ثقافة وفن

مرآة الشعر العربيّ والشعر النوبيّ

دراسة مقارنة

د. مكي علي إدريس

هذه نبذة مقتضبة، في مجال الشّعر بصفة عامة، والشعر النوبي بصفة خاصة، علّها تفيد المشتغلين فيه والمتلقين، والمؤمّل أن تشاركونا في إثراء المقال لمزيد من التوضيح والتصحيح. ولكم الشكر!

عناصر الإبداع في الشِّعر الشّعبيّ

مقدّمة

الشِّعر الشّعبيّ نشاط لا يحدث عفو الخاطر، ولا يتحقّق عرَضاً، إذ لا بدّ من توافر مؤهّلات، تجعل الشّاعر قادراً على ممارسة ذلك النّشاط الفكريّ، بصفته المحدّدة، يقول فاخر عادل ، عن صفات المبدع، أنّه يتمتع منذ طفولته بنشاطٍ ودقّة ملاحظة، ودرجةِ عاليةٍ من الاستجابة في الحواس المختلفة، وقُدرة على التّعبير عن أحاسيس ومشاعر الآخرين وتفسير سلوكهم، كما يتميّز باتساع في المعرفة العامّة وعُمقٍ في فهم الأشياء، والشّاعر ذو قدرة على ترويض الكلمات والعبارات وتطويعها لخدمة أفكاره، بلغة فيها الكثير من التّورية والرّمزيّة.

لا بد للشّاعر من امتلاك ناصية لغته ليمارس إبداعه، فإلى جانب إلمامه الكافي بمفردات لغته، لا بد من توفّر القُدرة على الاستعمال المجازي لها، والمرونة في استعمال قواعدها اللّغويّة، وإجادة صياغة الأساليب الشِّعريّة، ومن المفضّل أن يُحسن الشّاعر الغنائيّ، عزفَ آلةٍ موسيقيّة واحدة على أقل تقدير.

قسّم بعض الباحثين، هارولد شويب  مثالاً، المؤهّلات إلى نوعين، مؤهّلات خارج شخصيّة الشّاعر “موروثه التّقليدي وبيئته التي نشأ فيها”، ومؤهّلات شخصيّة “سِعة خياله، قدرته على قرض الشِّعر، جمال صوته، واستعداده الجُسماني”، ويعتقد الباحث السّوداني فرح عيسى محمد  “، أنّ صلاحيّة الجسم لممارسة الرّقص، وإجادة عزف آلة موسيقيّة، شروط هامّة للشّاعر الإفريقيّ جنوب الصحراء، حيث يرتبط الإبداع بالأداء بصورة جذريّة، إذ لا طريقة لأداء الشِّعر دون غناء، ما يحتّم مصاحبة إيقاع موسيقيّ واهتزاز جسميّ تعبيريّ، إذا لم يكن رقصاً بمفهومه الاصطلاحي. انتهى.

دوافع الإبداع الشِّعريّ

إنّ افتقاد أي عملٍ فكريّ، للدّوافع الموضوعيّة، ينحرف به تلقائيّاً إلى الصّنعة والتّكلّف، وهما من مثالب الإنتاج الفكريّ، والدّوافع النّفسيّة هي الغالبة في إنشاء الشِّعر، لأنّ طبيعة العمل الشِّعريّ تتّسم برهافة الحِسّ وتحفّز الشّعور، فالشّاعر تنْتابهُ هزّاتٍ روحيّة، لأحداثٍ تقع عليه أو شاهدها في حياة الآخرين، سعيدة كانت أو حزينة، فيعبّر عن استجابته لدواعي الاستفزاز، بإنتاج شعريّ طلباً للمتنفّس النّفسي.

ويرى آخرون أنّ الدّوافع لا تقتصر على الجانب النّفسي فحسب، بل هناك دوافع أخرى كالطّمع في الكسب المادّي، أو البحث عن شُهرة، ولكن الطّمع المادّي لا يصدُق في حقّ بعض الشِّعراء، الّذين ينظّمون الشِّعر ويبذلون المال لنشره، والّذين ينشرون إنتاجهم تحت أسماء مُستعارة، كما ينفي عنهم صفة البحث عن الشّهرة. ويشير بعض الباحثين في موضوع الدّوافع، إلى السّليقة الفنّيّة في الشّاعر، فهي تدفعه إلى البحث الدّؤوب، عن المتعة والجمال في أكمل صورة، ومن أجل ذلك يتحمّل مشقّة المعاناة، ويكابد عُسر المخاض الشِّعريّ ليبدع عملاً، يكون حصاده منه متعة خاصّة.

هذه الدّوافع النّفسيّة والسليقة التي ذكرها الباحثون، تصْدُق على الشِّعر عموماً، في الفُصحى والعاميّة، ويتساوى في ذلك أهل الفصحى والشّعبيّون.

طرق التّدريب

الموهبة لا تعطي ثمارها الحقيقيّة، دون صقلها بالمران والتّدريب، وهناك أمثلة لطُرق ووسائل التّدريب، فمثلاً الاستماع المتكرّر والممارسة للأعمال الإبداعيّة، في محيط الأسرة أو المجتمع اللّصيق بالناشئ، مهمّة وضروريّة، تتيح له فرص الاستفادة من تجارب الآخرين، حيث يتلقّى التّشجيع والمساندة من الأسرة في المراحل الأولى، ولكن حينما يصل الناشئ مستوى معيّنا من القُدرات، يتراجع التّشجيع الأُسري، ليقف مع جمهور المتلقّين النّاقد، ومن ثمّ يتركه الجميع ليعالج شئون الإبداع بقدراته الخاصّة، في التّعلم عن طريق الملاحظة والاستماع ثم التجريب، 

وينطبق مثل هذا التّدريب في مجتمع شعراء الصّيد عند الماندي في مالي، وفي أغاني الطّار في منطقة وادي حلفا، والنّوبة السُّفلى في مصر، وفي أغاني الطّنبور بمناطق السِّكّوت والمحس ودُنْقُلا، وهناك نوع آخر من التّدريب يتمّ عن طريق مرافقة النّاشئ لشاعر مقتدر لفترة من الزّمن، حتى يهضم عن طريق الملاحظة طُرق الأداء، وكيفيّة معالجة وتطويع اللّغة، بحيث تصبح شِعْريّة الطّابع، وأسلوبه في استغلال التُّراث بطريقة مُثلى لخدمة أهدافه الإبداعيّة.

تمثّل اللّغة رُكناً أساسيّاً في عمليّة الإبداع الشِّعريّ، غير أنّ بعض الباحثين يشير إلى الإلهام والتّلقين، كما ورد في كتب الأقدمين، في اعتقاد شعراء الجاهليّة، بأنّ لهم توابع من الشّياطين، تُلهمهم الشِّعر” شياطين وادي عبقر”، ويُماثل هذا ما أورده محمد هارون كافي “، عن أنواع من الشِّعر المتّصل بالكُجُور، يؤلّفه الكُجُور في لحظات اللاّوعي التي تنتابُه، حيث يتفوّه حينها بشعرٍ يزعم أنّه من إلهام وتلقين أرواح غيبيّة.

دور الجمهور

والجمهور هنا، هم جماعة الحاضرين لحظة أداء المادّة الفلْكلّوريّة ( The audence)، وغالباً ما يكون من أفراد المجتمع المحدّد، رجال، أو رجال ونساء، وأحياناً يشترك الأطفال في الحكايات الشّعبيّة، ويلعب الجمهور دوراً هاماً في الإبداع، حيث أنّ طابع التّصرّفات الصّادرة من الجمهور، تعدّ في الواقع عنصراً تقليديّاً في بناء الحكاية، نثريّة أو شِعريّة، لأنّ رواية الحكاية نشاط مشترك بين الرّاوي وجمهرة المستمعين، لبلورة دراميّتها، مابين سرد الرّاوي وما يقوم به الجمهور من التّجاوب والتّفاعل المؤثّر في الموقف، كما في نصوص أغنية ” إيسب وهيلا، 1983-1993- 2003م”، للشّاعر مكي علي إدريس، وهي ضرب من الامثُولة الشّعبيّة، ونجدها في أعمال الشِّعراء النّوبيّين إبراهيم عبده، ” اوندي ondii” و”ابُّودي abbuudii”، والشّاعر الفاتح شرف الدّين ” حمدن اس” hamed-nas، وعلي هشّاق ” يا سلام ya-salaam” ، ومحمد ورْدي، في مؤلّفه ” شووقرن كنتين ..علي سليم shuugarin-kantiin Ali seliim” ومثل أغاني الخوسة في جنوب إفريقيا، والملاحم اليوغسلافيّة، والمسدار في الشِّعر الشّعبيّ السّوداني، ويتصاعد دور الجمهور في العمليّة الإبداعيّة، إلى درجة التّأثير على الإبداع في نفس اللّحظة سلباً أو إيجاباً.

فالجمهور الّذي يستمتع بنجاح المبدع الغنائيّ وفق معاييره، ويتوقّع منه المضيّ قُدماً في مشواره الابداعيّ، هو نفس الجمهور الّذي يقف إلى صفّ المقلّدين على حساب أصحابها الأصليين، ويقوم بترويج بضاعة المقلدين (النُسخ)، بذرائع اقتصادية، وأحياناً نفسية، (يحدث هذا في واقعنا السّوداني والنّوبي بالطبع)، ولهذا الدّور جانبان، أحدهما إيجابيّ، وهو تشجيع الواعدين في مراحلهم الأولى، وجانب آخر سلبيّ، وهو جنوح بعض الفنّانين إلى مقاضاة المقلّدين في المحاكم، وعزوف البعض الآخر عن مواصلة التأليف لاحقاً. ولعل في إحياء دور المصنّفات الفنّيّة وتفعيلها في الآونة الأخيرة، بصيص أملٍ في معالجة هذه السّلبيّات.

المناسبة

ولفظ المناسبة يُقصد بها ما تُعبّر عنه المفردة الإنجليزية occasion، وهي المناسبة التي تقدّم فيها المادّة الفلكلّوريّة كحدث، يشاهده أو يستمع إليه جمهور، ويدخل في مدلول المناسبة مكان وزمان تقديم المادّة ونوع الجمهور، وما يقدَّم للحاضرين من أنواع الطّعام والشّراب، ويلاحظ هنا الارتباط الوثيق بين المادّة المقدَّمة، ومناسبات دورة الحياة في المناشط الاجتماعيّة والدّينيّة والسّياسيّة للمجتمعات الشّعبيّة المختلفة، فمثلاً نجد “مجلس البرامكة” في غرب السّودان وهو عبارة عن نشاط اجتماعي، تؤدّى فيه المادّة الشِّعريّة الشّعبيّة، لتعميق وإذاعة الأهداف الاجتماعيّة لإنشاء ذلك المجلس المحدّد.

كما نجد ذلك الجوّ المهيّأ لإنشاد الشِّعر، أو رواية الحكايات ذات الطّابع الدّينيّ، في المناسبات الدّينيّة، كما في أذكار وابتهالات الطُّرق الصّوفيّة، في السّودان وبعض الدّول الإسلاميّة، كسرد أشعار الذّكر والمدائح والابتهالات الدّينيّة، إبّان طقوس مولد الرسول (ص)، وموالد الأوّلياء، وما أورده يولي بيير uulli Beier عن مجتمع قبيلة اليوربا في نيجيريا، حيث يُخصّص يوم معين لإله الحرب والمعدّات الحديديّة، وتُغنّى فيه أغاني تُعرف باسم إيجالا.

ورث النّوبيون في شمال السّودان، أسلوباً للمنافسة في إلقاء الشِّعر يسمّى كلّوقيّه kallogiyya، وتعني المجادعة في اللّغة النّوبيّة، ويُعرف في العاميّة السّودانيّة بالمباراة أي المجاراة، أو المطارحة الشِّعريّة، يكون فيه التنافس مشروطا بوحدة الموضوع المتنافَس عليه، في مجالات الغزل، الفخر، المدح، والدّم، وهي منافسات تُقام لقياس الملَكات الشِّعريّة وجودة الحفظ والإلمام بالتُّراث النوبيّ.

يروجُ إنشاد الشِّعر وروايته، في مجالس السّمر والتّرفيه عند شعوب كثيرة، وفي مناسباتها العامّة، اجتماعيّة كانت أو دينيّة أو سياسيّة، ولعل الظّروف الاقتصاديّة هي التي تحدّد التّوقيت المناسب لتلك المناسبات، والاجتماعيّة منها بشكلّ خاص، كمواسم الحصاد التي تكثر فيها طقوس الزّواج وغيرها، أما الزّمن المناسب لتلك الطّقوس فهو “اللّيل” دون شكّ، لما فيه من خلود للرّاحة وترويح عن النّفس بعد عناء العمل اليوميّ، وهو ميقات توافقت عليه معظم شعوب الأرض تقريباً، باستثناء منطقتيّ “السِّكّوت والمحس”، في شمال السّودان، حيث تمّ حظر طقوس الغناء في مناسبات الزّواج ليلاً، من قِبل جماعات دينيّة متشدّدة، قوبل برفضٍ شعبيٍّ عارم.

ترتبط عمليّة الإبداع الشِّعريّ كثيراً، بالمناسبات الاجتماعيّة والطّقوس الدّينيّة، فالشّاعر المبدع يتشكلّ إبداعه للتّعبير عن تلك المناسبات المحدّدة، في إطار تفاعل المجتمع معها، كأحداث هامة في حياتهم.

لم يتمّ توثيق أشعار الأقدمين، لقلّة وسائط الحفظ، ولم يتبقّى منها إلاّ النّذر اليسير، الّذي حفظته الذّاكرة الشّعبيّة، من أشعارٍ وأمثال وحِكم نوبيّة، وفي مجال الألغاز النّوبيّة ” كوسوْر kosor”، والأدب السَّاخر (قيلِن كيري giilin-keere)، وأدب الفكاهة النّوبيّة ( نُوْكته nukta)، بمعنى مُبتَدَع.( ونتابع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق