
إيران بين أمريكا وإسرائيل: حرب أسبوعين قلبت الموازين وأعادت الحسابات
* أ.إدريس أحميد
بعد أسبوعين من القصف المتبادل بين إيران وإسرائيل، توقفت الحرب رسميًا. ورغم إعلان كل طرف انتصاره، تكشف تفاصيل الميدان والتصريحات المتناقضة عن حقيقة أكثر تعقيدًا: حرب قصيرة في مدتها، لكنها ثقيلة في خسائرها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وغيرت الكثير من الصور النمطية التي سادت لسنوات.
إسرائيل: نجاح تكتيكي وخسارة استراتيجية
تقول إسرائيل إنها حققت هدفها الأهم: تدمير أجزاء كبيرة من البرنامج النووي الإيراني، من خلال قصف مكثف لمواقع نووية وعسكرية واغتيال قيادات وعلماء بارزين. لكنها في المقابل تلقت ضربات صاروخية مباشرة من إيران لأول مرة بهذا الحجم، كسرت صورة «القبة الحديدية» كدرع لا يُخترق، وأحدثت دمارًا في مواقع حيوية وبثت الرعب في الداخل الإسرائيلي.
الهجرة المؤقتة لآلاف الإسرائيليين، وتصاعد الخوف من تكرار القصف، مع أزمات اقتصادية متراكمة، أجبرت حكومة نتنياهو على الدفاع عن خياراتها أمام الشارع، خصوصًا في ظل تراجع شعبيته أصلاً قبل الحرب. كما تراجعت قدرة إسرائيل على الاعتماد المطلق على الدعم الأمريكي والأوروبي، بسبب انشغال تلك الدول بأزماتها الداخلية وتغير أولوياتها في ظل صراعات عالمية أخرى.
إيران: خسائر موجعة… ومكاسب رمزية
في المقابل، تعرضت إيران لاختراقات أمنية موجعة، واغتيال قيادات عسكرية وعلماء نوويين، وقصف مواقع استراتيجية، بما كشف هشاشة نظامها الأمني وألحق أضرارًا ببرنامجها النووي والعسكري. لكن طهران تمكنت من فرض معادلة ردع جديدة: ضربت إسرائيل مباشرة، وأرهقت القبة الحديدية، وأثبتت قدرتها على تجاوز الخطوط الحمراء رغم العقوبات والأزمات الاقتصادية.
هذا الرد منح إيران مكسبًا معنويًا، ورسالة بأنها قادرة على الرد حتى وهي في أصعب ظروفها، وهو ما قد يعيد حسابات خصومها الإقليميين والدوليين.
تقاطع المصالح بين أمريكا وإسرائيل… حسابات مختلفة وأهداف متباينة
الحرب كشفت أيضًا اختلافًا في مقاربة كل من واشنطن وتل أبيب تجاه إيران. إدارة ترامب – رغم دعمها لإسرائيل – لم تكن ترغب في حرب طويلة، بل فضلت سياسة الاحتواء لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية. ترامب يرى في إيران وجهًا جديدًا ومهمًا يمكن استثماره سياسيًا واقتصاديًا، خصوصًا أن طهران قبل ثورة 1979 كانت حليفًا متقدمًا لواشنطن، ولها موقع استراتيجي وإمكانيات هائلة.
واشنطن ربما تراهن على أن الإيرانيين يدركون مصالحهم جيدًا، وأن انفتاحًا محدودًا على أمريكا وأوروبا قد يفتح لهم طريقًا لتخفيف العقوبات وتحسين الاقتصاد. في المقابل، صرح ترامب بأنه يأمل في عودة المفتشين الدوليين إلى إيران، ما يثير التساؤلات حول كيفية استجابة طهران بما يخدم مصالحها دون التخلي كليًا عن قدراتها الاستراتيجية.
في حين ترى إسرائيل أن أي بقاء للبرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني يمثل تهديدًا وجوديًا، بينما تنظر واشنطن إلى إيران ببراغماتية أوسع، كخصم يمكن – بشروط – أن يصبح شريكًا يوازن نفوذ الصين وروسيا في المنطقة.
علاقات إيران مع دول الخليج… صراع أم تقارب بعد الحرب؟
بعد الحرب، تدرك إيران أن استمرار التوتر مع جيرانها الخليجيين لم يعد يخدم مصالحها، خاصة في ظل العقوبات والأزمات الاقتصادية. وقد تسعى طهران لتحسين علاقاتها مع دول الخليج، خصوصًا تلك التي لعبت أدوار وساطة مثل سلطنة عمان وقطر، بهدف كسر العزلة الإقليمية وتخفيف الضغط الاقتصادي والسياسي.
من جهة أخرى، قد ترى دول الخليج مصلحة في التهدئة وتقليل المخاطر على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي، خصوصًا أن أي تصعيد يؤثر مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. لكن ملفات النزاع في اليمن وسوريا ولبنان والعراق ستظل اختبارًا حقيقيًا لصدق النوايا وبناء الثقة بين الطرفين.
أمريكا: انتصار سياسي محدود
رأت واشنطن أنها حققت هدفها الأكبر: توجيه ضربة قوية للبرنامج النووي الإيراني دون التورط في حرب شاملة، بما يتماشى مع سياسة «أمريكا أولًا». ومع وجود تنسيق محدود مع إيران لتجنب التصعيد الكبير، قدم ترامب نفسه أمام الداخل الأمريكي بمظهر القائد الذي يحقق أهدافه دون تكلفة عالية.
هذا سمح لأمريكا بالاحتفاظ بخيوط اللعبة: إبقاء الضغط على إيران، مع ترك الباب مواربًا أمام المفاوضات.
مستقبل الملف النووي الإيراني… بين المفاوضات والعودة للحرب
رغم توقف الحرب، يظل الملف النووي الإيراني محورًا أساسيًا للصراع. فقد صرح ترامب بأن أمريكا قد تعود للحرب إذا فشلت المفاوضات في إقناع إيران بإلغاء برنامجها النووي بشكل كامل. ومع تضارب الأنباء حول مصير المنشآت النووية – بين تدميرها أو إخفاء أجزاء منها – يطرح سؤال جوهري: إذا كانت المنشآت قد دُمرت فعلًا، فلماذا المفاوضات؟ أم أن الهدف هو ضمان عدم عودة إيران للتفكير في بناء قدرات نووية مستقبلاً؟
هنا تتجدد السيناريوهات: إما مسار تفاوضي جديد قد يؤدي لتخفيف العقوبات وتحقيق مكاسب اقتصادية لطهران، وإما عودة لاستئناف الحرب إذا أصرت إيران على طموحاتها النووية، خاصة مع رغبة إسرائيل في أن تتخلى إيران حتى «عن السكاكين» كما يقال، خوفًا من أي تهديد محتمل.
الواقع بعد الحرب: سباق مفتوح بين الردع والحوار
خرجت إيران رغم خسائرها بدافع جديد لتقوية قدراتها العسكرية والصاروخية، وقد تلجأ لتعزيز تعاونها مع روسيا والصين وحتى باكستان وكوريا الشمالية رغم الأزمات المشتركة. أما إسرائيل فبدأت تراجع نتائج الحرب، في ظل تراجع الثقة الداخلية، وتحديات اقتصادية، وصعوبة استمرار الدعم الأمريكي والأوروبي في ظل تحول أولويات العالم.
وفي النهاية، تكشف هذه الحرب القصيرة أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة: لا غالب ولا مغلوب بالكامل، بل سباق طويل بين الردع والمفاوضات، وبين الخسائر العسكرية والمكاسب السياسية المؤقتة، وسط حسابات معقدة لمصالح أمريكا، ومخاوف إسرائيل، وطموحات إيران.
* ..صحفي وباحث في الشأن السياسي المغاربي والدولي!!




