مجتمع

الكذبة الكبرى: التاريخ الإسلامي «المجيد»

تاريخ إغفال الرسالة والتدافع على كراسي الحكم والسلطة

عبد الحميد اليوسفي*

جنازة فنان، تجمع الملايين؛ جنازة لاعب كرة قدم أو مُلاكِم، تبكي فيها الجماهير بعشرات ومئات الآلاف؛ جنازة سياسي متلوّن، تتحول إلى مهرجانات تأبين ودعوات إلى الاقتداء…

بينما صاحب الرسالة الخاتم، الذي جاء بالرحمة للعالمين كافة، بقي بعد وفاته ثلاثةَ أيام مُسْجىً في بيته، بصحبة ثلاثة أنفار فقط لا غير، من بينهم عائشة وعلي… بينما «أصحابه/أحبّاؤه» منشغلون في سقيفة بني ساعدة، يتدافعون على السلطة، و حتى لمّا دفنوه، فعلوه ذلك ليلاً، ربما لكي لا يطّلع أحد على ما صار عليه جثمانُه الطاهر… ومِن هنا بدأت «الكذبة الكبرى»!!

سمّينا نحن تلك الكذبة «تاريخاً إسلامياً»، ووصفه مؤرخونا بالتاريخ «المجيد» فنقلنا منهم ذلك بلا تمحيص… وما هو بالإسلامي ولا بالمجيد. وسمّيناه «تاريخاً لدين الله»، وما هو في حقيقته إلاّ «تاريخ بشر»، و»تاريخ صراع كراسي»، و«تاريخ دم».

في ظلال سقيفة بني ساعدة، «وُلِدت السياسة» قبل أن «تُجَهَّزَ الجنازة»، وبذلك لم تكن اللحظة الأولى بعد وفاة النبي لحظةَ عزاء، ولا لحظةَ مراجعةٍ للرسالة، ومناسبةً لاستحضار مرتكزاتها ودعاماتها الرسالية، بل كانت مجرد لحظة حساب بشري دنيوي يطرح سؤالاً فريداً لا ثانِيَ له: من سَيَحكُم؟

في ذلك المنعطف الخطير، سبق الخلاف على الحكم عمليةَ دَفْنِ الجثمان الشريف الطاهر، وهنا بدأ «انقلابُنا على أعقابنا» من «أمة دعوة»، إلى «أمة دولة»، و»أمة سُلطة»، قبل حتى أن نستكمل فهمنا لمعنى «لا إكراه في الدين»، ومعنى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»… وبذلك، أيضاً، كانت تلك اللحظةُ بمثابة البذرةِ الأولى لكل ما جاء بعدها من «البَوَار» المغطّى بأردية «المجد»… وأحرص هنا على التميبز بين رسالة الرسول وخاتم النبيين، وبين كل ما جاء به المحسوبون على ملته السمحاء، ممّا أوصَلَنا إلى ما نحن عليه اليوم من التخلف والتشرذم والانتكاس.

عندما صار الصحابي يقتل الصحابي بمجرد وفاة صاحب الرسالة، نتج عندنا أن الخلفاء الراشدين الأربعة، ماتوا جميعهم مقتولين؛ ثم نتج على إثر ذلك، وكتحصيل حاصل، اقتتال باقي الصحابة في معركتَي «الجمل» و»صفين»، فسقط فيهما وحدهما نحو مائة ألف صحابي، كان كلٌّ منهم يهلّل ويُكبّر ويطلب الجنة، تماماً كما يفعل أحفادهم اليوم في مختلف جهات هذا الوطن التعس… فأيّ مجد هذا الذي يبدأ بقتل الصحابة الحاكمين ثم يستمر بقتل التابعين ومَن تبعهم بإحسان؟

أي مجد هذا الذي تُرفَع فيه المصاحف على أسنة الرماح من أجل نيل مقاعد الحكم والسلطة، إذا لم يكن الدين فيه قد خرج من المسجد ليدخل إلى أسواق الحُكْم والسلطة؟ وإذا لم يتحول الدم فيه، منذ يومئذ، إلى العملة المتداولة التي يسدّد بها المترشحون ثمن شراء صولجان الحُكم؟

فما الذي جاء بعد تلك البدايات البئيسة؟ لقد جاءت حروب ومعارك خارجية سمّيناها «فتوحات إسلامية»، وما هي بالفتوحات، بل كانت في جوهرها محضَ امتداد طبيعي لمنطق الإمبراطوريات القديمة الآفلة، كالروم والفرس والمغول… وغيرها.

جيوش عرمرمة تتحرك من أجل الأرض والغنائم والسبي والجزية… بينما يُلبسُها فقهاؤها والمؤرّخون لها عباءةَ «نشر دين الرحمة»… فأي رحمة تلك، في الوقت الذي أمر الله فيه «بالبلاغ» ليس إلاّ، ولم يأمر بغزو بلاد السند ولا الهند ولا الأندلس، ولا حتى شمال إفريقيا الذي يدين اليوم بالدين ذاته، وقد كان أهاليه من الذكاء وعزة النفس والكبرياء، ما يجعلهم يتقبّلونه بصدور رحبة، ويتبنّون رسالته السمحاء بمجرد وصول تعاليمه إليهم بالحكمة والموعظ الحسنة، ودليل ذلك ما فعله هؤلاء الأمازيغ الأحرار مع إدريس الأول بمجرد أن لجأ إلى ربوعهم، حيث اتخذوه إماماً، ثم جعلوا منه هم أنفسُهم مؤسِّسَ دولتهم المسلمة الأولى بالمنطقة، دون أن يَشْرع سيفاً أو يُريق قطرةَ دم، وقد حل بينهم وحيداً بلا جيوش ولا حتى كوكبة حراسة.

إذَن، فقد كان «المجد» الذي نحكي عنه في كتب التاريخ، مبنياً على منطق: «توسَّعْ»، «اِغتنِ»، «اُحْكُمْ»… تماماً كما فعل من سبقنا ومن لحق بنا من الغزاة.

وليت الأمر وقف عند ذلك الحد، بل يحكي التاريخ ذاتُه أن الأمر انتهى إلى قتل فكرة «الشورى»، بسرعة قياسية،

ليأتي بعد ذلك بنو أمية ويحوّلوها إلى مُلك عاض؛ ثم يأتي بعدهم العباسيون، بعد أن أشبعوا فيهم تقتيلا وتمزيقاً، فأضافوا إلى خلافاتهم القصورَ والجواري، ثم جاء المماليك ثم العثمانيون، فأضافوا هم الآخرون القمعَ والقتلَ في السرّاء والضرّاء… وبذلك صار الحاكم ظل الله في الأرض، وصار العالِم فقيهَ بلاطٍ يُفتي تحت الطلب، وصارت المعارضة زندقة، واشتغلت مصانع الحديث بإنتاج الروايات المزكّية لممارسات أولي الأمر الجدد أولئك… والبقية يعلمها منا الخاص والعام !!

هكذا، توارثنا عبر أكثر من ثلاثة عشر قرناً نفس النموذج: سلطة مطلقة + عقيدة مُسخَّرة + شعوب تدفع الثمن… والنتيجة؟ هي نفسها التي نراها اليوم: دول تقتل باسم الدين، ودول تقتل باسم القومية، ودول تقتل باسم الأمن والاستقرار… والدم واحد، دمٌ مسلمٌ بالإسم في الظاهر، أما في الباطن فعلمه عند علام الغيوب.

إن «المجد» الذي نبحث عنه في تاريخنا «التليد» لن نجده مطلقاً في قصور دمشق ولا بغداد ولا قرطبة… وذلك، لأن

المجد الحقيقي مدفون في حجرة صغيرة بالمدينة، مع رجل قال قيد حياته: «ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء».  رجل طاهر دفنَتْه وشَيّعَتْه قِلّةٌ قليلةٌ بعد قولته: «لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى»… تلك التقوى التي دفنها السلف هي أيضاً تحت ركام العصبيات والقبائل والمذاهب والطوائف وهلمّ تفريقاً وعَبَثاً.

إننا، يا حضرات، لا نحتاج إلى تاريخ «مجيد»، مجده مزيف، لنتباهى به في المناسبات، بل نحتاج إلى «مراجعة جِرّيئة» تقول بصوت واضح: «إن ما كان إسلامياً حقاً قد انتهى بانتهاء الوحي، وإن ما جاء بعده كان تاريخَ خلفاءٍ وأمراءِ حربِ وتُجّارِ سلطة، لبسوا الدين كما يلبس السياسيون اليوم شعاراتِ الوطنيةِ وعباءاتِ المُواطَنة.

إننا لكي نخرج من هذا الواقع المثير للرثاء، علينا أولاً أن نُسمّيَ الأشياء بأسمائها، وأن نُقِرّ بأن المشكل ليس في الرسالة، بل المشكل فينا نحن، حين تركنا الرسالة وانشغلنا بكراسي الحُكم والسلطة.

وختامه مسك: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (البقرة-134).

———————-

* باحث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق