ثقافة وفن

“الأبيض بين حيرة المعنى وتوق الانفلات: قراءة في انزياحات اللغة والرمز في قصيدة الشاعر عبد العزيز كوكاس حيرة الأبيض “

نورالدين طاهري

اللون الأبيض في قصيدة “حيرة الأبيض” للشاعر عبد العزيز كوكاس ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو بنية رمزية تتغلغل في عمق النص لتنتج شبكة من الدلالات المتعددة التي تتجاوز الفهم السطحي للّون بوصفه علامة على الصفاء والنقاء. فالشاعر لا يركن إلى المعاني المكرورة التي تلاحق هذا اللون في الثقافة الإنسانية، بل يعيد بناءه من جديد، يمنحه حياة، نفسا، صوتا، وقلقا، ويجعله كائنا حائرا، متعبا، يسعى للتحرر من سجنه الرمزي.
منذ اللحظة الأولى، ينقلنا الشاعر من مناخ الطمأنينة إلى فضاء التوتر، حين يقول: “أريد للأبيض أن يستريح من تعب الموتى / ومشجب الانتظار”. الأبيض، في هذا المدخل، لا يأتي مبتهجا أو طفوليا كما قد توحي به صورته التقليدية، بل متعبا، مرتبطا بالموت، وبلحظة الانتظار الطويلة التي تنهك الوجدان. هنا نجد انقلابا دلاليا يربك القارئ ويأخذه إلى مستوى أعمق، حيث اللون نفسه يتحول إلى كائن مفكر يحمل همّا ويتوق إلى استراحة مستحيلة.
اللون الأبيض، في النص، يعيش أزمة وجود، أزمة معنى. إنه ينسل من “ظل الأشياء”، ويتحرر من “منديل الوداع”، مما يحيل إلى الكفن، إلى الوداع الأخير، إلى الألم الصامت. وليس اعتباطيا أن يربطه الشاعر بصورة منديل الوداع، فالمنديل في الذاكرة الجمعية كثيرا ما يُستخدم في لحظات الانفصال الكبرى، لحظات الدفن، أو الرحيل النهائي، فيدنس الأبيض بذلك بما يحمله من وجع. فالأبيض هنا ليس محايدا ولا بريئا، بل هو متورط في الوداع، في الفقد، في الشجن، في العزاء، وفي عبء المعنى الذي يلاحقه.
لكن الشاعر لا يكتفي بتشخيص الأبيض ككائن مأزوم، بل يدفعه نحو التحرر، نحو اللهو، نحو حياة أخرى لا تسجنها المعاني الثقيلة. يقول: “أريد للأبيض أن يلهو قليلا بعيدا عن الواجبات الثقيلة… أن يصاحب الثلج حين يذوب في النهر / أو يغير مذاق الملح وطعم السكر في فم الصغار”. هذه المشاهد ليست مجرد صور شاعرية، بل هي انعكاس لرغبة وجودية عميقة في التخلص من الموروث الثقيل. الأبيض يريد أن يتحول إلى طيف حر، يتذوق الحياة كما يتذوق الطفل السكر والملح لأول مرة، دون أحكام مسبقة، ودون أن يُختزل في رمزية جامدة.
بهذا المعنى، تتبدى القصيدة في أحد أبعادها محاولة حثيثة لتحرير الكائن الرمزي من سلطته القديمة، من الدور الذي فرضته عليه الثقافة. فكما أن الإنسان يحمل ميراثا من الرموز والمعاني التي تحاصره، كذلك الأبيض في القصيدة، هو مرآة الإنسان المعاصر، الذي يعاني من تراكم الدلالات عليه، ويرغب في التخلص من ثقلها. وكما قال الفيلسوف نيتشه: “المعنى هو قيد”، فإن الشاعر هنا يكتب نصًا ضد القيد، ضد المعنى الجاهز، مناصرًا للحركة، للحلم، للهروب الجميل من أسر المفاهيم.
وفي هذا السياق، يستحضر النص بعدًا أسطوريًا حين يذكر “شراع سفينة إيزولدا إلى حبيبها المصاب تريستان”. إن استدعاء هذه الأسطورة ليس مجانيا، بل يضيف طبقة رمزية جديدة إلى الأبيض، حيث يُربط بالمأساة العاطفية، بالحب المقموع، وبالأسطورة التي انتهت بالفقد والفجيعة. وهنا تتكاثف الدلالات، فالأبيض لم يعد فقط متعبا من الموت والانتظار، بل من الحب أيضا، من الجرح العاطفي الممتد في ذاكرة الإنسان.
ثم تأتي لحظة الذروة في النص حين يخاطب الشاعر الأبيض بلغة الخلق: “كن فتكون أيها الأبيض، خارج ثقب الفراغ وشبح الأشياء / سيد الألوان، القادم من المجهول خارج هوس الخلود”. هنا يتحول الأبيض إلى كائن شبه إلهي، يمتلك قدرة الخلق، قدرة الوجود المستقل، غير الخاضع لسطوة الزمان أو الهواجس البشرية. هذه العبارة، المستعارة من النص القرآني “كن فيكون”، تفتح الباب أمام قراءة ميتافيزيقية للّون، كأنه جوهر الأشياء، أصلها، أو إمكانية البدء من جديد، بلا أثقال، بلا ذاكرة، بلا جراح.
في عمق هذا المقطع، تكمن رغبة جمالية وفلسفية حادة: أن يولد المعنى من جديد، أن تتخلص الكلمات من طبقاتها القديمة، أن يُبعث الأبيض من سباته الرمزي ليصير لونا حيويا، خفيفا، عابرا، بعيدا عن “هوس الخلود” الذي يعذب الإنسان. وهذا يذكرنا بمقولة الشاعر الفرنسي مالارميه: “الشعر ليس إلا محاولة لتسمية اللاشيء”، أي محاولة لإعطاء معنى لما لا يُقال، لما ينفلت من اللغة. والأبيض، كما يراه كوكاس، هو هذا اللاشيء المتروك، الذي يريد أن يُقال من جديد.
ثم تأتي الخاتمة، وهي أشبه بنشيد الحرية الذي يهتف به اللون الهارب: “منفلتا من أسر المعنى، حرًا طليقًا مثل نسمة هواء”. هذه الصورة الأخيرة، البسيطة في شكلها، العميقة في وقعها، تلخص كل ما سبق من توتر: الأبيض الذي سُجن في معناه، وفي وظيفته الجمالية، يقرر في النهاية أن يتحرر، أن يكون “مثل نسمة هواء”، أي بلا ثقل، بلا ذاكرة، بلا صورة نمطية، فقط حرية وجود خفيف لا يفرض نفسه، بل يمر في العالم كحالة شعرية نقية.
إن قراءة “حيرة الأبيض” في ضوء هذه الدلالات تجعل من اللون أكثر من رمز؛ إنه سؤال مفتوح، ومجال للصراع، وحقل للانعتاق، واختبار حاد للمعنى. فالشاعر لا يكتب عن الأبيض، بل يكتب الأبيض نفسه، ككائن مأزوم يحاول أن يتنفس خارج رئة الدلالة. القصيدة، إذن، ليست فقط تأملا في لون، بل هي تفكيك له، وإعادة تشكيله من جديد، بعيدا عن الطقوس، عن الموت، عن الجمالية الاستهلاكية، نحو أفق تعبيري أكثر نقاء، أقرب إلى الحلم، وأشدّ قربا من روح الشعر.

تتسم لغة الشاعر عبد العزيز كوكاس في قصيدته “حيرة الأبيض” برهافة شديدة، تُجسّد ما يمكن تسميته بـ”بلاغة الحيرة”، حيث تنبع الصور من عمق الإحساس، لا من ترف التزويق اللفظي. فهي لغة تتأمل الأبيض لا بوصفه لونا ساكنا، بل بوصفه كيانا متوترا، حائرا، ومتمردا على ما رُسّم له من دلالات جاهزة. الأبيض في النص ليس مادة، بل شعور، حركة، صوت داخلي يبحث عن معنى جديد خارج ما تمليه الأعراف الرمزية والتقليدية.
اللغة هنا لا تستعرض قدرتها البيانية، بل تُخفي نفسها وراء توتر المعنى، وتنزلق بسلاسة داخل عوالم نفسية معقدة، حيث الأبيض يتكلم من داخل ذاته، لا بوصفه محايدا أو خادما للدلالات الجاهزة، بل كائنا تعب من مهمته الرمزية. يقول الشاعر: “أريد للأبيض أن يستريح من تعب الموتى / ومشجب الانتظار”، وهنا تتجلى اللغة لا كحامل للفكرة، بل كصدى لشعور كامن، مختنق. فالمفردات مختارة بعناية، حيث “تعب الموتى” تُقحم الأبيض في منطقة مظلمة من المعنى، لا علاقة لها بالبدايات الطفولية أو الولادة، بل بالموت الثقيل، والوجع المؤجل.
الأسلوب الذي يتبعه الشاعر لا يخضع لإيقاع صريح أو نمط بياني مألوف، بل هو أسلوب مفتوح، يتنفس بحرية، كما يريد للأبيض أن يتنفس. الجمل الشعرية تتوزع بين الإفصاح والتلميح، بين التقريري والحلمي، بين الخبر والرغبة. فالنص يميل إلى استعمال المضارع بصيغة الرغبة “أريد”، وهي صيغة تتكرر في النص لتُشير إلى أن اللغة نفسها تبحث عن إعادة ترتيب للمعنى، كما يبحث الأبيض عن إعادة تعريف لوجوده.
يمزج الشاعر بين المفردات اليومية والصور العالية، بين اللغة المباشرة والإيحاءات الرمزية، دون الوقوع في التعقيد أو الاستغلاق. فحين يقول: “أن يلهو قليلاً بعيدًا عن الواجبات الثقيلة”، فهو يمنح الأبيض ملمسا طفوليا، ويستعمل أفعالا بسيطة مثل “يلهو”، “يصاحب”، “يذوب”، لكنه بذلك لا يفرّغ الأبيض من عمقه، بل يدفعه نحو حياة أخرى أكثر خفة وانعتاقا، حياة لا تسكنها الوجاهة ولا تثقلها الطقوس. هنا تتجلى براعة الشاعر في توظيف اللغة البسيطة لتصوير مشهد وجودي عميق، دون أن يُشوّه القيمة الرمزية للصورة.
ومن أبلغ مظاهر الأسلوب في النص، تلك القدرة على تحويل اللون إلى كيان ذاتي. فالشاعر لا يصف الأبيض كما يُرى، بل يُنطقه، يجعله يتحرك، يحزن، يحلم، يتمرد، يقول “لا”، ويرغب في أن “ينسل من ظل الأشياء”. اللغة في هذه اللحظة لا تصف الأبيض من الخارج، بل تُرافقه في هروبه من الداخل، فتصير اللغة ظلا لما يقوله اللون من داخل الحيرة. وهذا تحول نوعي في التناول الأسلوبي، حيث لا يكون اللون موضوعا، بل شريكا في بناء الخطاب.
كما يتجلى في النص استعمال عبارات ذات طابع صوفي أو ميتافيزيقي دون الغرق في الغموض، كما في: “كن فتكون أيها الأبيض”، وهي استعارة دينية وجودية، تفتح اللغة على احتمالات الخلق، كأن الشاعر يريد للأبيض أن يُخلق من جديد، أن يُمنح كينونة مستقلة. هذه العبارة المضمّخة بروح الأمر الإلهي لا تأتي للتزيين، بل لتُعلن ولادة لغة جديدة للون، لغة لا تربطه بالحداد، ولا بالموت، بل بالحضور، وبالحرية. وهنا تتداخل اللغة الشعرية مع الرؤية الوجودية للذات التي تبحث عن تخفيف عبء المعاني.
الصور في النص ليست زينة بيانية، بل ضرورة شعورية. فالاستعارات تُبنى على علاقة بيئية ونفسية مباشرة، كقوله: “أن يصاحب الثلج حين يذوب في النهر”، حيث الأبيض لا يتجمّد في شكله، بل يذوب، يتفاعل، يتغير، كأنه يرفض الثبات، يرفض أن يُحدّد. وهذه الصورة وحدها تختصر الأسلوب الشعري كله: الحركة، التحوّل، البحث عن انسياب المعنى لا عن تصلّبه. في مثل هذه الصورة، يتحول الأبيض إلى تجسيد للحالة الإنسانية نفسها، التي تذوب في الحياة كما يذوب الثلج في النهر، بلا ضجيج، بلا إدّعاء.
ويبدو واضحا أن الأسلوب في هذه القصيدة يستند إلى فكرة “النفي” أكثر من الإثبات، فاللغة لا تقول “الأبيض هو…” بل تقول “أريد له ألا…”، “أريد له أن يتحرر من…”، وبهذا تتكئ على الاستبعاد أكثر من التحديد. وهذا الأسلوب لا يضع المعنى أمامنا مباشرة، بل يدفعنا إلى ملئ الفراغ، إلى التأويل، إلى المساهمة في صياغة ما لم يُقل، ما ظل في منطقة البياض نفسها. وهو ما يجعل النص مفتوحا، لا يُغلق بالدلالة، بل يتحول إلى فضاء تأملي.
البياض في هذا النص ليس فقط موضوعا، بل هو تجربة لغوية كاملة. إن أسلوب عبد العزيز كوكاس لا يهدف إلى التجميل، بل إلى تفكيك اللغة من الداخل، ثم إعادة بنائها بطريقة تُتيح للأبيض أن يقول ذاته، لا أن يُقال عنه. فالمفردات تخضع لهذا المنطق، والأسلوب يُعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والمعنى، لتغدو القصيدة أشبه ما تكون بـ”سيرة ذاتية للون”، تُروى بأسلوب شاعري بالغ الحساسية، تحكمه الحرية، وتوجهه الحيرة، وتسكبه اللغة بهدوء، كنسمةٍ تلامس سطح الوجود دون أن تكسره.

ويمكن القول، في نهاية هذه القراءة، إن الشاعر عبد العزيز كوكاس نجح في أن يحول رمزا كلاسيكيا إلى مادة شعرية متحركة، تنبض بالمعنى والتمرد، وتُعيد للقارئ حسّ الدهشة، وتدعوه لا ليتأمل الأبيض، بل ليتأمل الحيرة التي تسكنه، الحيرة التي قد تكون، في النهاية، أقرب ما يكون إلى جوهر الإنسان المعاصر ذاته.

——

النص

حيرة الأبيض
✍️ الشاعر عبد العزيز كوكاس

أريد للأبيض أن يستريح من تعب الموتى
ومشجب الانتظار، وينسل من ظل الأشياء..
أن يخرج من سرير غرفة الإنعاش وفوضى النهار
ويحرر أحلامه من أحزان منديل الوداع.
ويدل شراع سفينة إيزولدا إلى حبيبها المصاب تريستان
أريد للأبيض أن يلهو قليلا بعيدا عن الواجبات الثقيلة..
أن يصاحب الثلج حين يذوب في النهر
أو يغير مذاق الملح وطعم السكر في فم الصغار.
أريد للأبيض أن يُعيد للونه كامل البهاء، وما تفرضه لياقة الحضور..
أن يطلق العنان لساقه الرقيقة لاصطياد الفراشات الفاتنة بأحلام الهواء.
كن فتكون أيها الأبيض، خارج ثقب الفراغ وشبح الأشياء
سيد الألوان القادم من المجهول خارج هوس الخلود.
منفلتا من أسر المعنى، حرا طليقا مثل نسمة هواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق