ثقافة وفن

الجذور التاريخية والروحية، التحولات الاجتماعية، وإشكالية الهوية ما بعد الإبادة (المجتمع الإيزيدي في العراق أنموذجاً)

تقديم لكتاب الدكتور خليل جندي... الشخصية الإيزيدية

الدكتور‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الفكي‭ ‬البشير

حين‭ ‬تتعرض‭ ‬جماعة‭ ‬بشرية‭ ‬للإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬جريمةً‭ ‬بحق‭ ‬الضحايا‭ ‬وحدهم،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬طعنٌ‭ ‬في‭ ‬إنسانية‭ ‬أحرار‭ ‬العالم،‭ ‬ووصمةُ‭ ‬عارٍ‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء‭. ‬فالمأساة‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬فقدان‭ ‬الأرواح،‭ ‬وتدمير‭ ‬الممتلكات،‭ ‬والاقتلاع‭ ‬من‭ ‬الأرض،‭ ‬والنزوح‭ ‬القسري،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أعمق‭ ‬وأشد‭ ‬خطراً‭: ‬محاولة‭ ‬محو‭ ‬الذاكرة،‭ ‬واقتلاع‭ ‬الهُوية،‭ ‬وتمزيق‭ ‬الروابط‭ ‬التي‭ ‬تحفظ‭ ‬للجماعة‭ ‬وجودها‭ ‬ومعناها‭ ‬واستمراريتها‭. ‬إن‭ ‬الإبادة‭ ‬لا‭ ‬تستهدف‭ ‬الإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬فرداً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تستهدف‭ ‬كذلك‭ ‬ذاكرته‭ ‬الجماعية،‭ ‬وتاريخه،‭ ‬وثقافته،‭ ‬وأسماء‭ ‬أماكنه،‭ ‬وروايته‭ ‬لذاته‭ ‬وللعالم‭ ‬من‭ ‬حوله‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬مقاومة‭ ‬المحو،‭ ‬وحفظ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وصون‭ ‬الهوية،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استعادة‭ ‬للماضي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬دفاع‭ ‬عن‭ ‬حق‭ ‬الجماعة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬حاضرةً‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأن‭ ‬تورّث‭ ‬أبناءها‭ ‬ذاكرتها‭ ‬ومعناها،‭ ‬وأن‭ ‬تواصل‭ ‬وجودها‭ ‬بوصفها‭ ‬جماعةً‭ ‬إنسانيةً‭ ‬لها‭ ‬حق‭ ‬أصيل‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والكرامة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الإبادة‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬توثيق‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬وتسجيل‭ ‬حجم‭ ‬الخسائر،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتصل‭ ‬كذلك‭ ‬بفهم‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬المأساة،‭ ‬والإنصات‭ ‬إلى‭ ‬تجربته،‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الصمود،‭ ‬واستعادة‭ ‬ذاته،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬حياته‭ ‬ومستقبله‭. ‬فبعد‭ ‬الكارثة‭ ‬لا‭ ‬تبدأ‭ ‬مهمة‭ ‬النجاة‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الدمار‭ ‬المادي‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬تبدأ‭ ‬أيضاً‭ ‬معركة‭ ‬استعادة‭ ‬المعنى،‭ ‬وترميم‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بالذات‭ ‬وبالآخر‭ ‬وبالمستقبل‭. ‬

وتزداد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬المآسي‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعيدةً‭ ‬عن‭ ‬بعضها‭ ‬بعضاً؛‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬يعيش‭ ‬بيئةً‭ ‬إنسانيةً‭ ‬جديدة،‭ ‬قوامها‭ ‬الوحدة‭ ‬الجغرافية،‭ ‬والوحدة‭ ‬الكوكبية،‭ ‬والترابط‭ ‬غير‭ ‬المسبوق‭ ‬بين‭ ‬المجتمعات،‭ ‬والجوار‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬كجوار‭ ‬البيوت،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬وحدة‭ ‬المصير‭ ‬المشترك‭ ‬للإنسانية‭ ‬جمعاء‭.  ‬ولذلك‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فهم‭ ‬الآخر‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصيته‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬ترفاً‭ ‬فكرياً،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبح‭ ‬ضرورة‭ ‬أخلاقية‭ ‬وإنسانية،‭ ‬فكلما‭ ‬ازداد‭ ‬وعينا‭ ‬بالآخر،‭ ‬أصبحنا‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬ذواتنا،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قيم‭ ‬التعايش،‭ ‬وبناء‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الأرض‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حفظ‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وفهم‭ ‬المأساة،‭ ‬واحترام‭ ‬خصوصية‭ ‬الآخر،‭ ‬ليست‭ ‬قضايا‭ ‬منفصلة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حلقات‭ ‬مترابطة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬غايتها‭ ‬حماية‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬تكرار‭ ‬المأساة‭. ‬فحين‭ ‬نعرف‭ ‬الآخر‭ ‬ونصغي‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرته،‭ ‬نفتح‭ ‬مجالاً‭ ‬للتفاهم؛‭ ‬وحين‭ ‬نعترف‭ ‬بإنسانيته‭ ‬وخصوصيته،‭ ‬نعزز‭ ‬قيم‭ ‬التعايش؛‭ ‬وحين‭ ‬نحول‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬جرحٍ‭ ‬مفتوح‭ ‬إلى‭ ‬وعيٍ‭ ‬مسؤول،‭ ‬فإننا‭ ‬نجعل‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬المأساوي‭ ‬مصدرًا‭ ‬للعبرة،‭ ‬وأداةً‭ ‬لإحداث‭ ‬التغيير،‭ ‬وبناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬وعدلاً‭ ‬وإشراقاً‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬يأتي‭ ‬كتاب‭ ‬المفكر‭ ‬الإيزيدي‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭: ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية‭: ‬الجذور‭ ‬التاريخية‭ ‬والروحية،‭ ‬التحولات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬وإشكالية‭ ‬الهوية‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ (‬المجتمع‭ ‬الإيزيدي‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬أنموذجاً‭)‬،‭ ‬ليقدم‭ ‬قراءة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الحدث‭ ‬المأساوي‭ ‬إلى‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬عاشه،‭ ‬وإلى‭ ‬الثقافة‭ ‬والذاكرة‭ ‬والهُوية‭ ‬التي‭ ‬قاومت‭ ‬محاولات‭ ‬الاقتلاع‭. ‬وتنبع‭ ‬قيمة‭ ‬الكتاب‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مؤلفه‭ ‬لم‭ ‬يسع‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬سرد‭ ‬تاريخي‭ ‬للأحداث،‭ ‬أو‭ ‬اختزال‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيزيدي‭ ‬في‭ ‬مأساة‭ ‬الإبادة،‭ ‬باعتباره‭ ‬ضحية‭ ‬لها،‭ ‬وإنما‭ ‬اتجه‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية‭ ‬في‭ ‬امتدادها‭ ‬التاريخي‭ ‬وجذورها‭ ‬الروحية،‭ ‬وفي‭ ‬بنيتها‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وفي‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬عليها،‭ ‬وفي‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬الهُوية‭ ‬ومستقبل‭ ‬الجماعة‭. ‬وأهم‭ ‬تلك‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬لامسها‭ ‬المؤلف،‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجماعة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬كما‭ ‬يوازن‭ ‬المؤلف‭ ‬بين‭ ‬استحضار‭ ‬الذاكرة‭ ‬بوصفها‭ ‬أحد‭ ‬المكونات‭ ‬الأساسية‭ ‬للهُوية،‭ ‬واستشراف‭ ‬المستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬أفقاً‭ ‬للتعافي‭ ‬والتجدد‭.‬‭ ‬وقد‭ ‬لخّص‭ ‬المؤلف‭ ‬منطلقه‭ ‬المنهجي،‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬تنطلق‭ ‬هذه‭ ‬الدراسة‭ ‬بوصفها‭ ‬محاولة‭ ‬علمية‭ ‬نقدية‭ ‬لتحليل‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية‭ ‬في‭ ‬أبعادها‭ ‬التاريخية‭ ‬والروحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والنفسية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ ‬بوصفها‭ ‬سياقاً‭ ‬تحويلياً‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهله‮»‬‭. ‬ولعل أبرز‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬أهميته‭ ‬المنهجية‭ ‬أن‭ ‬مؤلفه‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيزيدي‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬المراقب‭ ‬الخارجي‭ ‬أو‭ ‬الباحث‭ ‬المنفصل‭ ‬عن‭ ‬موضوع‭ ‬دراسته،‭ ‬وإنما‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬داخلية‭ ‬تتأسس‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬البنية‭ ‬التاريخية‭ ‬والروحية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬للمجتمع‭ ‬الإيزيدي‭. ‬وتكتسب‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬دلالتها‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الكتابات‭ ‬التي‭ ‬تناولت‭ ‬الإيزيديين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬والتي‭ ‬أسهمت،‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬تصورات‭ ‬نمطية‭ ‬واختزالية‭ ‬عن‭ ‬هويتهم‭ ‬ومعتقداتهم‭ ‬وبنيتهم‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬تجاوز‭ ‬هذه‭ ‬التصورات‭ ‬أحد‭ ‬الأبعاد‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬الكتاب‭.‬

وتتأكد‭ ‬خصوصية‭ ‬هذه‭ ‬المقاربة‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬موقع‭ ‬مؤلف‭ ‬الكتاب‭ ‬وخبرته؛‭ ‬فالمفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل،‭ ‬وهو‭ ‬السفير‭ ‬والأستاذ‭ ‬الجامعي،‭ ‬يُعد،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬زميله‭ ‬الكاتب‭ ‬والباحث‭ ‬الإيزيدي‭ ‬بير‭ ‬خضر‭ ‬سليمان‭ (‬1952-‭ ‬2021‭)‬،‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الإيزيديين‭ ‬الذين‭ ‬كتبوا‭ ‬عن‭ ‬الإيزيديين‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬مجتمعهم،‭ ‬وذلك‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬منذ‭ ‬تلك‭ ‬البدايات‭ ‬المبكرة،‭ ‬واصل‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬الكتابة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬الإيزيدي،‭ ‬وظل‭ ‬وفياً‭ ‬لهذا‭ ‬المسار‭ ‬المعرفي‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬تجربته‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والفكرية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬مجرد‭ ‬دراسة‭ ‬جديدة‭ ‬لموضوع‭ ‬إيزيدي،‭ ‬بل‭ ‬يأتي‭ ‬امتداداً‭ ‬لتجربة‭ ‬معرفية‭ ‬مبكرة‭ ‬سعى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬المؤلف‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الإيزيدي‭ ‬شريكاً‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬عن‭ ‬مجتمعه،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬تتناوله‭ ‬كتابات‭ ‬الآخرين‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬يوضح‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬أن‭ ‬دراسته‭ ‬تسعى‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬مقاربة‭ ‬تحليلية‭ ‬للشخصية‭ ‬الإيزيدية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬بنيتها‭ ‬التاريخية‭ ‬والروحية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التوصيفات‭ ‬الاستشراقية،‭ ‬أو‭ ‬السياسية،‭ ‬أو‭ ‬الإعلامية‭ ‬السطحية‮»‬‭.‬

ويكتسب‭ ‬الكتاب‭ ‬أهميته‭ ‬من‭ ‬انطلاقه‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬تجعل‭ ‬الإنسان‭ ‬محوراً‭ ‬للمعرفة،‭ ‬وترى‭ ‬أن‭ ‬فهم‭ ‬المجتمعات‭ ‬والوعي‭ ‬بالثقافات‭ ‬المختلفة‭ ‬حتمية‭ ‬أخلاقية‭ ‬تفرضها‭ ‬البيئة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬عالم‭ ‬اليوم‭. ‬وتزداد‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬بكون‭ ‬مؤلفه‭ ‬المفكر‭ ‬الإيزيدي‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭ ‬من‭ ‬الداعين‭ ‬للاحتفاء‭ ‬بالإنسان،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الهُوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بوصفها‭ ‬الإطار‭ ‬الجامع‭ ‬للمشترك‭ ‬الإنساني،‭ ‬والمدخل‭ ‬الأرحب‭ ‬لترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬التفاهم‭ ‬والتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬وبناء‭ ‬السلام‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬يصبح‭ ‬الكتاب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬بعينه؛‭ ‬فهو‭ ‬مدخل‭ ‬لفهم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والذاكرة‭ ‬والهوية،‭ ‬وبين‭ ‬المأساة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬النهوض،‭ ‬وبين‭ ‬حفظ‭ ‬الخصوصية‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬المشترك‭ ‬الإنساني‭. ‬كما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالاً‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحالة‭ ‬الإيزيدية‭ ‬نفسها‭: ‬كيف‭ ‬تستطيع‭ ‬الجماعات‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬للعنف‭ ‬والإبادة‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬إنسانيتها‭ ‬وذاكرتها‭ ‬وهُويتها،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬جدار‭ ‬يفصلها‭ ‬عن‭ ‬الآخر؟‭ ‬وتتضاعف‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ظواهر‭ ‬التطرف‭ ‬والإرهاب‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬إقصاء‭ ‬الآخر‭ ‬وإنكار‭ ‬إنسانيته‭. ‬فـتنظيم‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ (‬داعش‭)‬،‭ ‬الموبوء‭ ‬بظلام‭ ‬الفكر،‭ ‬وظلم‭ ‬الممارسة،‭ ‬والجهل‭ ‬بقيمة‭ ‬الإنسان،‭ ‬فغدى‭ ‬مسكوناً‭ ‬بالشر،‭ ‬لم‭ ‬يستهدف‭ ‬الإيزيديين‭ ‬بوصفهم‭ ‬أفراداً‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬استهدف‭ ‬وجودهم‭ ‬وهويتهم‭ ‬وذاكرتهم‭ ‬وموروثهم‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني‭.  ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬دراسة‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية‭ ‬بعد‭ ‬الإبادة‭ ‬لا‭ ‬تنفصل‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬خطاب‭ ‬الكراهية‭ ‬والتطرف،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قيمة‭ ‬التنوع‭ ‬بوصفه‭ ‬ثراءً‭ ‬إنسانياً‭ ‬وليس‭ ‬تهديد‭ ‬للآخر‭. ‬وهكذا،‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬ليست‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬جماعة‭ ‬دينية‭ ‬وثقافية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يواجه‭ ‬أقصى‭ ‬أشكال‭ ‬العنف،‭ ‬وفي‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الألم‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬لاستعادة‭ ‬الذات،‭ ‬وتحويل‭ ‬المأساة‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬جديدة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إنسانية‭ ‬تحتاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للإنسان،‭ ‬وإلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالآخر‭ ‬واحترام‭ ‬التنوع‭ ‬والتعدد،‭ ‬وإلى‭ ‬بناء‭ ‬هوية‭ ‬إنسانية‭ ‬جامعة‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬الخصوصيات،‭ ‬وإنما‭ ‬تجعل‭ ‬منها‭ ‬روافدَ‭ ‬للمشترك‭ ‬الإنساني،‭ ‬وطريقاً‭ ‬إلى‭ ‬التفاهم‭ ‬والتعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬والسلام‭.‬

المسؤولية‭ ‬الإنسانية‭ ‬والواجب‭ ‬الأخلاقي

يضع‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الإنسانية‭ ‬جمعاء،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المسلمين،‭ ‬أمام‭ ‬واجبٍ‭ ‬أخلاقي‭ ‬تجاه‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬تعرّض‭ ‬لها‭ ‬الإيزيديون‭ ‬في‭ ‬سنجار‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬ليس‭ ‬بالإدانة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬بالعمل‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬الإيزيديين،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬ضرورة‭ ‬الإسهام‭ ‬في‭ ‬تنمية‭ ‬وعي‭ ‬المسلمين‭ ‬والإنسانية،‭ ‬ببشاعة‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬للإيزيديين‭. ‬فلقد‭ ‬حان‭ ‬وقت‭ ‬أداء‭ ‬هذا‭ ‬الواجب،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬الإبادة‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬إسلامي،‭ ‬وأن‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬سعى‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬ممارساته‭ ‬بوصفها‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬فهمه‭ ‬المنحرف‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مسؤولية‭ ‬المفكرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬ومواجهته‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭. ‬إن‭ ‬الإبادة‭ ‬حدث‭ ‬إنساني‭ ‬كبير‭. ‬يقول‭ ‬المؤلف‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الإبادة‭ ‬‮«‬مجرد‭ ‬حدث‭ ‬أمني،‭ ‬أو‭ ‬إنساني‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬شكّلت‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية‭ ‬فاصلة‮»‬،‭ ‬شهدت‭ ‬معها‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية‭ ‬تحوّلاً‭ ‬جذرياً‭. ‬فلقد‭ ‬‮«‬أدّت‭ ‬الإبادة‭ ‬وما‭ ‬تلاها‭ ‬من‭ ‬تهجير‭ ‬واسع،‭ ‬وشتات‭ ‬إلى‭ ‬تفكك‭ ‬البنى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التقليدية‭ ‬وتغيّر‭ ‬أنماط‭ ‬العيش،‭ ‬وظهور‭ ‬توترات‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬الفرد‭ ‬والجماعة،‭ ‬وبين‭ ‬المقدس‭ ‬واليومي،‭ ‬وبين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والواقع‮»‬‭. ‬ويتعاظم‭ ‬هذا‭ ‬الواجب‭ ‬الأخلاقي‭ ‬حين‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬تاريخ‭ ‬الإيزيديين‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬سجل‭ ‬مشحون‭ ‬بالاضطهاد‭ ‬والمظالم‭ ‬والعنف،‭ ‬بصورة‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬فريدة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأمم‭ ‬والجماعات‭. ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬المصادر‭ ‬والمراجع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإيزيديين‭ ‬تعرضوا‭ ‬إلى‭ ‬المئات‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والعنف‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬في‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة،‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬إبادة‭ ‬2014‭. ‬وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬السجل‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬الممنهج‭ ‬والانتهاكات‭ ‬المتكررة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الإيزيديين‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬القديمة‭ ‬والعريقة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وأن‭ ‬لهم‭ ‬إسهامات‭ ‬أصيلة‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬التراث‭ ‬الإنساني‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬مما‭ ‬لحق‭ ‬بهم‭ ‬ظلوا‭ ‬متمسكين،‭ ‬بهويتهم‭ ‬ودينهم،‭ ‬يطرحون‭ ‬المبادرات‭ ‬الخلاقة،‭ ‬في‭ ‬إثراء‭ ‬التعددية‭ ‬الدينية،‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭. ‬كما‭ ‬قدموا‭ ‬نموذجاً‭ ‬إنسانياً‭ ‬فريداً‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬الأذى،‭ ‬والامتناع‭ ‬عن‭ ‬الثأرات،‭ ‬وفاءً‭ ‬واتساقاً‭ ‬مع‭ ‬مرجعيتهم‭ ‬الفكرية‭ ‬والدينية‭. ‬

ومن‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬الفريدة‭ ‬من‭ ‬الفداء‭ ‬الإنساني،‭ ‬وما‭ ‬جسّده‭ ‬الإيزيديون‭ ‬من‭ ‬صبر‭ ‬على‭ ‬الأذى‭ ‬وتمسك‭ ‬بالكرامة‭ ‬والوجود،‭ ‬ومن‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬التطلع‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل،‭ ‬يُلهمنا‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬ويحفزنا‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬سؤالين‭ ‬مركزيين‭ ‬متداخلين‭ ‬يتجاوزان‭ ‬الحالة‭ ‬الإيزيدية‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬إنسانية‭ ‬أوسع‭: ‬لماذا‭ ‬تقع‭ ‬الإبادات‭ ‬الجماعية؟‭ ‬وما‭ ‬العامل‭ ‬المشترك‭ ‬بينها،‭ ‬سواء‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬الإيزيديون‭ ‬أم‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الإبادات‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬الإنسانية؟

إن‭ ‬إجابتي‭ ‬عن‭ ‬هذين‭ ‬السؤالين،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬تاريخية‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭ ‬فحسب؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الإبادة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يفقد‭ ‬الإنسان‭ ‬اعترافه‭ ‬بإنسانية‭ ‬الآخر،‭ ‬وحين‭ ‬يتحول‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬الإثنية‭ ‬أو‭ ‬الثقافة‭ ‬أو‭ ‬الهُوية‭ ‬إلى‭ ‬مبرر‭ ‬للإقصاء‭ ‬والكراهية‭ ‬والعنف‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬مقاومة‭ ‬الإبادة‭ ‬تبدأ،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للإنسان‭ ‬بوصفه‭ ‬إنساناً‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تأتي‭ ‬إجابتي‭ ‬عن‭ ‬السؤالين‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬احترامي‭ ‬ومحبتي‭ ‬للأخوات‭ ‬الإيزيديات‭ ‬والإخوة‭ ‬الإيزيديين‭ ‬حيثما‭ ‬كانوا،‭ ‬وتجسيداً‭ ‬للشراكة‭ ‬في‭ ‬المبادرة‭ ‬الفكرية‭ ‬والإنسانية‭ ‬الخلاقة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬المفكر‭ ‬الإيزيدي‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭. ‬فالإيزيديون‭ ‬إخوة‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وشركاء‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المستقبل،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُنظر‭ ‬إليهم‭ ‬باعتبارهم‭ ‬ضحايا،‭ ‬كونهم‭ ‬يمتلكون‭ ‬حقهم‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬صورتهم‭ ‬عن‭ ‬ذواتهم‭ ‬ومستقبلهم،‭ ‬وفق‭ ‬قيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬ومعطيات‭ ‬العصر‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬عبر‭ ‬عنه‭ ‬المؤلف،‭ ‬متناولاً‭ ‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬الذات‭ ‬الإيزيدية،‭ ‬فكتب،‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬من‭ ‬خلال‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية،‭ ‬يمكن‭ ‬للكاتب‭ ‬الإيزيدي‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬تفسيرًا‭ ‬جديدًا‭ ‬للذات،‭ ‬يُظهر‭ ‬الإيزيديين‭ ‬كجزء‭ ‬أساسي‭ ‬من‭ ‬النسيج‭ ‬الإنساني‭ ‬والثقافي‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تصويرهم‭ ‬كضحايا‭ ‬أو‭ ‬جماعة‭ ‬منعزلة‮»‬‭. ‬

وتأتي‭ ‬اجابتي‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬مرجعيتي‭ ‬الفكرية،‭ ‬وهي‭ ‬الفهم‭ ‬الجديد‭ ‬للإسلام‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬المفكر‭ ‬السوداني‭ ‬محمود‭ ‬محمد‭ ‬طه‭ (‬1909-‭ ‬1985‭)‬،‭ ‬ويمثل‭ ‬عندي‭ ‬مشروع‭ ‬بحثي‭ ‬مفتوح‭ ‬ومستمر‭. ‬طرح‭ ‬طه‭ ‬فهماً‭ ‬إنسانياً‭ ‬للإسلام،‭ ‬جعل‭ ‬الانسان،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬إنسان،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬دينه‭ ‬ولونه‭ ‬ولسانه‭ ‬وإثنيته‭ ‬ونوعه‭/ ‬جنسه،‭ ‬محوراً‭ ‬وغاية‭. ‬ورأى‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الأديان‭ ‬والكتب‭ ‬المقدسة‭ ‬والفلسفات،‭ ‬ماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬وسيلة‭ ‬للغاية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬الانسان،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تستمد‭ ‬قيمتها‭ ‬من‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬خدمة‭ ‬الإنسان‭ ‬والارتقاء‭ ‬بحياته‭. ‬ويقوم‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬على‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى‭: ‬الحرية‭ ‬والمساواة‭ ‬والسلام‭ ‬والمحبة‭ ‬وكرامة‭ ‬الإنسان‭. ‬وأن‭ ‬المفاضلة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هم‭ ‬ناس،‭ ‬تكون‭ ‬بالعقل‭ ‬والأخلاق،‭ ‬وليس‭ ‬بالدين‭ ‬واللسان‭ ‬والإثنية‭ ‬واللون‭ ‬والنوع‭/ ‬الجنس‭. ‬ولذلك‭ ‬يقول‭ ‬طه‭ ‬‮«‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬أدنى‭ ‬ما‭ ‬يطلب‭ ‬من‭ ‬الأديان‮»‬،‭ ‬كون‭ ‬الدين،‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬الإنساني،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قوة‭ ‬لتوحيد‭ ‬الناس‭ ‬وبناء‭ ‬السلام‭ ‬وتجسيد‭ ‬المحبة،‭ ‬لا‭ ‬ذريعة‭ ‬للقتل‭ ‬والإقصاء‭ ‬والإبادة‭. ‬ولهذا‭ ‬يقول‭ ‬طه‭ ‬‮«‬إن‭ ‬الأديان‭ ‬مرجوة‭ ‬لتوحيد‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬المحبة‮»‬‭. ‬ويدعو‭ ‬طه‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬والإنسانية،‭ ‬لا‭ ‬للموت‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬والإنسانية‭. ‬والإنسان،‭ ‬عنده،‭ ‬‮«‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬عاداته‭ ‬إنسانية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬الإنسان‭ ‬المتمدن‭. ‬وقد‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬طلب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬سلاحاً‭ ‬نارياً‭ ‬ليحمي‭ ‬حياته‭ ‬من‭ ‬المتطرفين،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬الاعتداء‭ ‬عليه‭ ‬أثناء‭ ‬تقديمه‭ ‬لمحاضرة،‭ ‬رد‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أُقتَلْ‭ ‬ولا‭ ‬أَقتُل‮»‬‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬الهائلة‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭ ‬الإنساني‭ ‬للإسلام‭ ‬وبين‭ ‬ما‭ ‬مثله‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‭ ‬في‭ ‬سنجار‭ ‬عام‭ ‬2014‭. ‬فقد‭ ‬كان‭ ‬داعش،‭ ‬في‭ ‬ممارساته‭ ‬تجاه‭ ‬الإيزيديين،‭ ‬نموذجاً‭ ‬صارخاً‭ ‬للجهل‭ ‬بالدين‭ ‬والإنسان؛‭ ‬إذ‭ ‬حوّل‭ ‬الاختلاف‭ ‬الديني‭ ‬إلى‭ ‬مبرر‭ ‬للعنف،‭ ‬وحاول‭ ‬أن‭ ‬ينزع‭ ‬عن‭ ‬الآخر‭ ‬إنسانيته‭ ‬وحقه‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬والكرامة‭. ‬وهنا‭ ‬تتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬بوصفه‭ ‬منظومة‭ ‬قيم‭ ‬إنسانية،‭ ‬وبين‭ ‬توظيف‭ ‬الدين‭ ‬لتبرير‭ ‬العنف‭ ‬والتطرف‭. ‬فداعش‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معياراً‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬الإسلام،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختزل‭ ‬تجربة‭ ‬الإيزيديين‭ ‬في‭ ‬كونهم‭ ‬ضحايا‭ ‬داعش‭. ‬الأول‭ ‬يمثل‭ ‬انحرافاً‭ ‬عن‭ ‬جوهر‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والثاني‭ ‬يمثل‭ ‬شعباً‭ ‬ومجتمعاً‭ ‬وثقافة‭ ‬وهُوية‭ ‬قاومت‭ ‬العنف‭ ‬وتمسكت‭ ‬بحقها‭ ‬في‭ ‬الوجود‭.‬

هذا‭ ‬الفهم‭ ‬الإنساني‭ ‬للإسلام‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬طه،‭ ‬لم‭ ‬يحتمله‭ ‬سجناء‭ ‬الماضي‭ ‬وسليلو‭ ‬تناسل‭ ‬الجهل،‭ ‬فقادوا‭ ‬التآمر‭ ‬عبر‭ ‬تحالف‭ ‬ديني‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الإسلامي،‭ ‬انتهى‭ ‬بالحكم‭ ‬على‭ ‬طه‭ ‬بالإعدام‭ ‬شنقاً‭ ‬حتى‭ ‬الموت،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتراجع‭ ‬قيد‭ ‬أنملة‭ ‬عما‭ ‬قال‭ ‬وكتب،‭ ‬ليتم‭ ‬تنفيذ‭ ‬حكم‭ ‬الإعدام‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬يناير‭ ‬1985‭. ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬أن‭ ‬أعلنت‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬نوفمبر‭ ‬1986‭ ‬بطلان‭ ‬الحُكم‭ ‬الصادر‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬طه‭. ‬ووصفت‭ ‬الحكم‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬كيدٍ‭ ‬سياسيٍ‭. ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬نشهد‭ ‬اليوم‭ ‬التدافع‭ ‬لدراسته،‭ ‬والسعي‭ ‬لتنزيل‭ ‬مرتكزاته‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والقيمية‭ ‬الكامنة‭ ‬فيه،‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬كحلول‭ ‬وبرامج‭ ‬عمل‭ ‬تطبيقيه‭.‬

يسوقنا‭ ‬الفهم‭ ‬الجديد‭ ‬للإسلام‭ ‬إلى‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬السؤالين‭ ‬بأن‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الإبادات‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬البشرية،‭ ‬وأن‭ ‬سبب‭ ‬وقوعها،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬دوافعها‭ ‬وحقبها‭ ‬التاريخية،‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬الجهل،‭ ‬ولكن‭ ‬الجهل‭ ‬بماذا؟‭ ‬الجهل،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬طه،‭ ‬بحقيقة‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬والجهل‭ ‬بالإنسان‭ ‬وموقعه‭ ‬من‭ ‬البيئة‭. ‬وترجع‭ ‬حقيقة‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية،‭ ‬عند‭ ‬طه،‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬بيئة‭ ‬روحية‭ ‬ذات‭ ‬مظهر‭ ‬مادي‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬الكائنات‭ ‬والمخلوقات‭ ‬جميعها،‭ ‬وأكرمها‭ ‬الإنسان،‭ ‬هي‭ ‬مظهر‭ ‬الله‭ ‬وصور‭ ‬لتجلياته‭ ‬في‭ ‬الأرض‭. ‬وبهذا‭ ‬فإن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬إنسان،‭ ‬عند‭ ‬طه،‭ ‬هو‭ ‬موضع‭ ‬محبة،‭ ‬كوننا‭ ‬نحب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬خلائقه،‭ ‬وأكرمها‭ ‬الإنسان،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مظهر‭ ‬الله،‭ ‬وحامل‭ ‬روح‭ ‬الله‭. ‬ويرى‭ ‬طه‭ ‬أن‭ ‬الفهم‭ ‬السائد‭ ‬للإسلام،‭ ‬فهم‭ ‬عاجز‭ ‬عن‭ ‬الاستجابة‭ ‬لمتطلبات‭ ‬العصر،‭ ‬والتلبية‭ ‬لاحتياجات‭ ‬الإنسان‭ ‬المعاصر،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬الجهل‭ ‬بحقيقة‭ ‬البيئة‭ ‬الطبيعية‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬الجهل‭ ‬بالإنسان‭ ‬والأديان،‭ ‬وتفشي‭ ‬القتل‭ ‬واستمرار‭ ‬قانون‭ ‬الغابة‭. ‬ولا‭ ‬يسع‭ ‬المجال‭ ‬للتفصيل‭ ‬والتوسع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬ولكني‭ ‬سأتناوله‭ ‬في‭ ‬ورقة‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬كلما‭ ‬زاد‭ ‬الجهل‭ ‬انتشر‭ ‬الشر‭: ‬الإبادات‭ ‬الجماعية‭- ‬سجل‭ ‬البشرية‭ ‬في‭ ‬الجهل‭ ‬بالبيئة‭ ‬والإنسان‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬انجزتها‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬العلمي‭ ‬الدولي‭ ‬الرابع‭: ‬جينوسايد‭ ‬الإيزيديين‭ ‬2014‭ ‬بين‭ ‬الذاكرة‭ ‬والعدالة،‭ ‬تنظيم‭ ‬كلية‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬مركز‭ ‬بيشكجي‭ ‬للدراسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬دهوك‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مركز‭ ‬لالش‭ ‬الثقافي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬إقليم‭ ‬كردستان‭- ‬العراق،‭ ‬مدينة‭ ‬دهوك،‭ ‬والذي‭ ‬سيعقد‭ ‬خلال‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬سارت‭ ‬الأمور‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭.‬

التجارب‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬الإقصاء‭ ‬والعنف‭ ‬والإبادة

لا‭ ‬جدال‭ ‬في‭ ‬أننا،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬البيئة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الجديدة،‭ ‬أصبحنا‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التعارف،‭ ‬عبر‭ ‬الحوار‭ ‬والبحث‭ ‬والتنقيب‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬الشعوب‭ ‬والثقافات،‭ ‬واكتشاف‭ ‬ما‭ ‬يجمع‭ ‬بينها‭ ‬وما‭ ‬يثري‭ ‬اختلافها‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬مكوناتها‭ ‬يكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬متزايدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬المجتمعات‭ ‬وتتقارب‭ ‬فيه‭ ‬المسافات،‭ ‬فإن‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬الإقصاء‭ ‬والعنف‭ ‬والإبادة،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬الذي‭ ‬أهدانا‭ ‬إياه‭ ‬المفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬يكتسب‭ ‬أهمية‭ ‬مضاعفة‭. ‬ولا‭ ‬يتصل‭ ‬الأمر‭ ‬باستعادة‭ ‬الألم‭ ‬أو‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬المأساة،‭ ‬وإنما‭ ‬بتحويل‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬معرفة،‭ ‬والمعرفة‭ ‬إلى‭ ‬وعي،‭ ‬والوعي‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية؛‭ ‬مسؤولية‭ ‬ترسخ‭ ‬ثقافة‭ ‬الاعتراف‭ ‬المتبادل،‭ ‬واحترام‭ ‬التنوع،‭ ‬ومقاومة‭ ‬الكراهية،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬باعتبارها‭ ‬قيمة‭ ‬عالمية‭ ‬مشتركة‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬التجزئة‭ ‬أو‭ ‬الانتقاص‭. ‬ذلك‭ ‬لأن‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬احترام‭ ‬فكره‭ ‬وحريته،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وحقه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬آمنًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هويته‭ ‬وثقافته‭ ‬ودينه،‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬من‭ ‬الإقصاء‭ ‬أو‭ ‬الاضطهاد‭ ‬أو‭ ‬العنف‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬احترام‭ ‬التنوع‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي‭ ‬تجاه‭ ‬الآخر،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬احترام‭ ‬للإنسانية‭ ‬ذاتها؛‭ ‬لأن‭ ‬الإنسانية‭ ‬لا‭ ‬تتجلى‭ ‬في‭ ‬التشابه،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬اختلافاتنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬صراعات،‭ ‬وأن‭ ‬نجعل‭ ‬من‭ ‬التعدد‭ ‬مصدرًا‭ ‬للتعارف‭ ‬والتكامل،‭ ‬لا‭ ‬ذريعة‭ ‬للكراهية‭ ‬والإبادة‭.‬

ويذكّرنا‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬بالواجب‭ ‬الأخلاقي؛‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬يعيش‭ ‬واقعًا‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬المصائر‭ ‬الإنسانية‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬فإن‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬المشتركة‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬معرفة‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬التقريب‭ ‬بين‭ ‬الشعوب،‭ ‬وتعزيز‭ ‬ثقافة‭ ‬الحوار،‭ ‬وترسيخ‭ ‬قيم‭ ‬العدالة‭ ‬والحرية‭ ‬والعيش‭ ‬المشترك‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬الأفق،‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬إسهاماً‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬الإنسان،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مختلفًا،‭ ‬وأن‭ ‬يعيش‭ ‬بكرامة‭ ‬وسلام‭.‬

ولعل‭ ‬الرسالة‭ ‬الأعمق‭ ‬التي‭ ‬يتركها‭ ‬لنا‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬غاية‭ ‬كل‭ ‬معرفة،‭ ‬وأن‭ ‬حماية‭ ‬كرامته‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬المعيار‭ ‬الأخلاقي‭ ‬لكل‭ ‬دين‭ ‬وفكر‭ ‬وسياسة‭ ‬ومؤسسة‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬يصبح‭ ‬التعارف‭ ‬بين‭ ‬الإيزيديين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وبين‭ ‬المسلمين‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وبين‭ ‬مختلف‭ ‬مكونات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬حوار‭ ‬بين‭ ‬جماعات‭ ‬متمايزة،‭ ‬وإنما‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬إنساني‭ ‬مشترك،‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالآخر‭ ‬أساساً‭ ‬للسلام،‭ ‬ومن‭ ‬الحرية‭ ‬شرطاً‭ ‬للكرامة،‭ ‬ومن‭ ‬المحبة‭ ‬نقيضاً‭ ‬للعنف‭ ‬والكراهية‭. ‬وهكذا‭ ‬يكشف‭ ‬لنا‭ ‬كتاب‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭ ‬أن‭ ‬معرفة‭ ‬الآخر‭ ‬ليست‭ ‬فضولاً‭ ‬معرفياً،‭ ‬وإنما‭ ‬مسؤولية‭ ‬أخلاقية،‭ ‬وأن‭ ‬إنصاف‭ ‬الضحية‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بمجرد‭ ‬الاعتراف‭ ‬بمأساتها،‭ ‬بل‭ ‬يكتمل‭ ‬حين‭ ‬نعمل‭ ‬معها،‭ ‬ونحترم‭ ‬هويتها،‭ ‬ونشاركها‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬لا‭ ‬تتكرر‭ ‬فيه‭ ‬المأساة‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قراءة‭ ‬في‭ ‬الشخصية‭ ‬الإيزيدية،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬دعوة‭ ‬مفتوحة‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ضعفه‭ ‬وقوته،‭ ‬وفي‭ ‬ألمه‭ ‬وصموده،‭ ‬وفي‭ ‬ذاكرته‭ ‬وتطلعه‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؛‭ ‬دعوة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬من‭ ‬اختلافنا‭ ‬مساحة‭ ‬للتعارف،‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرتنا‭ ‬طريقاً‭ ‬إلى‭ ‬المصالحة،‭ ‬ومن‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭ ‬نقطة‭ ‬الالتقاء‭ ‬الأوسع‭ ‬بيننا‭ ‬جميعاً‭. ‬

تجليات‭ ‬الفكر‭ ‬الإيزيدي‭ ‬في‭ ‬الحياة

لقد‭ ‬تشرفت‭ ‬بالتعرّف‭ ‬إلى‭ ‬المفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬بواسطة‭ ‬الصديق‭ ‬العزيز‭ ‬الدكتور‭ ‬حسون‭ ‬جَهوَر‭ ‬عبدو،‭ ‬وقد‭ ‬ظللنا‭ ‬على‭ ‬تواصل‭ ‬عبر‭ ‬الكتابة‭ ‬والمهاتفة،‭ ‬حتى‭ ‬سعدت‭ ‬بلقائه‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬هانوفر،‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬مشاركًا‭ ‬في‭ ‬مؤتمر‭ ‬‮«‬الإيزيديون‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الحوار‭ ‬على‭ ‬طريق‭ ‬إعادة‭ ‬التنظيم‭ ‬والمأسسة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬أُقيم‭ ‬برعاية‭ ‬مؤسسة‭ ‬آسيا‭ ‬سيل‭ ‬وجمعية‭ ‬الشعوب‭ ‬المهددة،‭ ‬وعُقد‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬هانوفر،‭ ‬ألمانيا،‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬إلى‭ ‬14‭ ‬سبتمبر‭ ‬2025،‭ ‬وكان‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬رئيساً‭ ‬للمؤتمر‭. ‬وقد‭ ‬شرفتني‭ ‬لجنة‭ ‬المؤتمر‭ ‬بالحديث‭ ‬في‭ ‬الجلسة‭ ‬الافتتاحية‭ ‬للمؤتمر،‭ ‬فقدمت‭ ‬كلمة‭ ‬بعنوان‭: ‬‮«‬البيئة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الجديدة‭ ‬والحاجة‭ ‬لتكيُّف‭ ‬المجتمعات‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬الأسرة‭ ‬الكريمة‭ ‬للدكتور‭ ‬خليل‭: ‬السيدة‭ ‬حياة‭ ‬رشيد‭ ‬حسين،‭ ‬وابنتيه‭ ‬الأستاذة‭ ‬سيوان‭ ‬وزوجها‭ ‬الأستاذ‭ ‬سعود‭ ‬خلف‭ ‬درويش‭ ‬وابنتيهما‭ ‬إينانا‭ ‬ولارسا،‭ ‬والأستاذة‭ ‬ريواز‭ ‬والأستاذ‭ ‬صلاح‭ ‬رفو‭ ‬وابنهما‭ ‬ريزا،‭ ‬وابنه‭ ‬الأستاذ‭ ‬أورديخان‭ ‬وزوجته‭ ‬السيدة‭ ‬تازي‭ ‬درويش‭ ‬وابنيهما‭ ‬هكار‭ ‬وجاندار،‭ ‬وابنتيهما‭ ‬هيمان‭. ‬وقد‭ ‬جمعتنا‭ ‬جلسات‭ ‬وحوارات‭ ‬إنسانية‭ ‬وفكرية،‭ ‬ولا‭ ‬أزال‭ ‬على‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭. ‬وقد‭ ‬لمستُ‭ ‬خلال‭ ‬تلك‭ ‬اللقاءات‭ ‬جِدّيةً‭ ‬واضحة،‭ ‬وشغفاً‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬علمية‭ ‬وفكرية‭ ‬مجسدة‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الأسرة؛‭ ‬فكان‭ ‬الحوار‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬جلساتها،‭ ‬وكانت‭ ‬القضايا‭ ‬الفكرية‭ ‬والإنسانية‭ ‬والثقافية‭ ‬مجالًا‭ ‬للنقاش‭ ‬والتأمل،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬بيئةً‭ ‬أسرية‭ ‬تُقدّر‭ ‬العلم،‭ ‬وتحترم‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتشجع‭ ‬على‭ ‬التفكير‭ ‬والحوار‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬الآخر‭. ‬كما‭ ‬لمستُ‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعلم‭ ‬والمعرفة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬اهتمام‭ ‬نظري،‭ ‬وإنما‭ ‬بدا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة،‭ ‬تتكامل‭ ‬فيه‭ ‬المعرفة‭ ‬مع‭ ‬الأخلاق،‭ ‬والفكر‭ ‬مع‭ ‬الممارسة،‭ ‬والعلاقة‭ ‬بالآخر‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬الاحترام‭ ‬والمحبة‭ ‬والتعايش‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات،‭ ‬تجسدت‭ ‬أمام‭ ‬ناظري،‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬وأسرته،‭ ‬القيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬ظل‭ ‬يدعو‭ ‬إليها‭ ‬ويكتب‭ ‬عنها؛‭ ‬فوجدتُ‭ ‬في‭ ‬علاقتهم‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعض،‭ ‬وفي‭ ‬تعاملهم‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬صورةً‭ ‬حية‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصنعه‭ ‬الفكر‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة،‭ ‬والقيم‭ ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬سلوكاً‭ ‬يومياً‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬أمراً‭ ‬ذا‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة؛‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬أمام‭ ‬المفكر‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬ويكتب‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يجسّد‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وسلوكه‭ ‬ما‭ ‬يؤمن‭ ‬به‭ ‬ويدعو‭ ‬إليه‭. ‬

ولعل‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬قيمةً‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أتعرف‭ ‬إلى‭ ‬أفكار‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتاباته‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬أتيحت‭ ‬لي‭ ‬فرصة‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬عالمه‭ ‬الإنساني‭ ‬والفكري،‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬أسرته،‭ ‬ومشاركة‭ ‬أفرادها‭ ‬بعض‭ ‬الجلسات‭ ‬والحوارات‭. ‬وهنا‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬يظهر‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬العلاقات،‭ ‬وفي‭ ‬طريقة‭ ‬الإصغاء‭ ‬إلى‭ ‬الآخر،‭ ‬وفي‭ ‬احترام‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وفي‭ ‬تقدير‭ ‬العلم،‭ ‬وفي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬جسور‭ ‬للتواصل‭ ‬والتعارف‭. ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬أصبحت‭ ‬تجربتي‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬وأسرته‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬فهمي‭ ‬الأعمق‭ ‬لرسالته‭ ‬الفكرية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬وللقيم‭ ‬التي‭ ‬يحملها‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬ويدعو‭ ‬إليها‭. ‬

قبل‭ ‬الختام،‭ ‬أعتذر‭ ‬عن‭ ‬الإطالة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقديم،‭ ‬لكنني‭ ‬وددت‭ ‬أن‭ ‬أستثمر‭ ‬هذه‭ ‬المساحة‭ ‬لأعبّر‭ ‬عن‭ ‬محبتي‭ ‬واحترامي‭ ‬لإخواني‭ ‬وأخواتي‭ ‬الإيزيديات،‭ ‬وأن‭ ‬أقول‭ ‬لهم‭ ‬إن‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالإنسان‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ،‭ ‬وإن‭ ‬محبتنا‭ ‬للإنسان،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬إنسان،‭ ‬تقتضي‭ ‬أن‭ ‬نقف‭ ‬معه،‭ ‬ونحترم‭ ‬هُويته،‭ ‬ونفرح‭ ‬بوجوده،‭ ‬ونسهم‭ ‬معاً‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬يسوده‭ ‬السلام‭ ‬وكرامة‭ ‬الإنسان‭.‬

نداء‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬الأرض

ختاماً،‭ ‬يدعونا‭ ‬المفكر‭ ‬الدكتور‭ ‬خليل‭ ‬جندي،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬الفكر‭ ‬الإيزيدي،‭ ‬عبر‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬وأضم‭ ‬صوتي‭ ‬إليه،‭ ‬لنقول‭ ‬لجميع‭ ‬شعوب‭ ‬الأرض‭:‬

معاً‭ ‬لتعزيز‭ ‬الهُوية‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والفرح‭ ‬والمحبة‭ ‬للإنسان،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق