باريسيات.. ٣
محمد بدوي مصطفى
سألني غير واحد من أهلي وإخواني أن أكون لي تجربة في أدب السيرة مثل تلك التي كتبها طه حسين في “الأيام”، والطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال”، ويحيى حقي في “قنديل أم هاشم”، وتوفيق الحكيم في “عصفور من الشرق”. كذلك ألح عليّ بعض الأصدقاء، حتى إذا كنت قد قررت أن أبدأ في هذا المجال، وجدتني، كما قال أستاذنا طه حسين في أيامه، أبدأ مشوارًا طويلاً لا أملك من أسبابه الكثير.
لقد عدت في هذا الذي أبسطه بين أيديكم هنا، أطال الله في أعماركم إخوتي، إلى مخزن الذكرى ومخزون الذاكرة، إلى ما كان لدي من محاولات وكتابات صغيرة تناثرت هنا وهناك بين مسكني القديم في مدينة ليون ومقامي الحالي في مدينة كونستانز، تلك المدينة الساحرة، التي ترقد على بحيرتها كالهمزة على سطرها في أقصى دنيا ألمانيا.
لم أترك كرتونة كتب أو كيس أو درج قد تكدست فيه صحائفي المسجونة، منتظرة بزوغ شمس حرية التعبير، لكي تنطق بما في داخلها عن ذكرى ماضٍ أكل عليه الدهر وشرب، إلا وفتحته. صلت وجلت في مخزني معلنًا حملة فتح الأكياس والأوكار القديمة كمشعوذ يبحث عن ثعابين في كل جحر. تكاثرت القصاصات وتفرعت المواضيع، فقررت أن أجعل من “باريسيات”، حلقات متسلسلة على شكل عقد قصصي فريد، ليته يشابه العقد الفريد لابن عبد ربه.
فاسمحوا لي أن أعود بكم الآن إلى مطار شارل ديغول مرة ثانية!
هل تذكرون ما حدثتكم عنه في الحلقة السابقة من “باريسيات” (٢)؟
سردت لكم، أطال الله في عمركم، عن تجهجه وحيرة ذلك الطفل الشاب في مطار شر دخول باحثًا عن “مخرج آمن”. وكما تعلمون، فقد شددت الرحال إلى تلك البلاد الساحرة وأنا في عمر الزهور، خارجًا من بلدي “برأس حنين” و”بشنطة حمزة”.
وبعد أن لفظت بجملتي التي تعرفونها: “يا كافي البلا، البلد دي مافيها ريحة سوداني واحد”!
أنزل الله لي الأخوين السودانيين، وكأنما داعب لساني في تلك اللحظة زجاجة سحرية، فنطقت بكلمة سحر، كما في أدبنا العربي: “أطلع يا سمسم”، أو في أدبنا الشعبي “شخارم بخارم”، أو “أشبيك لبيك سودانيين بين إيديك”!
بدا لي الرجلان عن قرب وكأنني أحمل منظارًا مكبرًا. وقفت أمامهما مهلوسًا وموسوسًا تارة، وملهللاً ومكبرًا تارة أخرى.
فحركتهما، وهما يتقدمان أمامي، أوحت لي بمدى ثباتهما في بلاط شارل ديغول الأملس، فدخل هذا المشهد السكينة إلى قلبي. تقدمت نحوهما بحذر، سائلاً متلهفًا:
- إنتما سودانيان؟
- نعم!
- إنت من أي أسرة؟
- من أسرة كذا كذا.
- مالك واقف هنا؟ هل لديك مشكلة؟
حدثتهما عن حالي وأحوالي…
قال لي أحدهما، والذي أصبح بعد عقدين من الزمان من تلك اللحظة من أعز الأصدقاء: - لقد رأيتك بالأمس في بنك البركة مع والدك!
- نعم، كنت أريد حينها استخراج شهادة المقدرة المالية لمتابعة إجراءات السفر.
قال لي، وبدون مقدمات، ضاغطًا على يدي بقوة: - خذ هذا المبلغ واذهب إلى هذا المكان!
- وما هذا، أطال الله في عمرك؟
- حجز في فندق مونبِرناس بقلب مدينة باريس.
- وأنت؟
- سوف أذهب مع رفيقي إلى “الهوليداي إن” قرب المطار. فتعال معنا لاحتساء فنجان من القهوة هناك، وبعد ذلك سوف يأخذك التاكسي إلى الفندق.
كادت دموعي تسيل من شدة الارتياح النفسي الذي أصابني في تلك اللحظة، “وأحسست بدفء الحياة في العشيرة”، كما ذكر الطيب صالح في “موسم هجرته إلى بلاد الغرب”، حين رجع إلى وطنه.
بعد أن رافقت صديقيّ إلى “الهوليداي إن”، أقلني التاكسي إلى فندق مونبرناس.
في الطريق عبر شوارع باريس الفارهة، قلت في نفسي:
- ما أعظم هذا البلد:
نظام، تناسق، جمال، عظمة، نظافة، بهاء، توافق، روعة، بديعة، لمعان، بهرجة. يا للمناظر البديعة، ويا لجمال الطبيعة في بلاد الجن والملائكة.
فلفظت بجملة جدتي: “قادر الله في ملكه”! وتذكرت حينها القولة المشهورة: “وجدت الإسلام ولم أجد المسلمين”…
وصلت الفندق، واصطحبني موظف الاستقبال المتأنق، بأدب جم، إلى غرفتي. - هل تحتاج إلى أي شيء؟
قالها بفرنسية “أساسية” عجزت نيرونات مخيخي عن استيعابها في تلك اللحظة.
أجبت بإنجليزية مكسرة: - كل شيء على ما يرام.
ثم سككت الباب ورائي، وبدأ الحلم الباريسي يتدفق…
حلم لطالما عشقت فكرته طوال سنوات الدراسة في مدرسة المؤتمر الثانوية بأم درمان. كنت أحلم مع رفاقي من عشاق اللغة الفرنسية، عن باريس وعن فرنسا. وكنا نتبارى في “تحريك اللغة”، كما كان يقول صديقي المشوطن سربون، بلهجته الرقيقة وحركاته العبسنجيّة البديعة.
كان أستاذ نور الدين، (أطال الله بعمره)، أستاذ اللغة الفرنسية في المدرسة، يحدثنا عن رقي ورقة الفرنسيين وعن أدبهم الجم وحضارتهم الرفيعة. وكان يكره بشدة جلافة السودانيين، خاصة هؤلاء الذين يرددون شعارات مثل رواد “نادي العماري” في سوق الشمس و”حجاج نوداي البلح الرياضية” في قلب العباسية.
كان يقارن ويغضب ويضرب الأمثال بلا انقطاع، وكل ذلك في هدوء تقطعه لحظة من النرفزة الجنونية.
كان يقول:
– هل تعلمون يا أولاد؟ الفرنسيون هؤلاء لا يُشبههم أحد في العالم. هم “عملة نادرة”. أناقتهم فوق التصور، وجمالهم فوق العادة. حبهم للعمل والطبيعة والنظافة بلا حدود. إنهم ناس حلوين حلاة شديدة. بناتهم شعورهن مثل ذنب الحصان، لا يحتاجن لا إلى كريمات ولا إلى زيت سمسم. عندما تمشي في الشانزليزيه، أرقى شوارع العاصمة الفرنسية، لا تقابلك أبدًا لافتة مكتوب عليها “ممنوع التبول”، مع رائحة كريهة تحبس الأنفاس. في شوارع باريس، تشم العطور التي يتركها المارة على أرصفتها من مسك وعطور إيف سان لوران، وكريستيان ديور، وبرادا، وشانيل. والملابس؟ دعك منها! قادر الله!
كنت أستمتع في حديث أستاذي، خاصة لأنه كان ينقلنا في رحلة خيالية إلى هذا العالم السحري المجهول. بالنسبة لنا، في تلك السن الصغيرة، كانت كل كلمة منه بمثابة نافذة لعالم بعيد. لذلك، كنت دائمًا أنتظر دروس اللغة الفرنسية بفارغ الصبر، لأعيش تلك الرحلة السحرية التي كانت تتحقق مع كل درس.
كان حديث أستاذي يذكرني بروح أستاذنا البروفسير محمد الواثق في قصيدته “أمدرمان تحتضر”، حيث تحدث عن الحياة الرغدة في أوروبا وحبيبته مونيك، وسبّ أمدرمان واصفًا إياها بكل قبيح، قائلًا:
“ألا حبذا أنت يا أمدرمان من بلدٍ
أمطرتني نكدا لا جادك المطر …
ولا أحب بلادًا لا ظلال لها
يُظلها النيم والهجليج والعُشر…”
ما قاله الواثق وأستاذ نور الدين يتناقض مع ما ذكره الأستاذ الحردلو في قصيدته الشهيرة “نحن”:
“نحن الساس ونحن الرأس ونحن الدنيا جبناها… وبنيناها… بويت في بويت.”
كان أستاذ نور الدين يتهكم على قول الحردلو، ويصفه بمرض “اللحس العقلي”.
– والله يا أولاد، لو أخذنا الحردلو من التُّكل الذي يقبع فيه هذا، وأخذناه إلى باريس في يوم من الأيام، لأصابه “جنون البقر”!
ساس منو وراس منو؟ أمشو كده وراء سينما الوطنية في أمدرمان وشوفوا الساس ولحم الرأس. شوفوا المعمعة الشديدة!
طبعًا كان يلمح إلى المشاهد الفظيعة والروائح القذرة، والمخلفات المتناثرة بين “قاطعي الجمار” المتناثرين كالذباب بين يافطة الفيلم الهندي وطبلية التبش بالشطة. مناظر فظيعة، أليس كذلك؟
وتتابعت الأحلام في تلك الليلة الباريسية الرطبة وكأنها شريط سينمائي ينقلني بسرعة الزمن إلى دنيا الماضي (ريتروسبكتيف). مددت صفحتي على سرير الدبل الطري، ورحت في آخر نومة…
(يتبع)




