
العلاقات التونسية الليبية: تاريخ مشترك ومستقبل متجدد
أ.إدريس أحميد
هل من سياسات لإنهاء الأزمات؟
ليبيا دولة غنية بالمكونات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية، تمتلك ثروات هائلة من النفط والغاز، وتتميز في مجالات التجارة والزراعة والثروة السمكية والحيوانية. كما أن لديها تاريخًا طويلًا وتراثًا حضاريًا ونضاليًا متميزًا، وتنوعًا سكانيًا، فضلاً عن نعمة الإسلام والمذهب المالكي الذي ميزها.
مرت ليبيا خلال العهد الملكي الذي دام 18 عامًا، حيث كان لهذا العهد دور كبير في توحيد البلاد ووضع أسس الدولة في ظل ظروف صعبة. ثم شهدت البلاد عهد الجمهورية والجماهيرية لمدة 42 عامًا.
ظروف بناء دولة عصرية
يُقاس تقدم الأمم بقدرتها على بناء دولة عصرية تساهم في رفاه مواطنيها، وذلك من خلال أسس تنموية اجتماعية واقتصادية تهدف إلى بناء التعليم والتنظيم المجتمعي، والنظام الغذائي الذي يدعم الصحة العامة، والعدالة الاجتماعية في إدارة الثروات. نظام سياسي يعزز المشاركة السياسية ويشمل دستورًا يحكم الحياة السياسية لتحقيق التنمية الشاملة.
هل حققت ليبيا التنمية بما يتوافق مع إمكاناتها؟
حققت ليبيا استقلالها في عام 1951، ووضعت خططًا طموحة بعد اكتشاف النفط. إلا أن عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تحقيق الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية أدى إلى تغيير الحكومات المتكرر، حيث وصل العدد إلى 11 حكومة بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة.
في عهد معمر القذافي (1969)، وبداية تصدير النفط، حققت ليبيا عوائد ضخمة من النفط، وانطلقت في تنفيذ خطة خمسية تشمل مشاريع في مجالات مختلفة. ومع ذلك، تم تعطيل القوانين في عام 1973 لإقرار قوانين جديدة تمثل الإرادة الوطنية، فبرز معارضة من قبل السياسيين والنخب المثقفة، بينما رحب بها المؤيدون في المجتمع، ظنًا منهم أنها ستؤسس لنظام سياسي بعيد عن الهيمنة الأجنبية.
إجراءات تأمين القطاع العام
تميزت ليبيا في الستينات والسبعينات بنظام اقتصادي يشمل الشركات الخاصة التي ساهمت في بناء الاقتصاد الوطني. لكن الحكومة اتخذت قرارات بتأميم القطاع الخاص وتحويله إلى القطاع العام، مما أدى إلى زيادة المعارضة من رجال الأعمال الذين فقدوا ممتلكاتهم.
القطاع العام وملكية الدولة
بعد تأميم الاقتصاد، واجهت البلاد أزمة اقتصادية بسبب التحول إلى النظام الاشتراكي، حيث أنشئت أسواق شعبية ومؤسسات وشركات عامة ومصانع، لكن هذا التحول لم يحقق النجاح المنشود. أدى ذلك إلى فشل المشاريع الاقتصادية، وبرز الفساد في الإدارة العامة. مع مرور الزمن، عاد النظام إلى الملكية الفردية.
تكدس القطاع العام بالفشل
أدى تكدس الوظائف غير المرتبطة بالملكية الوظيفية إلى تراجع الأداء، حيث سادت المحسوبية والرشوة، وأهملت المشاريع التنموية، وتراجعت جودة التعليم. ونتيجة لذلك، زادت البطالة والفقر وتدهورت الخدمات الأساسية.
توقف التنمية
ارتبطت السياسة الليبية بتحديات اقتصادية نتيجة للصراع مع الدول الغربية في الثمانينات، مما انعكس سلبًا على الاقتصاد، وتوقف العديد من المشاريع التنموية الكبرى. هذا إلى جانب الحصار الأمريكي الذي أثر على تصدير النفط والاقتصاد بشكل عام.
السياسات الخارجية
دعم النظام الليبي حركات التحرر في العالم، وساند القضايا العربية والإفريقية، مثل القضية الفلسطينية، ودعم دول المواجهة ضد الكيان الصهيوني، إضافة إلى دعم كفاح الشعوب في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وأوروبا.
متغيرات جديدة
لكن انشغال القيادة في الشأن الإفريقي وتجاهل الشؤون الداخلية أدى إلى تفشي الفساد وفشل الحكومة في تلبية احتياجات الشعب. ومع حدوث تغيرات في العلاقات مع الدول الغربية، أطلق مشروع “ليبيا الغد” تحت إشراف سيف الإسلام القذافي، إلا أنه توقف بسبب الصراع الداخلي.
ليبيا ما بعد 2011
سقوط النظام في 2011 أدخل البلاد في حالة من الفوضى والانقسام المجتمعي، مما أعاق عملية بناء دولة ديمقراطية رغم إجراء الانتخابات الأولى في 2012 و2014. لقد تطور الوضع بشكل سيء مع تدخلات إقليمية ودولية متزايدة.
تحقيق الاستقرار وبناء الدولة
يتساءل البعض عن سبب فشل استقرار الدولة بعد انهيار النظام، فقد شهدت البلاد نهبًا واسعًا للثروات من الحكومات المتعاقبة، وافتقارًا للاستثمار في مشاريع التنمية المستدامة. يهدد هذا الوضع البلاد بالذهاب نحو حلول مؤسسية دولية مثل البنك الدولي، رغم الإمكانات التي تمتلكها ليبيا.
الخلاصة
لقد أضاعت ليبيا سنوات من التنمية، وأصبح المواطن يعاني من التحديات اليومية، بينما جرى صرف الأموال في استثمارات خارجية لم تكن في صالح البلاد بعد 2011. الفساد مستمر، والمشاريع التنموية توقفت، خاصة في المنطقة الغربية، بينما تحققت بعض التنمية في الشرق والوسط.
في الختام، لا يمكن تحميل المسؤولية إلا لليبيا نفسها، فالوضع الحالي هو نتيجة لتراكمات سنوات من الجهل والفساد وهدر الثروات. لن تستقر البلاد إلا إذا أدرك الشعب الليبي الأسباب الحقيقية لما آلت إليه الأوضاع.




