مجتمع

مدائن المعرفة

فلورنسا ... غجرية التوسكانا

د. محمد بدوي مصطفى

غجرية، بإيجابية المعنى الذي يختلج في قلب هذه المدينة العريقة بالفن والجمال والسحر الطبيعيّ. فلورنسا، اسم كجملة موسيقية، مكان لي فيه ذكريات عبقة لن تنسى، على مسرح أوبرالي من مسارحها، سعدت بمشاركة الشيخ طه، رحمة الله عليه، أحد كبار عازفي الأكورديون في الشرق وعضو سابق في فرقة أحمد عدوية، والعديد من الفنانين الآخرين. استقبلتنا فلورنسا بعد رحلة مضنية بالطائرة عبر جبال الألب وحسبت ساعتئذ أنها ستكون الأخيرة من شدّة الرج والخج على متن الطائرة وهل لكل ذلك علاقة بجبال الألب ومجالاتها المغنطيسية!؟ تقع فلورنسا، هذه الغجرية، في الجزء الشمالي من وسط إيطاليا، وهي عاصمة مقاطعة فلورنسا وإقليم توسكانا وتشمخ كأكبر مدنه وأكثرها سكانا وأهمها تراثا تاريخيا وفنيا واقتصاديا وإداريا، إذ يبلغ عدد سكانها 366.488 نسمة.  يعبرها نهر أرنو، الذي أحدث في ستينات القرن المنصرم فيضانات عارمة راح إثرها عشرات الموتى، وأحدثت أضرارًا جسيمة في المال والملك. تعد المدينة من أهم الوجهات الشعبية في إيطاليا؛ حيث أنها تشتهر بنبيذها المعتق الجيد والمشهور في كل أنحاء أوروبا بنكهته المتميزة، فضلًا عن تاريخ تليد ومطبخ تقليديّ معروف يتضمن العديد من المأكولات المأثورة لدى الزائرين. وكل تلك العوامل مهدت إلى أن تكون المدينة موطنًا للنهضة وقوة أوروبية كبرى ذلك من القرن الثالث عشر وحتى القرن الخامس عشر، فازدهرت بها جميع أنواع الفنون، وخلال عصر الاستكشاف شهدت فلورنسا تقدمًا علميًا في عدة مجالات أهمها علم التشريح، ورسم الخرائط، وعلم الفلك ومجالات أخرى لا يتسع المجال لذكرها، لذلك فليس من الغريب أنها كانت في فترة من الفترات عاصمة إيطاليا، لكن لم تدم تلك الفترة حيث استمرت لست سنوات في نهاية القرن التاسع عشر ١٨٦٥ – ١٨٧١ عندما توحدت إيطاليا. لعبت فلورنسا في عصور أوربا الوسطى دورًا هاما من النواحي الثقافية، التجارية والمالية، وتعتبر دون مغالاة مهد عصر النهضة وخروج أوروبا من غياهب الفقر والجهل إلى عصر الحضارة والأنوار. اشتهرت كعلم للفن والعمارة ذلك ما توحيه مبانيها التاريخية العديدة ومعالمها ومتاحفها الغنية لا سيما المدينة القديمة بها، التي أعلنت من قبل اليونسكو كموقع للتراث العالمي منذ عام ١٩٨٢، لذلك سميت وبكل فخر، أثينا العصور الوسطى، وكانت ولا تزال حقيقة واحدة من أجمل مدن العالم.

إن تاريخ فلورنسا قديم ويصل إلى سنة ٥٩ قبل الميلاد عندما أُسست قرية “فورنسيا” لبعض من جنود الرومان وكانت من ثمّة مقرًا لأسقفية منذ القرن الرابع عشر والجدير بالذكر أن المدينة أو لنقل القرية قد وقعت تحت سيطرة العديد من الجماعات: البيزنطيين، القوط الشرقيين، اللومبارديين، الفرنجة ويقال إن عدد السكان فيها قد انخفض بسبب الحروب حتى وصل إذذاك إلى ما يقارب الألف نسمة. بيد أن المدينة بدأت في التطور والتقدم منذ بداية القرن الثاني عشر حيث صارت بلدية بحكم ذاتيّ. ولم يعق تقدمها وازدهارها الصراع الذي نشأ بها في القرن الثالث عشر بين الإمبراطوريين والبابويين. وصارت مع الوقت رغم ذلك أكثر مدن أوروبا ازدهارًا وساعد على ذلك طرح عملتها الذهبية الفلورين.

يعتمد اقتصاد فلورنسا في الوقت الحالي على دخل السياحة التي لازالت تعاني من أضرار جائحة كورونا ومن جهة أخرى على المدخول الذي يأتي عبر الدراسة في جامعاتها العريقة. تنتج المدينة إضافة إلى ذلك الكيماويات، والأثاث، والمواد الغذائية، والسلع المطاطية، والأحذية، والملابس حيث يوجد بها شركتي أزياء رئيسيتان وهما غوتشي وفيراغامو، ولقد كانت فلورنسا عاصمة الموضة في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، وتشتهر فلورنسا أيضا بالحرف اليدوية التقليدية مثل صنع الأواني المعدنية الثمينة، والأواني الزجاجية، ونسخ الفن، والسيراميك، والجلود، وتقام في المدينة الكثير من المعارض المهمة مثل عروض الأزياء العالمية، والمعرض الدولي للتحف، ومعارض الحرفيين العديدة. من معالم فلورنسا السياحية الهامة نجد ميدان لا بيازا ديلا سينيوريا، وتعتبر هي الساحة المركزية في المدينة، وهي ساحة واسعة يقع بها قصر فيكو القرووسطي، نجد أيضا جسر بونتي فيكو ويتمركز على أضيق نقطة في نهر أرنو، ويعتبر أقدم جسر بها ويعود شكله الحالي إلى منتصف القرن الرابع عشر، وفي الآخر نجد إحدى علامات المدينة المميزة هي متحف سان مارك، الذي اشتهر نسبة للفنان فرا أنجيليكو الذي عمل به عندما كان ديرًا آنذاك وترك بصماته فيه عبر العديد من اللوحات المشهورة. فلورنسا مدينة ساحرة، غجرية بكل المعايير، فلابد من رؤيتها والسبح في عالمها التاريخي البديع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق