ثقافة وفن

التشكيلية التونسية هيفاء تكوتي:فلسطين ليست مجرد مكان بل شعور مقيم في القلب

بشرى بن فاطمة

بكامل الانتماء للفكرة وبكل الوعي الفني الجمالي يحاول الفنان محاكاة الواقع والانتصار للأمل بين بوح شجونه وأحزانه وتفكيك تمرّده وغضبه وكسر حواجز المسافات والصمت هي الرؤية التي تبنّتها الفنانة التشكيلية والبصرية التونسية هيفاء تكوتي لتقول لا للعدوان والظلم على غزة، لا للصمت، نعم لحق الشعوب في استرجاع أراضيها.

ضمن تكامل فكري ومفهومي مع متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية وضمن مشروع أرى غزة في كل مكان وفي كل شيء كانت هيفاء ضمن مجموعة الفنانين الذي بادروا بتكثيف التداخل واستكمال المعنى من خلال جدارية “قادمون” لا كتفصيل مباشر لفكرة المساندة ولكن كتعبير حر استجمع كل قوى الإنسانية الشعورية والذهنية ليحاكي وقع القدم على أرض اليقين وبقاء الصورة الراسخة للحرية التي لا تقبل القسمة على اثنين هي حق كامل غير قابل للتجزئة.

في تعريفها لعملها الذي عرضته مؤخّرا بشكله المكتمل ضمن فعالية ثقافية بتونس تقول

“قادمون على امتداد عشرة أمتار من القماش والأمل، تشكلت لوحة جماعية بروح المقاومة، لوحة صممتها وأشرفت على إنجازها بمشاركة عدد كبير من الأطفال في حي جبل الجلود بتونس، حيث رافقتهم ووجّهتهم خلال مختلف مراحل العمل، ليكون هذا المشروع الفني شهادة حية على الإيمان بالقضية، وعلى قوة التعبير حين يخرج من القلوب الصغيرة بأيدٍ واثقة، يتوسط المشهد جامع قبة الصخرة، شامخًا في قلب اللوحة، يحيط به حضور فلسطين برموزها وذاكرتها.

في الخلفية، يرتفع علم فلسطين خفاقًا، وتحته شجرة زيتون تقف كثابت من ثوابت الأرض، تتناثر أوراقها في الفضاء لتتحوّل، ورقةً بعد أخرى، إلى حمامة خضراء تطير نحو القدس، حمامة السلام بلون الأرض، لا بلون الاستسلام يحيط بالقبة عدد من الوجوه الملثّمة، أعينها شاخصة نحو القدس، عيون لا تنام، ولا تساوم، ولا تنكسر، نظراتهم هي امتداد لنظرة شعب بأكمله، لا يزال يحلم ويصمد ويقاوم، “قادمون” ليست مجرد لوحة، بل هي فعل فني مقاوم، تجربة بصرية وروحية، تنبض بالحياة من خلال ألوان الأطفال، وصرختهم الصامتة في وجه النسيان.”

لم تقف التصورات التي حاولتها تكوتي عندها ولكنها نقلتها ببصيرة الفنان الانسان إلى الأطفال اشتغلت على امتداد المساحة بحرية وإيمان بلغة بصرية قد تبدو اعتيادية ولكنها في يقينها بلورت التصورات الرؤيوية لفكرة ما بعد الأوطان وامتداد الثنايا المسيّجة بالشوك والصبر بالترقب والانتظار بالصرخة التي لفظت العالم البائس في مواقفه المتذبذة.

اعتبرت هيفاء تكوتي أن هذه التجربة ساهمت في صقل الوعي بالفعل الفني ضرورته وأهميّته ورسالته التي استطاعت أن تصل بعمق وقد أفادت بهذا الصدد قائلة

” هي مساحة امتدت على عشرة أمتار عرضًا وأربعة أمتار ونصف ارتفاعًا، تشكّل هذا العمل الجماعي، الذي أنجزته مع مجموعة من الأطفال والشباب الناشئة تتراوح أعمارهم بين 8 سنوات و20 سنة، هي صرخة فنية حية تساند عن فلسطين، تقف تعبيرا عن كل ما يحدث في غزة من مآسٍ لا تستطيع الكلمات وحدها أن تحتويها، لم يكن هذا مجرد عمل فني، بل كان فعل مقاومة وردّة فعل، انعكست منها مشاعر متأججة اختلط فيها الحزن بالغضب، الأمل بالألم، والانتماء بالدهشة.

بتساؤلات بريئة من أفواه الأطفال: “لماذا يُقتل أطفال مثلنا؟ هكذا كانت لحظة اللقاء الأولى معهم مليئة بالتساؤل والفضول كيف نصلهم وكيف نعبّر عنهم؟ هذه التساؤلات تفجّرت تعبيرا عند انجاز العمل الفني، تحوّل الترقّب إلى اندماج كلّ طفل وشاب حمل معه شيئًا من وجدانه، من خياله، ومن رؤيته الخاصة لفلسطين.

بعضهم كان يسألني: “هل سنرسل هذه اللوحة إلى غزة؟”، والبعض الآخر اكتفى بالصمت والتركيز، وكأنما يرسم من مكان بعيد داخله.”

تضيف هيفاء تكوتي “شعرتُ وأنا أرسم معهم أن فلسطين ليست مجرد مكان، بل شعور مقيم في القلب،

كان كل لون، كل خط، كل ظلّ يرسمونه يحمل صدقًا نادرًا لا يُصطنع، كانوا يرسمون وعيًا متقدًا لم يصلهم من الكتب أو نشرات الأخبار، بل من إحساسهم العميق بالتناقض بين فكرتي بالعدل والظلم، الحياة والموت.

وعن دور الفن في التعبير والمساندة ورؤيتها للتعبير عن الحق من خلال الفنون تقول هيفاء” أدهشتني في هذا العمل قوّة التعبير بالفن لقد استطاع أن يوحّد أجيالا مختلفة وعقليات متنوّعة على معنى واحد هو أن فلسطين ليست قضية بعيدة، بل حاضرة في ضمير كل من يحمل إنسانية صافية، كان هذا العمل بمثابة صلاة صامتة، دعاء مرسوم، مشاركة وجدانية صادقة مع من لا نراهم ولكن نشعر بوجودهم في قلوبنا، لقد علّمني الأطفال خلال هذه التجربة أن التعبير لا يحتاج إلى بلاغة، بل إلى صدق وأن المقاومة قد تبدأ من ريشة صغيرة في يد طفل، ترسم شجرة زيتون تعبر من الذاكرة إلى الأرض.”

*الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق