ثقافة وفن

السودان بعيون أجنبية

مجدي مكي

بينما يضع العالم “الأخرس” عصابة على عينيه، ليتعامى عن حجم الدمار والتخريب الذي طال مدن السودان المختلفة، ولا سيما ملتقى النيلين في الخرطوم، بسبب الحرب اللعينة التي دارت رحاها على أرض السمر، كانت بعض العيون الأجنبية تذرف دمعاً على ما صار في بلادنا الحبيبة، وتجتهد في عكس ما يدور فيها للعالم الحر.

كان السودان حاضراً في مهرجان الألفية للفيلم الوثائقي، الذي يقام سنوياً بالعاصمة البلجيكية بروكسل. وقد جرت فعاليات نسخته السابعة عشر هذا العام خلال الفترة من 28 مارس إلى 6 أبريل. وقد تم عرض ما يزيد عن مئة فيلم وثائقي، من إنتاج بلجيكي ودولي، وشاركت المخرجة الفرنسية، هند المدب (Hind Meddeb)، ذات الأصول التونسية الجزائرية المغربية، بفيلمها السوداني (سودانا يا غالي) أو (Sudan: Remember Us) أو (Soudan: souviens-toi)  (Sudan، وهذه رغبة المخرجة في أن يكون الفيلم “ثلاثي الأسماء”، بثلاث لغات، دون التقيد بالترجمة. للمخرجة “هند المدب” عدداً من الأفلام الوثائقية التي تعكس قضايا الشباب وتطلعاتهم وثوراتهم الاجتماعية والسياسية وثقافاتهم المختلفة، وقد فازت بعدد من الجوائز على أعمالها في مهرجانات متعددة.

حرصت مديرة المهرجان، زلاتينا روسيفا، وهي من مؤسسي هذه الفعالية التي انطلقت في العام 2009م، على دعوتنا لحضور الأمسية الخاصة بعرض الفيلم، يوم السبت 5 أبريل، ومن ثم حضور فعاليات توزيع الجوائز على الأفلام الفائزة في اليوم التالي.

كان “السواد” الأعظم من الحضور “بيض” الإهاب، من ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر، والذين كان يمكن أن يشغلهم برنامج آخر، أكثر مرحاً وتسلية ولهواً، حيث ما لذ وطاب من الطعام والشراب، ولكنهم آثروا المشاركة بحضور مكثف في القاعة التي اكتظت بهم وهم من شتى أصقاع الدنيا، أما “أهل الوجعة”، فكانوا قبضة يد من رمل صحراء!

إن كنا لا نجيد التسويق والترويج “لسودانيتنا”، ونلوم العالم الخارجي على عدم التفاعل مع قضيتنا، فمن الأولى أن يكون تفاعلنا بالحضور والمشاركة في المناسبات التي تخصنا هو أضعف إيماننا!

لا يجري الدم السوداني في عروق “هند”، فهي توليفة من بلاد الجن والملائكة، ومزيج من تونس الخضراء، وقبس من أرض الجزائر، وشعاع من المغرب الذي تشرق منه الشمس ولا تغيب، ولكنها تعرفت على السودان وشعبه من خلال والدها، “عبد الوهاب المدب”، الذي أبدع أيما إبداع في ترجمة رائعة الروائي السوداني العالمي، الطيب صالح، “موسم الهجرة إلى الشمال”، فكان قدرها أن تتعرف على السودان وتلج أرضه الطاهرة من بوابة الأدب والرواية.

نُسجت البدايات الأولى لهذا الفيلم من خلال تواصل المخرجة مع بعض اللاجئين السودانيين، الذين كانوا يفترشون العراء في العاصمة الفرنسية باريس، حيث التقت بهم وتعرفت على أحوالهم واستمعت لقصصهم المبكية ومغامراتهم المثيرة للوصول إلى ملاذ آخر غير الوطن. وهذا العمل هو امتداد لفيلم وثائقي سابق قدمته المخرجة قبل عدة سنوات عن أوضاع اللاجئين في فرنسا، يحمل عنوان “باريس-ستالينغراد”، ويحكي قصة لاجئ سوداني من دارفور اسمه سليمان محمد، ظل متنقلاً ما بين البوادي والأحراش لمدة خمس سنين عجاف حتى وصل إلى بلاد النور ولكنه لم يجد فيها غير الظلام.

عندما بدأت الثورة في ديسمبر 2018م، كانت هند تراقب وتنتظر وتتأهب، ولكنها لم تتـأخر كثيراً فعندما حان الموعد كانت على أهبة الاستعداد فشدت الرحال متلهفة إلى الخرطوم في مايو من العام 2019م، لتشاهد بأم عينها الحراك الثوري، وتسمع بأذنيها هتافات المتظاهرين التي تنطلق من تلك الحناجر الشابة مثل أصوات الرصاص فيتكسر معها حاجز الصمت ويمتلئ فراغ الفضاء.

يصور الفيلم مشاهد المظاهرات والاحتجاجات التي انتظمت الخرطوم بعد الإطاحة بنظام عمر البشير، في أبريل 2019م، وما تبع ذلك من أحداث وحراك وعنف وقمع، بل وعرض بعض المشاهد من اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م. أعاد علينا الفيلم ذكرى مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019م، تلك المأساة الكبرى التي استيقظ عليها الشعب السوداني وهو يتأهب بعد أيام قلائل، للاحتفال لأول مرة بأعياد الفطر المبارك بعد سقوط النظام، فكانت المشاعر متشوقة لفرح غير مسبوق، يجمع ما بين سعادة الصائم بفطره والسجين بيوم تحرره من القضبان، ولكن شاء القدر أن يتحول السودان إلى مأتم كبير، لا حصر فيه لأعداد الشهداء الذين فاضت أرواحهم الطاهرة في ميدان الاعتصام فداءً للوطن الغالي.

يعكس الفيلم مشاهد الحراك الثوري وحركة الجموع الغفيرة التي انتقلت من خانة السكون القهري إلى حالة من الهياج السلمي والتعبير الشعبي الرافض لهيمنة الحزب الواحد الذي جثم على صدر الوطن لثلاثة عقود عجاف لم تسلم البلاد فيها من حالات التشويه العقائدي والنفاق السياسي والكذب الحزبي الممنهج والفساد النتن الذي تمدد واستشرى وتسلل إلى كل مؤسسة وبيت وناحية.

تناولت مشاهد الفيلم خروج الشباب في مظاهرات سلمية، لا يحملون سلاحاً أو بندقية، بل أوراقاً بيضاء زينوها بالقصائد والأناشيد الثورية فسجل التاريخ أنها كانت كالرصاص تدك حصون أنظمة الفساد والاستبداد، وتُسقِط جحافل الجبناء وترعب كل الكوادر المجرمة التي دقت مسامير الموت على رؤوس الشهداء الشرفاء وعذبت ونكلت بكل من حمل سلاح الكلمة والفكرة.

رأينا أبطال الفيلم، شجن سليمان ومها الفكي وخطاب ومزمل، وقد جمعتهم صداقة ميدان الاعتصام والأهداف المشتركة وأشواق الحرية التي يحلمون بها جميعاً حتى ولو كان الثمن دماءهم الطاهرة وأرواحهم الزكية، فقدموا الشهيد تلو الشهيد، ولكن الثورة مستمرة.

لا يعكس أبطال الفيلم كل الشرائح الشبابية أو المجتمعية، وهو ما لم تنكره المخرجة، ولكنها أوضحت بأن هذه رحلة شخصية لا تهدف إلى عكس نبض كل الشارع السوداني، ولكنها تريد أن تُسمع الآخر ماذا كان يجري في تلك البقعة من العالم الشاسع، وقد كان لها ذلك!

تحولت صالة العرض، على مدى 76 دقيقة من عمر الفيلم، إلى ميدان الاعتصام وشوارع الخرطوم وكنا نرى الجنود المدججين بالسلاح وآلة القمع كأنهم بيننا الآن، ولم يتمالك البعض أنفسهم، وأنا منهم، فانخرطنا في بكاءٍ مكتوم، ضاقت به صدورنا، وتذكرنا ما دار في الخرطوم في تلك الفترة وما يجري فيها الآن، فيزداد النحيب ويشتد البكاء! تجولنا في “جمهورية أعالي النفق” وسمعنا تلك الشعارات الثورية القوية (حرية سلام وعدالة…والثورة خيار الشعب) ورددنا مع الثوار (دم الشهيد ما راح…لابسنو نحنا وشاح) وغيرها من أدب الثورة.

تنوعت المشاهد وتداخلت الأحداث حتى سمعنا ذلك النشيد الذي يتسرب إلى دواخل كل سوداني لتمتلئ الشرايين والأوردة بفخر الانتماء وبساطة هذا الشعب الأفريقي الأسمر، فما كان منا إلا أن غنينا جميعاً :

أنا أفريقي…أنا سوداني

أرض الخير أفريقيا مكاني

بلد النور والعزة مكاني

أرض جدودي جباههم عالية

مواكب ما بتتراجع تاني

أقيف قدامها واقول للدنيا أنا سوداني.

حرك الفيلم فينا مشاعر مختلطة من الحنين والوجع والفراق لبلدٍ تركه كل واحد منا لأسبابه الخاصة، ولكننا اتفقنا، من غير أن نقول، أن جميعنا يرغب في هذه اللحظة أن نكون تحت سمائه الصافية، يعفرنا ترابه الأسمر وتلسعنا شمسه الحارقة التي لن تكون أقسى علينا من رؤية وطن يتمزق ويحترق!

عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي (أغسطس/سبتمبر 2024م)، ثم في مهرجان أجيال السينمائي بالدوحة (نوفمبر 2024م)، حيث حاز على جائزة الجمهور في ذلك المهرجان، وتنقل بعدها في عدة مدن منها تورنتو ومراكش ونيويورك وزيوريخ، ثم مدينة دوسولدورف الألمانية، وأخيراً بروكسل حيث نال جائزة مهرجان الألفية للفيلم الوثائقي عن حقوق الإنسان، وسوف يعرض في دور السينما بباريس مطلع مايو القادم.

لم يغفل منظمو المهرجان عن تسليط المزيد من الضوء على السودان، فنظموا جلسة نقاش قبل عرض الفيلم دعوا لها أيقونة الرواية السودانية، عبد العزيز بركة ساكن، صاحب “امرأة من كمبو كديس” وكاتب “الغراب الذي أحبني” وهو الذي أطلق “الأشوس الذي حلقت أحلامه مثل طائرة مسيرة” وغيرها من المنتوج النقي الذي يتحفنا به الكاتب القامة، وكان برفقته صديقه البلجيكي البروفيسور، إكزافييه لوفان، الذي نقل أعماله إلى الفضاء الفرانكفوني الواسع، وقد كانت دعوتهما لفتة بارعة حتى ترى العيون الأجنبية أن بلادنا الحبيبة ليست فقط مسرحاً للحرب والاقتتال، ولكنها أيضاً مشاعل من نور ووهج من أدب وفكر!

ما قدمته “هند” من خلال هذا الفيلم للتعريف بالسودان والتوثيق لحقبة مهمة في تاريخه الحديث، يجعل منها أولى بلقب “السفيرة الفخرية” للسودان من الطبقة الماسية وأن يوضع على رأسها تاج المحبة والشكر والعرفان المرصع بذهب السودان الخالص الذي يغذي هذه الحرب اللعينة، فهي واحدة من العيون الأجنبية التي ترى السودان بقلب ينبض حباً وشوقاً وانتماء!

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق