب التدمير الكلي لهذين الصرحين.

 

لمحة عن اليونسكو

تضم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة 194 دولة عضواً وتسهم في بناء السلام وإحلال الأمن عبر قيادتها للتعاون المتعدد الأطراف في مجالات التعليم والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات. تتخذ المنظمة من باريس مقراً لها، ولديها مكاتب موزعة على 54 بلداً، وتوظف أكثر من 2300 شخص. وتشرف اليونسكو على أكثر من 2000 موقع للتراث العالمي ومحمية للمحيط الحيوي وحديقة جيولوجية عالمية؛ وشبكة للمدن المبدعة ومدن التعلم والمدن المستدامة الشاملة للجميع؛ وتشرف أيضاً على أكثر من 13000 مدرسة منتسبة وكرسي جامعي ومعهد للتدريب والبحوث. وترأسها المديرة العامة أودري أزولاي.

“لما كانت الحروب تتولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تُبنى حصون السلام”.

– ديباجة الميثاق التأسيسي لليونسكو، 1945.     

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق