

محلل سياسي وكاتب
محمد عثمان الفاضلابي
كانت أحلام الأحباش بتحويل مجرى النيل قبل اكتشاف الكهرباء بقرون.
المحاولة الأولى كانت بتخطيط الضابط الفرنسي، فيليب دومزيير، الذي روج للحملة الصليبية على مصر سنة 1365 في عهد حكم الملك الأشرف زين الدين شعبان. كانت خطته أنه أقنع ملك قبرص بضرورة السيطرة على مياه النيل بالتعاون مع ملك الحبشة في ذلك الوقت.
وفي عام 1513، دخل القائد البرتغالي البوكيرك البحر الأحمر، وقال في مذكراته إنه اتفق مع ملك الحبشة الذي تحرق شوقا لتحويل مجرى النهر ليحرم وادي النيل من المياه، وانتظر في جزر القمر لحين وصول مجموعات كبيرة من العمال الذين طلبهم من جزر ماديرا لقطع صخور البحر الأحمر وتحويل مجرى النيل الأزرق.
كان من بين الخطط التي اعتزمها البوكيرك، التي لم تنقطع قط، تحويل مجرى نهر النيل وحرمان شعبي البلدين من المياه وإخضاعهما. وقد كتب إلى ملك البرتغال يستدعي صناعا مهرة ليقوموا بفتح ثغرة بين سلسلة التلال الصغيرة التي تجري بجانب النيل في الحبشة، ولكنه توفي سنة 1515.
أحلام البوكيرك تحطمت عندما قرر التوجه إلى جدة لغزو المدينة المنورة ونبش قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لمساومة المسلمين على مبادلة الجثمان الشريف بكنيسة القيامة بالقدس. صادف أن هبت العواصف على سفن الحملة ودمرت بعض السفن. شاهد البرتغاليون الصواعق ناحية الحجاز، توقفت فوق الأسطول ثم اتجهت ناحية الحبشة، فسيطر الرعب على البوكيرك وجنوده. فقرر الرجوع إلى الهند مذعورا، وكتب هذه الواقعة في مذكراته.
ملك فرنسا لويس الرابع عشر حاول تحويل مجرى النيل الأزرق، حيث اتفق مع إياسو ملك الحبشة في عام 1705، وأرسل المسيو لانوار دي رول محملا بالهدايا للقيام بالمهمة. وعندما علم ملك سنار قام باعتراضه وقتله ومن معه، وكانت الواقعة سببا في حرب بين الحبشة وسنار انتهت بهزيمة الأحباش وفشلت السيطرة على نهر النيل.
عاد الحلم الإثيوبي من جديد للسيطرة على نهر النيل في عهد الملك الإثيوبي، كاسا هايلو تيودووس الثاني سنة 1860، وأعلنت إثيوبيا الحرب على مصر في عهد محمد سعيد باشا. ووفقا لكتاب إسرائيل في النيل، فإن الملك الحبشي أرسل خطاب تهديد لمصر قال له فيه: إن النيل سيكون كافيا لمعاقبتك، حيث إن الله قد وضع في أيدينا ينبوعه وبحيرته ونماءه، فمن ثم يمكننا استخدامه في إيذائك.
تدخلت الكنيسة المصرية للمرة الثانية في عهد البابا كيرلس الرابع، ونجحت في رأب الصدع وإنهاء الخلاف، ومات المشروع عام 1860 ولم تستطع إثيوبيا السيطرة على نهر النيل.
في نهاية عهد التعايشي،
مقتل ملك الحبشة الملك يوحنا الرابع وهو من التقراي وآخر ملوك مملكة اكسوم الحبشية والذي حكم (1872 – 1889)
وكان آنذاك منليك الثاني الأمهري مجرد حاكم مقاطعة بمنطقة شوا
بعد مقتل يوحنا الرابع من قبل جيش أنصار خليفة المهدي بقيادة حمدان أبو عنجة في 27 أغسطس 1889 بمنطقة المتمة السودانية آنذاك (تم احتلالها من بعد) صعد نجمه
وكان لقب نغوس شوا حاكم مقاطعة شوا (1866 – 1889) ثم نغوسا نغاستا وهو من قومية الأمهرا وطالب بثأر الملك يوحنا
ولازلت أذكر قول أستاذ التاريخ كمال نور الدين عليه الرحمة أنها
(كلمة باطل أريد بها باطل)
وبالفعل أعلن نفسه ملك ملوك الحبشة
ولقب نفسه بمنليك الثاني تيمنًا بمنليك الأول الذي يزعمون أنه ابن الملك سليمان والملكة بلقيس
والذي نجح منليك الثاني في توسيع رقعة البلاد وتحديثها واحتل مملكة هرر الإسلامية ومملكة ولو والعديد من الممالك في الجنوب وجعل الحبشة بلدًا استعماريًا في وقت كانت فيه القوى الأوروبية تتصارع لتأسيس مستعمرات لها في إفريقيا
احتل منليك الثاني إقليم بني شنقول وكامل إقليم فازوغلي (النيل الأزرق حاليًا) من الحدود الحالية حتى حدود كركوج التي أوقفه فيها الإنجليز، كذلك، جزء كبير من شرق ولاية سنار، منها أبو نعامة والقلابات في ولاية القضارف وأعلن أنه ينوي الوصول إلى الخرطوم حدود مملكته. لكن عام 1902، قام السير جون لين كارلنغتون بتوقيع اتفاقية نيابة عن ملك إنجلترا عن مصر والسودان وبين منليك الثاني ملك الحبشة كدولة مستقلة، تتعهد فيها الحبشة – إثيوبيا الآن – بعدم القيام بأي منشآت على نهر النيل الأزرق ونهر السوباط ونهر عطبرة، وهو الاتفاق الذي اعتبرته إثيوبيا، وبالمقابل تم ترك إقليم بني شنقول لهم لإدارته بالإيجار
أثناء الاحتلال الإيطالي للحبشة في ثلاثينيات القرن الماضي، فكر الإيطاليون في تحويل مياه النيل الأزرق إلى البحر الأحمر، لكنهم اصطدموا بالتضاريس التي جعلت عملية التنفيذ ليست بالسهولة التي توقعوها كما أن الإنجليز لم يمهلوهم وتدخلوا وأخرجوا إيطاليا من إثيوبيا عام 1941
عاد الرأس تفاري لحكم الحبشة الذي نزعه من لِيق إِيَاسُو، حفيد منليك الذي عاد إلى دين والده، الأمير محمد علي، حاكم مقاطعة ولو، والذي حاربه منليك الثاني وأجبره على التنصر، وزوجه من بعد ابنته للاستعانة به وفرسانه في تدعيم حكمه
والرأس تفاري كان لاجئًا بالسودان ومقيمًا لدى الشريف يوسف الهندي، الذي توجد قبة جده الشريف يوسف الهندي، أبو والده الشريف محمد الأمين، في بني شنقول، والتي كانت سودانية حتى احتلها منليك الثاني، ونزحت منها العديد من العائلات السودانية
لقب رأس تفاري نفسه بهيلا سيلاسي، ووصف نفسه بأسد يهوذا المنتصر، ملك صهيون، ملك ملوك الحبشة، ومختار الرب
ولعبت الولايات المتحدة الأمريكية في عهده دورًا في الصراع المائي بين إثيوبيا ووادي النيل، خاصة مصر، حيث اهتمت بإثيوبيا، لأنها مدركة أهميتها في معادلة المياه، وقامت من خلال هيئة استصلاح الأراضي الأمريكية، وهي هيئة حكومية، بعمل دراسات على حوض نهر النيل الأزرق، واقترحت إنشاء ٣٣ مشروعًا للسدود، من بينها سد الحدود بسعة ١١ مليار متر مكعب، وأوضحوا أن أرض إقليم بني شنقول لا تتحمل أكثر من ذلك بحكم طبيعة التربة البركانية الهشة
بينما اليوم، السعة ٧٤ مليار متر مكعب، وبه الآن في مطلع خريف ٢٠٢٥، ٦٠ مليار متر مكعب، ومتوقع أن تزيد سعة السد باكتمال الملء الأخير هذا العام عن السعة القصوى للسد، وتوقع الخبراء أن تمر المياه من فوق الممر الأوسط، أو تُفتح أبواب المفيض مليارًا
الجدير بالتنبيه أن المختصين حذروا من خطر انهيار السد الجانبي (سد السرج) الذي يمكن السد الرئيسي من حجز ٦٠ مليارًا إضافية لسعته. وهو سد على جانب ضفة النهر بين جبلين على طول ٥ كيلومترات. كذلك، الجبال نفسها كحاجز طبيعي من المحتمل أن تنهار كما حدث في سد فيونتا الإيطالي في الستينات، والذي دمر وقتل
حفظ الله شعوب بني شنقول السوداني المحتل، وشعبي السودان ومصر من الدمار




