
تعليق نحر الأضحية قرار شرعي ودستوري يجسد الحكمة والتكافل في مواجهة الظروف الإستثنائية للبلد
ذ.الحسين بكار السباعي
صدور قرار رسمي يقضي بتعليق شعيرة نحر الأضاحي خلال عيد الأضحى لهذا العام، مع الإبقاء على باقي الشعائر الدينية والإجتماعية ذات الصلة، من قبيل أداء صلاة العيد، وصلة الرحم، والتراحم والتكافل بين أفراد المجتمع ، حظي به من ترحيب واسع في أوساط المواطنين المغاربة، وذلك بالنظر إلى كونه صادرا عن جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، الذي يضطلع بموجب الفصل 41 من الدستور ، بمهام حماية الدين وضمان إحترام ثوابته ومقاصده.
هذا القرار الذي يكتسي طابعا شرعيا ودستوريا راسخا، إذ لا يخرج عن روح الشريعة الإسلامية، التي تنص على أن الأضحية سنة مؤكدة، يجوز العدول عنها عند توفر أعذار معتبرة شرعا، كما هو الشأن في حال الجفاف وغلاء المعيشة وندرة القطيع.
ويأتي هذا القرار في سياق وطني إستثنائي، يتسم بتوالي سنوات الجفاف وما نتج عنها من تداعيات خطيرة على العرض الوطني من الأغنام، وتسجيل إرتفاع غير مسبوق في أسعار الأضاحي خلال الموسم الماضي، الأمر الذي أثقل كاهل الأسر المغربية، لا سيما منها الفئات الهشة والمتوسطة. مما إقتضت معه هذه الظرفية الاستثنائية إعتماد مقاربة وقائية تراعي المصلحة العامة، وتقدم مقتضى التيسير والرحمة على مظاهر الترف و الشكلية الشعائرية، انسجاما مع روح الشريعة ومقاصدها العليا، وفي إطار توجيهات ملكية سامية تسعى إلى تخفيف الأعباء عن المواطنين وتعزيز قيم التضامن داخل المجتمع المغربي .
وفي هذا السياق شرعت السلطات المختصة، ولا سيما وزارة الداخلية من خلال السلطات المحلية والأمنية ، العمل على تنفيذ تدابير عملية لتفعيل القرار ، شملت المنع الصريح لتسويق وبيع المواشي المخصصة للأضحية، وإغلاق الأسواق الموسمية المرتبطة بها، وتشديد المراقبة على أنشطة الوسطاء والمضاربين في هذا المجال، فضلا عن إطلاق حملات إعلامية وتوعوية بتنسيق مع المجالس العلمية المحلية، لتوضيح الأبعاد الدينية والإنسانية للقرار، وقطع الطريق أمام محاولات التضليل أو التأويل المغرض.
وبالنظر إلى الطبيعة الملزمة لهذا القرار، باعتباره مندرجا ضمن التدابير التنظيمية الصادرة عن الجهة الشرعية العليا في البلاد، فإن كل مخالفة لمقتضياته، سواء من خلال محاولة إقتناء أضحية العيد أو ذبحها خفية أو التحايل لتمويه طابعها الرمزي، تعتبر فعلا مخالفا للنظام العام، ويعرض مرتكبيه للمتابعة الزجرية وفق مقتضيات القانون الجنائي، خصوصا في شقه المتعلق بمخالفة أوامر السلطات العامة أو الإخلال بالسير العادي للقرارات التنظيمية العامة، مما يجيز مساءلة كل من ثبتت مساهمته أو مشاركته أو تحريضه على ذلك.
ختاما ، وجب التأكيد على أن احترام هذا القرار لا يندرج فقط ضمن دائرة الطاعة الدينية لأوامر أمير المؤمنين، بل يشكل كذلك واجبا قانونيا وأخلاقيا ووطنيا، يستوجب من عموم المواطنين التقيد به، التزاما بروح الشريعة الإسلامية والدستور ، وحرصا على المصلحة العامة، وتجسيدا لقيم التضامن والعدل والتعقل، في ظرفية دقيقة تستدعي منا جميعا روحا عالية من المسؤولية والانضباط، وترسخ الوعي الجماعي بأهمية التآزر في مواجهة الشدائد والإبتلاءات .
▪︎ذ/ الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان.
خبير في نزاع الصحراء المغربية.




