بدويات

لغة الجسد في التراث العربي.. ما وراء الكلمات!

محمد بدوي مصطفى
محمد بدوي مصطفى كاتب وإعلامي سوداني مقيم بألمانيا

 

قرأت‭ ‬مقال‭ ‬السيد‭ ‬أسامة‭ ‬فوزي‭ ‬المعنون‭ ‬‮«‬السر‭ ‬في‭ ‬انشغال‭ ‬العرب‭ ‬بالأعضاء‭ ‬التناسلية‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬نص‭ ‬قديم‭ ‬أعيد‭ ‬نشره‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬موقع‭. ‬قرأته‭ ‬مرة،‭ ‬فضحكت‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬مفارقاته،‭ ‬ثم‭ ‬توقفت‭ ‬عنده‭ ‬طويلا،‭ ‬لا‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬غرابة،‭ ‬وإنما‭ ‬بسبب‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬بها‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬أحكام‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬أمّة‭ ‬بأسرها‭.‬

نشدت‭ ‬نقد‭ ‬المقال‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬النص‭ ‬خال‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬الحقيقة‭ ‬نفسها‭ ‬حين‭ ‬تُنتزع‭ ‬من‭ ‬سياقها،‭ ‬لا‭ ‬دياكرونيا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬سنكرونيا‭ ‬أيضا،‭ ‬ثم‭ ‬تحمل‭ ‬على‭ ‬ظهرها‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭. ‬نعم،‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أورده‭ ‬الكاتب‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬اللغة‭ ‬القديمة،‭ ‬وبعض‭ ‬الألفاظ‭ ‬التي‭ ‬ساقها‭ ‬صحيحة،‭ ‬وبعض‭ ‬الفصول‭ ‬التي‭ ‬نسبها‭ ‬إلى‭ ‬أبي‭ ‬منصور‭ ‬الثعالبي‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬‮«‬فقه‭ ‬اللغة‭ ‬وسر‭ ‬العربية‮»‬‭. ‬لكن‭ ‬أن‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحقيقة‭ ‬المحدودة‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬تاريخ‭ ‬العرب‭ ‬كله‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬سوى‭ ‬جنس‭ ‬وغزل‭ ‬وغلمان،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬هم‭ ‬الأمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬انشغلت‭ ‬بتسمية‭ ‬أعضاء‭ ‬الجسد‭ ‬ووظائفه،‭ ‬فذلك‭ ‬ليس‭ ‬بحثا‭ ‬في‭ ‬التراث،‭ ‬بل‭ ‬محاكمة‭ ‬علنية‭ ‬له‭ ‬بالسخرية‭. ‬فمن‭ ‬أين‭ ‬أبدأ،‭ ‬يا‭ ‬سادتي؟‭ ‬لعل‭ ‬البداية‭ ‬الصحيحة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬إنكار‭ ‬ما‭ ‬أورده‭ ‬الكاتب،‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬دفاعا‭ ‬أعمى،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬النصوص‭ ‬نفسها،‭ ‬وقراءتها‭ ‬بعين‭ ‬الباحث‭ ‬الثاقبة،‭ ‬ووضع‭ ‬كل‭ ‬كلمة‭ ‬في‭ ‬سياقها‭ ‬الدقيق،‭ ‬ثم‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬تقول‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬حقا،‭ ‬وماذا‭ ‬نريد‭ ‬نحن‭ ‬أن‭ ‬نجعلها‭ ‬تقول؟

دعوني‭ ‬أمهد‭ ‬بنبذة‭ ‬تعريفية‭ ‬عن‭ ‬أحد‭ ‬العلماء‭ ‬المذكورين‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬المعني‭! ‬مثلا‭ ‬فالثعالبي،‭ ‬المعروف‭ ‬بأبي‭ ‬منصور‭ ‬عبد‭ ‬الملك‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬النيسابوري،‭ ‬كان‭ ‬لغويا‭ ‬وأديبا،‭ ‬ومؤلفه‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬مؤلفات‭ ‬اللغة‭ ‬الرصينة‭ ‬التي‭ ‬نشدت‭ ‬أن‭ ‬توثّق‭ ‬للعربية‭ ‬ثروتها‭ ‬الهائلة‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬والفروق‭ ‬في‭ ‬المضامين‭ ‬السيمائية‭. ‬وفي‭ ‬الكتاب،‭ ‬بالفعل،‭ ‬أبواب‭ ‬عن‭ ‬النكاح،‭ ‬وأسماء‭ ‬أجزاء‭ ‬الجسد،‭ ‬وألفاظ‭ ‬الإخراج،‭ ‬وأسماء‭ ‬الحيوان‭ ‬وأفعاله‭. ‬وقد‭ ‬تبدو‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬لنا‭ ‬اليوم‭ ‬غريبة،‭ ‬بل‭ ‬فاحشة‭ ‬في‭ ‬بعضها‭.‬

لكن،‭ ‬يا‭ ‬سادتي،‭ ‬المعجم‭ ‬ليس‭ ‬سيرة‭ ‬ذاتية‭ ‬لصاحبه‭.‬

حين‭ ‬يذكر‭ ‬المعجمي‭ ‬عشرات‭ ‬الأسماء‭ ‬لشيء‭ ‬واحد،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬كانت‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭. ‬هو‭ ‬يسجل‭ ‬اللغة‭ ‬كما‭ ‬وجدها،‭ ‬ويحفظ‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الناس،‭ ‬وما‭ ‬ميزوه،‭ ‬وما‭ ‬احتاجوا‭ ‬إلى‭ ‬تسميته‭.‬

المعجم‭ ‬خزانة،‭ ‬وليس‭ ‬اعترافا‭ ‬شخصيا‭.‬

ولو‭ ‬طبقنا‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬أبواب‭ ‬اللغة،‭ ‬لقلنا‭ ‬إن‭ ‬العرب‭ ‬كانوا‭ ‬مولعين‭ ‬بالموت‭ ‬لأن‭ ‬لهم‭ ‬أسماء‭ ‬كثيرة‭ ‬للموت،‭ ‬ومهووسين‭ ‬بالمرض‭ ‬لأنهم‭ ‬ميزوا‭ ‬بين‭ ‬أنواعه،‭ ‬وعاشقين‭ ‬للحرب‭ ‬لأنهم‭ ‬أكثروا‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬السيوف‭ ‬والطعان‭ ‬والخيول‭. ‬وهذا‭ ‬بالطبع‭ ‬كلام‭ ‬لا‭ ‬يستقيم‭ ‬جملة‭ ‬وتفصيلا‭!‬

إذن‭ ‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الألفاظ‭ ‬موجودة‭. ‬هي‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل،‭ ‬ولا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬إنكارها‭. ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬نضعه‭ ‬فوقها،‭ ‬وفي‭ ‬النتيجة‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬ننتزعها‭ ‬منها‭.‬

فهل‭ ‬يعني‭ ‬وجود‭ ‬فصل‭ ‬عن‭ ‬ألفاظ‭ ‬النكاح‭ ‬أن‭ ‬المؤلف‭ ‬كان‭ ‬‮«‬مشغولا‭ ‬بالجنس»؟

لا‭.‬

وكذلك‭ ‬فإن‭ ‬وجود‭ ‬أبواب‭ ‬عن‭ ‬الموت‭ ‬والمرض‭ ‬والبول‭ ‬والغائط‭ ‬والحمل‭ ‬والولادة‭ ‬والحرب‭ ‬والسلاح‭ ‬والطعام‭ ‬والشراب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬صاحب‭ ‬المعجم‭ ‬كان‭ ‬مشغولا‭ ‬بهذه‭ ‬الأشياء‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭.‬

المعجم‭ ‬لا‭ ‬يختار‭ ‬موضوعاته‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬نحن‭ ‬لائقا‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬لائق‭. ‬إنه‭ ‬يحفظ‭ ‬ويوثّق‭ ‬ألسنة‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬سلقوا‭ ‬عليها،‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬اندثر‭ ‬منه،‭ ‬وما‭ ‬أصبح‭ ‬غريبا‭ ‬على‭ ‬الذوق‭ ‬الحديث‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬المعاجم‭ ‬القديمة‭ ‬أنها‭ ‬احتفظت‭ ‬لنا‭ ‬بكلمات‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬الاستعمال،‭ ‬وبفروق‭ ‬دقيقة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬لغاتنا‭ ‬الحديثة‭ ‬تعيها‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تفهمها‭.‬

ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الجملة‭ ‬الأكثر‭ ‬إثارة‭ ‬في‭ ‬النص‭: ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬كانوا‭ ‬‮«‬الأمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬هذه‭ ‬الوفرة‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭.‬

هنا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬القارئ‭ ‬قليلا‭.‬

كيف‭ ‬عرف‭ ‬الكاتب‭ ‬ذلك؟

هل‭ ‬قارن‭ ‬العربية‭ ‬باليونانية‭ ‬واللاتينية‭ ‬والفارسية‭ ‬والسنسكريتية‭ ‬والعبرية‭ ‬واللغات‭ ‬الأوروبية؟‭ ‬هل‭ ‬قلب‭ ‬معاجمها‭ ‬القديمة‭ ‬والحديثة؟‭ ‬هل‭ ‬درس‭ ‬لغاتها‭ ‬الطبية‭ ‬والأدبية‭ ‬والشعرية؟‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬مجرد‭ ‬جملة‭ ‬ساخرة‭ ‬أراد‭ ‬بها‭ ‬أن‭ ‬يربح‭ ‬التصفيق؟

العربية‭ ‬غنية،‭ ‬نعم،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬وحدها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭. ‬وكل‭ ‬لغة‭ ‬قديمة‭ ‬حملت‭ ‬معها‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياة‭ ‬أهلها،‭ ‬وميزت‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬حياتهم،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬اختفت‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬من‭ ‬لغاتنا‭ ‬الحديثة‭.‬

والأغرب‭ ‬أن‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬اللغوية‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬طبيعة‭ ‬أمة‭ ‬بأكملها‭ ‬يقفز‭ ‬فوق‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬اللغة‭ ‬والمجتمع‭.‬

فاللغة‭ ‬تسجل‭ ‬الظواهر،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬وحدها‭ ‬إحصاء‭ ‬عن‭ ‬حجمها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬للشيء‭ ‬الواحد‭ ‬عشرات‭ ‬الأسماء‭ ‬لأن‭ ‬اللغة‭ ‬احتاجت‭ ‬إلى‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬أحواله‭ ‬وصفاته،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬الناس‭ ‬كانوا‭ ‬يمارسونه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم‭.‬

وهنا‭ ‬يقع‭ ‬الخلط‭ ‬الأكبر‭:‬

وجود‭ ‬الكلمة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬كثرة‭ ‬الفعل،‭ ‬وكثرة‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬جوهر‭ ‬الحياة‭.‬

خذوا‭ ‬مثلا‭ ‬أسماء‭ ‬الحيوانات‭ ‬وأصواتها‭ ‬وحركاتها‭. ‬لقد‭ ‬عرف‭ ‬العرب‭ ‬فروقا‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬صهيل‭ ‬الفرس‭ ‬ونهيقه‭ ‬ورغائه‭ ‬وثغائه‭ ‬ونباح‭ ‬الكلب‭ ‬وصهيل‭ ‬غيره‭. ‬فهل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنهم‭ ‬كانوا‭ ‬مولعين‭ ‬بأصوات‭ ‬الحيوانات؟‭ ‬بالطبع‭ ‬لا‭. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬ببساطة‭ ‬لغة‭ ‬مجتمع‭ ‬عاش‭ ‬قريبا‭ ‬من‭ ‬الحيوان،‭ ‬واحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تسمية‭ ‬دقيقة‭ ‬لما‭ ‬يراه‭ ‬ويسمعه‭.‬

وهكذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬جانبا‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬ثراء‭ ‬المعجم‭ ‬العربي‭.‬

إن‭ ‬كثرة‭ ‬الأسماء‭ ‬قد‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬دقة‭ ‬الملاحظة،‭ ‬وعن‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التصنيف،‭ ‬وعن‭ ‬حساسية‭ ‬اللغة‭ ‬للفروق،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها‭ ‬للحكم‭ ‬على‭ ‬أخلاق‭ ‬مجتمع‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬حضارة‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬الثعالبي‭ ‬نفسه‭ ‬يلفت‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭ ‬حين‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬الكناية‭ ‬عما‭ ‬يستقبح‭ ‬ذكره‭ ‬بما‭ ‬يستحسن‭ ‬لفظه‮»‬‭. ‬أي‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬تعداد‭ ‬لألفاظ‭ ‬الجسد،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬أيضا‭ ‬وعي‭ ‬باللغة،‭ ‬وبالمقام،‭ ‬وبما‭ ‬يقال‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يقال،‭ ‬وبكيفية‭ ‬انتقال‭ ‬المعنى‭ ‬من‭ ‬التصريح‭ ‬إلى‭ ‬الكناية‭.‬

وهذا‭ ‬مهم،‭ ‬لأن‭ ‬اللغة‭ ‬ليست‭ ‬قائمة‭ ‬كلمات‭ ‬فحسب‭.‬

إنها‭ ‬أيضا‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭.‬

وفي‭ ‬النصوص‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬نجد‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬والأدب‭ ‬والقرآن‭ ‬والحديث‭ ‬والفقه‭ ‬والمعاجم‭. ‬فحتى‭ ‬حين‭ ‬يتناول‭ ‬الكاتب‭ ‬أو‭ ‬المعجمي‭ ‬أمرا‭ ‬حساسا،‭ ‬فإن‭ ‬اختيار‭ ‬اللفظ‭ ‬نفسه‭ ‬يصبح‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المعنى‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬نقتطع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬من‭ ‬سياقها،‭ ‬ثم‭ ‬نجعلها‭ ‬مرآة‭ ‬كاملة‭ ‬لحضارة‭ ‬بأسرها‭.‬

فالطبيب‭ ‬يعرف‭ ‬أسماء‭ ‬الأمراض‭ ‬الجنسية،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭. ‬وعالم‭ ‬الحيوان‭ ‬يعرف‭ ‬أعضاء‭ ‬الحيوان‭ ‬ووظائفها،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬تدور‭ ‬حولها‭. ‬وعالم‭ ‬النبات‭ ‬يحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬الجذور‭ ‬والأوراق‭ ‬والثمار،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬كلها‭ ‬نبات‭.‬

كثرة‭ ‬الأسماء‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬كثرة‭ ‬الممارسة‭.‬

واللغة‭ ‬ليست‭ ‬مرآة‭ ‬صامتة‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬هو‭. ‬إنها‭ ‬تصنفه،‭ ‬وتعيد‭ ‬ترتيبه،‭ ‬وتضع‭ ‬بين‭ ‬الأشياء‭ ‬فروقا‭ ‬وحدودا‭.‬

لهذا‭ ‬فإن‭ ‬اقتطاع‭ ‬عشرات‭ ‬الألفاظ‭ ‬من‭ ‬المعاجم‭ ‬القديمة،‭ ‬ثم‭ ‬القول‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬هو‭ ‬تاريخنا‭ ‬كله‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬كشفا‭ ‬للحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬اختيار‭ ‬لزاوية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحقيقة‭.‬

ويبقى‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬حين‭ ‬ننتقل‭ ‬من‭ ‬المعجم‭ ‬إلى‭ ‬كتب‭ ‬الأدب‭ ‬الكبرى؟‭ ‬هل‭ ‬سنجد‭ ‬الصورة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬يرسمها‭ ‬النص‭ ‬الساخر؟‭ ‬وهل‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬الأغاني‮»‬‭ ‬مثلا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬سجل‭ ‬للجنس‭ ‬والمجون؟

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬الحكاية‭ ‬الثانية‭.‬

حين‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬الأغاني‮»‬،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬يا‭ ‬سادتي‭ ‬أمام‭ ‬الكتاب‭ ‬نفسه‭ (‬السر‭ ‬في‭ ‬انشغال‭ ‬العرب‭ ‬بالأعضاء‭ ‬التناسلية؟‭!) ‬الذي‭ ‬استدعاه‭ ‬فوزي‭ ‬في‭ ‬نصه‭ ‬دليلا‭ ‬آخر‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬يريد‭ ‬رسمها‭ ‬للتراث‭ ‬العربي،‭ ‬منتقيا‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬فكرته،‭ ‬تاركا‭ ‬وراءه‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أوسع‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الصورة‭.‬

نعم،‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬أخبار‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬العشق‭ ‬والمجون‭ ‬والخمر‭ ‬والعلاقات‭ ‬الجنسية‭. ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مادته‭ ‬بالفعل‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬مرجع‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬كتاب‭ ‬ضخم‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬والموسيقى‭ ‬وأخبار‭ ‬الشعراء‭ ‬والمغنين‭ ‬والأدباء‭ ‬وأحوال‭ ‬المجتمع‭ ‬والثقافة‭. ‬إنه‭ ‬من‭ ‬أضخم‭ ‬المؤلفات‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الرابع‭ ‬الهجري،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نحوله‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬كتاب‭ ‬جنس‮»‬‭ ‬لأنه‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬عن‭ ‬الجنس،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬كتاب‭ ‬خمر‭ ‬لأن‭ ‬فيه‭ ‬أخبارا‭ ‬عن‭ ‬الخمر‭.‬

ثم‭ ‬تأتي‭ ‬دعوى‭ ‬أخرى‭: ‬أن‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬مقرر‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬طلبة‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭. ‬وهذه‭ ‬يا‭ ‬سادتي‭ ‬حكاية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬واسع‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬جملة‭ ‬عابرة‭. ‬الكتاب‭ ‬معروف،‭ ‬واسع‭ ‬الانتشار،‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬المكتبات‭ ‬والبحوث‭ ‬الجامعية،‭ ‬وموضوع‭ ‬للدراسة‭ ‬في‭ ‬جامعات‭ ‬مختلفة،‭ ‬لكن‭ ‬تعميم‭ ‬القول‭ ‬بأنه‭ ‬مقرر‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬طلبة‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬نعرج‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬الباحث‭ ‬أحمد‭ ‬زويل‭.‬

المقارنة‭ ‬بين‭ ‬الثعالبي‭ ‬وزويل‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬أجزاء‭ ‬النص‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الساخرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تصمد‭ ‬كثيرا‭ ‬أمام‭ ‬التاريخ‭. ‬يقول‭ ‬الكاتب،‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬كلامه،‭ ‬إن‭ ‬زويل‭ ‬لو‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬عين‭ ‬شمس،‭ ‬لربما‭ ‬انشغل‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬اسم‭ ‬جديد‭ ‬لغرمول‭ ‬الحمار‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الفيمتوثانية‭. ‬الصورة‭ ‬ساخرة،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬تصلح‭ ‬لجذب‭ ‬القارئ،‭ ‬لكن‭ ‬زويل‭ ‬نفسه‭ ‬يكذب‭ ‬هذه‭ ‬النكتة‭ ‬بمجرد‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬سيرته‭ ‬العلمية‭. ‬فزويل‭ ‬درس‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬ثم‭ ‬واصل‭ ‬دراسته‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وحصل‭ ‬على‭ ‬الدكتوراه‭ ‬من‭ ‬جامعة‭ ‬بنسلفانيا،‭ ‬وعمل‭ ‬في‭ ‬بيركلي،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭ ‬معهد‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬للتكنولوجيا،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬علماء‭ ‬الكيمياء‭ ‬الفيزيائية‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬حصل‭ ‬منفردا‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬الكيمياء‭ ‬عن‭ ‬أبحاثه‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬المراحل‭ ‬الانتقالية‭ ‬للتفاعلات‭ ‬الكيميائية‭ ‬باستخدام‭ ‬مطيافية‭ ‬الفيمتوثانية‭.‬

والفيمتوثانية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬كلمة‭ ‬علمية‭ ‬غريبة‭ ‬يمكن‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬‮«‬غرمول‭ ‬الحمار‮»‬‭. ‬إنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ثورة‭ ‬علمية‭ ‬أتاحت‭ ‬للعلماء‭ ‬دراسة‭ ‬حركة‭ ‬الذرات‭ ‬والجزيئات‭ ‬أثناء‭ ‬التفاعلات‭ ‬الكيميائية‭ ‬في‭ ‬أزمنة‭ ‬بالغة‭ ‬القصر،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالفيمتوكيمياء‭.‬

لكن‭ ‬المفارقة‭ ‬الحقيقية‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬غرمول‭ ‬الحمار‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬الفيمتوثانية‭.‬

المفارقة‭ ‬أن‭ ‬الثعالبي‭ ‬وزويل‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬أحدهما‭ ‬ضد‭ ‬الآخر‭.‬

الثعالبي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬زمانه،‭ ‬وزويل‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬زمانه‭.‬

الأول‭ ‬حفظ‭ ‬اللغة،‭ ‬والثاني‭ ‬اقترب‭ ‬من‭ ‬أسرار‭ ‬المادة‭. ‬الأول‭ ‬كان‭ ‬يسأل‭: ‬ما‭ ‬اسم‭ ‬هذا؟‭ ‬وما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬وذاك؟‭ ‬والثاني‭ ‬كان‭ ‬يسأل‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬للذرة‭ ‬والجزيء‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬بالغ‭ ‬الصغر‭ ‬من‭ ‬الزمن؟

لم‭ ‬يكن‭ ‬الثعالبي‭ ‬منافسا‭ ‬لزويل،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬زويل‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يهدم‭ ‬الثعالبي‭ ‬كي‭ ‬يصنع‭ ‬علمه‭.‬

المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬الإنسان‭ ‬اسم‭ ‬‮«‬براز‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬بعر‭ ‬البعير‮»‬‭.‬

إنّ‭ ‬الإشكالية‭ ‬تبدأ‭ ‬عندما‭ ‬يتوقف‭ ‬الإنسان‭ ‬عند‭ ‬الاسم‭ ‬ولا‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭.‬

وهنا،‭ ‬في‭ ‬رأيي،‭ ‬تقع‭ ‬مشكلتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬مع‭ ‬التراث‭.‬

نحن‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬نقرأه‭ ‬بعينين‭ ‬متناقضتين‭: ‬عين‭ ‬تقدسه‭ ‬فلا‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬المجد،‭ ‬وعين‭ ‬تحتقره‭ ‬فلا‭ ‬ترى‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬السخرية‭.‬

وكلاهما‭ ‬يخطئ‭.‬

فالتراث‭ ‬ليس‭ ‬قديسا‭ ‬ولا‭ ‬مجرما‭.‬

إنه‭ ‬ذاكرة‭ ‬بشرية‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الذاكرة‭ ‬شعر‭ ‬رفيع‭ ‬ومجون‭ ‬فاضح،‭ ‬وفلسفة‭ ‬عميقة‭ ‬وخرافة،‭ ‬وطب‭ ‬متقدم‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬عصره‭ ‬وأوهام‭ ‬طبية،‭ ‬فقه‭ ‬وسياسة،‭ ‬حب‭ ‬وحرب،‭ ‬تصوف‭ ‬وشك،‭ ‬علم‭ ‬وجهل‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬تراثا‭ ‬بشريا،‭ ‬لا‭ ‬نصا‭ ‬منزها‭ ‬عن‭ ‬النقد‭ ‬ولا‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭ ‬يمكن‭ ‬اختصارها‭ ‬في‭ ‬عنوان‭ ‬واحد‭.‬

ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬التراث‭ ‬بإخفاء‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬غرابة‭ ‬أو‭ ‬فحش‭ ‬ليس‭ ‬دفاعا‭ ‬عنه،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الهجوم‭ ‬عليه‭ ‬باقتطاع‭ ‬أكثر‭ ‬صفحاته‭ ‬إثارة‭ ‬ليس‭ ‬نقدا‭ ‬علميا‭ ‬له‭.‬

الطريق‭ ‬الأصعب،‭ ‬وربما‭ ‬الأصدق،‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬كما‭ ‬هو‭.‬

أن‭ ‬نقبل‭ ‬يا‭ ‬سادتي‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬كتبنا‭ ‬ما‭ ‬يبهج،‭ ‬وما‭ ‬يحرج،‭ ‬وما‭ ‬يثير‭ ‬الدهشة،‭ ‬وما‭ ‬يستحق‭ ‬النقد‭. ‬وأن‭ ‬نفرق‭ ‬بين‭ ‬المعجم‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وبين‭ ‬تسجيل‭ ‬الظاهرة‭ ‬وتمجيدها،‭ ‬وبين‭ ‬وجود‭ ‬النص‭ ‬وحقيقة‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬الناس‭.‬

فهل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬نصوص‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬الغزل‭ ‬والجنس‭ ‬والمجون؟

نعم‭.‬

وهل‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬المعاجم‭ ‬العربية‭ ‬القديمة‭ ‬ثروة‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الألفاظ‭ ‬الخاصة‭ ‬بالجسد‭ ‬والحيوان‭ ‬والنكاح‭ ‬والإخراج؟

نعم‭.‬

وهل‭ ‬هذا‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬‮«‬تاريخنا‭ ‬كله‭ ‬جنس‭ ‬وغلمان»؟

لا‭.‬

وهل‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬‮«‬الأمة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬هذه‭ ‬الثروة‭ ‬المعجمية؟

لا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

وهل‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬الأغاني‮»‬‭ ‬كتاب‭ ‬جنس؟

لا‭.‬

وهل‭ ‬ثبت‭ ‬أنه‭ ‬مقرر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية؟

لم‭ ‬أجد‭ ‬ما‭ ‬يثبت‭ ‬هذه‭ ‬الدعوى‭ ‬العامة‭.‬

وهل‭ ‬أحمد‭ ‬زويل‭ ‬يمثل‭ ‬نموذجا‭ ‬لعربي‭ ‬هرب‭ ‬من‭ ‬‮«‬معجم‭ ‬غرمول‭ ‬الحمار‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬العلم؟

هذه‭ ‬نكتة‭ ‬صحفية‭ ‬لا‭ ‬حقيقة‭ ‬تاريخية‭.‬

ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نخرج‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬كلها‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬اللغة‭ ‬لا‭ ‬تلام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حفظته،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المعجم‭ ‬لا‭ ‬يلام‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬ورثه‭.‬

المعجم‭ ‬أمين‭ ‬الذاكرة‭.‬

وقد‭ ‬تكون‭ ‬الذاكرة‭ ‬جميلة،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬قبيحة،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬ساخرة،‭ ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬مؤلمة‭.‬

لكن‭ ‬وظيفتنا‭ ‬ليست‭ ‬أن‭ ‬نحطم‭ ‬المرآة‭ ‬لأنها‭ ‬أظهرت‭ ‬وجها‭ ‬لا‭ ‬يعجبنا‭.‬

وظيفتنا‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬فيها‭ ‬طويلا،‭ ‬ثم‭ ‬نسأل‭:‬

كيف‭ ‬صار‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬هكذا؟

هناك‭ ‬يبدأ‭ ‬العلم‭.‬

وهناك‭ ‬فقط‭ ‬يبدأ‭ ‬نقد‭ ‬التراث‭ ‬الحقيقي‭.‬

أما‭ ‬أن‭ ‬نختار‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬صفحة‭ ‬عشرين‭ ‬سطرا‭ ‬عن‭ ‬النكاح،‭ ‬ثم‭ ‬نقول‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬هو‭ ‬تاريخنا‭ ‬كله‮»‬،‭ ‬فذلك‭ ‬ليس‭ ‬كشفا‭ ‬للحقيقة‭.‬

إنه‭ ‬فقط‭ ‬اختيار‭ ‬للزاوية‭ ‬التي‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬منها‭ ‬الحقيقة‭.‬

والتراث،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬صفحاته‭ ‬غرابة،‭ ‬وأعمق‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬كلماته‭ ‬إثارة‭.‬

من‭ ‬يقرأه‭ ‬كله،‭ ‬يرى‭ ‬إنسانا‭.‬

ومن‭ ‬يقتطع‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬يشاء،‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬إلا‭ ‬صورته‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬يبحث‭ ‬عنها‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق