ثقافة وفن

النظامُ منتجًا للعبث: بلاغة التاريخ وسخرية الكوكب المتثائب

قراءة في عنوان «تاريخ مختصر للعبث: كوكب يتثاءب» لعبد العزيز كوكاس حين يغدو

هناء ميكو

قد يبدو العبث، للوهلة الأولى، اسمًا للفوضى التي تعترض انتظام العالم، أو وصفًا لما يفلت من سلطة العقل والتفسير. غير أن أكثر صوره إقلاقًا تتشكّل أحيانًا في قلب النظام ذاته؛ حين تستمرّ الإجراءات في العمل بعدما تفقد غايتها، وتتعاظم دقّة الوسائل فيما يزداد المقصد غموضًا، ويُطلب من الإنسان أن يمتثل لمنطق يعجز عن تبرير نفسه. عندئذ يغدو العبث انتظامًا بلا معنى، وتصبح الآلة التي تعمل بكفاءة مصدرًا للعطب الذي يُفترض أن تتولّى إصلاحه.

من هذه المفارقة يمكن الاقتراب من عنوان «تاريخ مختصر للعبث: كوكب يتثاءب». فهو يجمع بين وعد معرفي توحي به صيغة «تاريخ مختصر»، وصورة ساخرة تبدو كأنها تتثاءب في وجه ذلك الوعد نفسه. في شطره الأول، يستدعي العنوان لغة التأليف الذي يجمع الوقائع ويرتّبها ويستخلص دلالتها.. وفي شطره الثاني، يواجه هذا الطموح بحركة جسدية صغيرة، مألوفة وعصيّة على الوقار. وبين الرغبة في تفسير العالم والتثاؤب إزاءه تتأسّس طاقة العنوان النقدية: كيف نروي تاريخًا لما يربك منطق الرواية؟ ومن يملك المسافة الكافية للنظر إلى المغامرة البشرية بوصفها مشهدًا يستحقّ التثاؤب؟

تاريخٌ لما يتعذّر إخضاعه للحبكة

تحمل كلمة «تاريخ» افتراضًا ضمنيًّا بإمكان وصل الأحداث بعضها ببعض، وتعيين ما سبق وما لحق، والبحث عمّا يجعل التتابع مفهومًا. ومع أن الكتابة التاريخية لا تفترض بالضرورة تقدّمًا متّصلًا، فإن المخيال الحديث كثيرًا ما حمّلها هذا الوعد: أن يكون الغد ثمرةً لما تعلّمه الإنسان من أمسه، وأن تتراكم المعرفة بما يقلّل من تكرار الكارثة. لذلك يكتسب إسناد التاريخ إلى العبث حدّة خاصة، إذ يضع موضع السؤال قدرتنا على تحويل توالي الوقائع إلى خبرة، وتحويل الخبرة إلى حكمة.

أن يكون للعبث تاريخ قد يعني أنه تجاوز الحادثة المنعزلة وصار قابلًا للتكرار والتوارث. فما نظنّه خللًا طارئًا قد يكون أثرًا لبنية مستقرة، وما نستقبله بدهشة قد يكون قديمًا لم نتعلّم التعرّف إليه في صورته الجديدة. تتبدّل المفردات والواجهات، بينما تحتفظ العلاقات العميقة بقدرتها على إعادة إنتاج النتائج ذاتها. هنا يصبح التأريخ للعبث تعقّبًا لاستمرار ما يُعلن الإنسان، في كلّ مرحلة، أنه تجاوزه.

يفتح الإعلامي والكاتب عبد العزيز كوكاس عنوان هذا الكتاب بما يشكل سؤالًا حول المسافة بين التغيّر والتقدّم. فكثرة الأحداث لا تضمن حدوث تحوّل، وتسارع الزمن لا يثبت أننا نغادر مواقعنا. قد تنشغل المجتمعات بحركة واسعة لا تقود إلا إلى تجديد شروط المأزق، وقد تتراكم الإجابات حتى تحجب السؤال الذي وُضعت من أجله. ويغدو التاريخ عندئذ سجلًّا لقدرة الإنسان المدهشة على منح عودته إلى النقطة نفسها أسماء جديدة.

«مختصر»: سلطة الإحاطة ومفارقتها

تضيف كلمة «مختصر» طبقة أخرى إلى هذا التوتّر. فهي تعد القارئ باقتصاد معرفي يردّ الكثرة إلى خطوطها الأساسية، ويجعل موضوعًا واسعًا قابلًا للإحاطة. غير أن اقترانها بالعبث يعرّض سلطة الاختصار نفسها للمساءلة: هل يمكن تلخيص ما يتكاثر عبر الأزمنة والأمكنة؟ وهل يكشف الاختصار جوهر الظاهرة، أم يفضح رغبتنا في امتلاك العالم بواسطة صيغة موجزة؟

تنبع السخرية هنا من تفاوت المقياس بين الموضوع وطريقة تقديمه. فالعبث، بما يوحي به من امتداد وتعذّر على الضبط، يُقدَّم كما لو كان مادة قابلة للترتيب في صفحات محدودة. وقد يحمل هذا الوعد شيئًا من محاكاة الخطاب الواثق الذي يعلن قدرته على شرح كل شيء، حتى ما يكشف حدود الشرح. ومن ثمّ يمكن أن تنصرف المفارقة إلى موضوع الكتاب وإلى سلطة الكتابة معًا: فاللغة التي تجمع شتات الواقع قد تميل، هي الأخرى، إلى إخفاء ما لا ينسجم مع ترتيبها.

لكن للاختصار احتمالًا آخر؛ إذ قد يشير إلى أن العبث، على كثرة تجلّياته، يستند إلى آليات قليلة تتكرّر: انفصال القول عن الفعل، واستقلال الوسيلة عن الغاية، وتحويل الإنسان إلى أداة في نظام يدّعي خدمته. وتكون مهمّة الكتابة، وفق هذا الاحتمال، التقاط القاعدة التي تتنقّل بين الوقائع، بدل الاكتفاء بإحصائها. بين استحالة الإحاطة وإمكان كشف النمط تتحرّك دلالة «مختصر»، دون أن تستقرّ في معنى واحد.

من يعدّ التاريخ، ومن يتثاءب؟

تؤدي النقطتان في العنوان وظيفة تتجاوز الفصل بين تسمية رئيسية وأخرى فرعية. فهما تنقلاننا من صيغة معرفية مجرّدة إلى مشهد محسوس: «كوكب يتثاءب». كأن الصورة تأتي لتختبر ما تستطيع العبارة المفهومية قوله، أو لتعيد تأويله من زاوية يصعب أن يبلغها التعريف المباشر.

والفارق بين الشطرين فارق في النبرة وفي موضع النظر أيضًا. فـ«تاريخ مختصر للعبث» يفترض صوتًا يراقب ويختار ويرتّب، بينما يقدّم «كوكب يتثاءب» عالمًا صار هو نفسه صاحب إيماءة. ينتقل الإنسان، الذي اعتاد أن يكون مؤرّخ الكون ومفسّره، إلى موقع الكائن الذي تجري مراقبته. لم يعد وحده من يمنح الأشياء معناها؛ لقد أصبح جزءًا من مشهد يمكن النظر إليه من خارج ثقته بنفسه.

هنا تتشكّل مفارقة دقيقة: يمنح العنوان الكوكب فعلًا إنسانيًّا، ثم يستخدم هذا الفعل لزعزعة مركزية الإنسان. نستعير من أجسادنا علامة التثاؤب، فإذا بها تعود إلينا حكمًا محتملًا على ما نفعله. فالأنسنة، التي تقرّب العالم من تجربتنا، تصير وسيلة لتصغير ادعائنا بأن تجربتنا هي مقياس العالم.

التثاؤب وإزاحة البطولة البشرية

اختيار التثاؤب بالغ الدلالة. فلو غضب الكوكب أو صرخ أو بكى، لبقي الإنسان في مركز انفعال كونيّ كبير، لظلّت أفعاله عظيمة بما يكفي لاستدعاء الغضب أو الرثاء. أما التثاؤب فيسحب من المشهد شيئًا من جلاله. إنّه حركة لا تمنح الخطاب البشري الردّ المهيب الذي ينتظره، وتترك ادعاءاته معلّقة أمام استجابة أقلّ بكثير من حجمها المتخيَّل.

وتنبع قسوة هذه السخرية من أن الإنسان قد يحتمل الإدانة أكثر مما يحتمل فقدان الأهمية. فالإدانة تعترف بوزن فعله، بينما يوحي التثاؤب بأن المشهد، على ضجيجه، صار متوقّعًا. تتكرّر الوعود، وتتجدّد مراسم إعلان البدايات، ويُقدَّم القديم في هيئة اكتشاف، حتى يفقد العرض قدرته على إثارة الدهشة.

ومع ذلك، لا يتيح العنوان الجزم بأن التثاؤب تعبير عن الملل وحده. فقد يكون علامة إنهاك أو عدوى أو انتقال بين اليقظة والنوم. وهذه الاحتمالات توسّع الصورة: هل الكوكب متعب ممّا يحدث فوقه؟ أم أنه يفقد القدرة على الاستجابة؟ أم أن تثاؤبه ينتقل، مجازًا، إلى سكانه، فيصير الفتور حالة مشتركة؟ قوة الصورة في أنها تحتفظ بهذه المعاني متجاورة، وتجعل الحركة العابرة قابلة لقراءة وجودية وسياسية وأخلاقية.

بين عبث الوجود وعبث التدبير

تقتضي القراءة الدقيقة التمييز بين العبث والفوضى. فالعبث لا يساوي كلّ ما يستعصي على التوقّع. وفي أفقه الفلسفي، يمكن فهم العبث بوصفه توتّرًا بين توق الإنسان إلى المعنى وبين عالم لا يضمن الاستجابة لهذا التوق. غير أن المجال الاجتماعي يقدّم صورة أخرى: معنى يُعلَن باستمرار، فيما تنقضه الممارسة اليومية.

في هذه الصورة الثانية، ينشأ العبث من وفرة التبريرات وانقطاع صلتها بما يجري. فحين تُرفع قيمة العدالة لتبرير الامتياز، أو يُستدعى خطاب الإصلاح لإدامة العطب، أو تتحوّل خدمة الإنسان إلى سلسلة من المطالب التي تستنزفه، يصبح التناقض جزءًا من آلية الاشتغال. وتكمن خطورته في قابليته للاعتياد؛ إذ يتعلّم الأفراد كيف يتكيّفون معه، ويحسبون كلفة الاعتراض عليه، ويطوّرون مهارات العيش داخله.

يفتح العنوان إمكان قراءة هذه المسافة بين عبث يتصل بحدود الوجود، وعبث تصنعه علاقات القوة والمؤسسات والممارسات. والتمييز بينهما ضروري، لأن توسيع العبث حتى يشمل كل شيء قد يعفي الفاعلين من مسؤوليتهم. فليس كلّ اختلال قدرًا كونيًّا، ولا كلّ معاناة أثرًا لغموض الحياة. بعض ما يبدو غير مفهوم يصبح مفهومًا حين نسأل عمّن ينتفع باستمراره، وعمّن يتحمّل كلفته.

السخرية بوصفها إعادةً لتوزيع الأحجام

في ضوء ذلك، يمكن فهم الطاقة الساخرة التي يعد بها العنوان باعتبارها قدرة على تغيير مقياس النظر. فالخطاب الذي يبدو متماسكًا داخل مراسمه قد ينكشف حين يوضع إلى جوار تفصيل يومي صغير، والسلطة التي تضخّم صورتها قد تفقد شيئًا من رهبتها حين تُرى حركتها من مسافة أبعد. السخرية تتيح هذا الانتقال بين المقاييس؛ تستدعي العالم الواسع لتكشف ضآلة الادعاء، أو تلتقط حركة جسدية عابرة لتفضح ضخامة المصطنع.

وهذا ما تحقّقه صورة الكوكب المتثائب: تجمع أوسع فضاء مألوف للعيش بأكثر الاستجابات اليومية بساطة. فلا تحتاج إلى خطاب مضادّ يضاهي ضجيج المشهد؛ تكفيها إيماءة يتهاوى أمامها بعض وقاره. ومن هنا تأتي قيمتها النقدية: إنها تغيّر شروط تلقّي الكلام قبل أن تناقش محتواه، وتعيد إلى القارئ حقّ النظر في ما اعتاد استقباله بخشوع أو خوف.

لكن السخرية تظلّ معرّضة لخطرها الخاص. فقد يصير الضحك وسيلة لتصريف الغضب دون مساءلة أسبابه، وقد يمنح الساخر شعورًا مريحًا بأنه يقف خارج المشهد الذي يسخر منه. لذلك تبلغ القراءة عمقها حين تعيد القارئ إلى الصورة: ما نصيبه من العبث الذي يراه؟ وأيّ عادات صغيرة يشارك بها في استمراره؟ عند هذه العتبة يصبح الضحك معرفةً محرجة، لأنه يصيب موقع المتفرّج أيضًا.

حين يصبح الاعتياد شكلًا من أشكال العطب

يتيح التثاؤب طرح سؤال يتعلّق بقدرتنا على التأثّر. فالتكرار قد يضعف الاستجابة حتى حين تظلّ أسبابها قائمة، وقد تتحوّل الوقائع الثقيلة إلى أخبار عابرة لأن الحواس أُنهكت من تلقّيها. عندئذ لا تعود المشكلة في غياب ما يستحقّ الانتباه، وإنما في تآكل الانتباه نفسه.

يمكن أن نقرأ الكوكب المتثائب، من هذه الزاوية، صورةً مكبّرة لذات بشرية أرهقها الفارق بين ما تعرفه وما تستطيع فعله. ترى التناقض، وتدرك زيف الوعد، ثم تواصل يومها. ومع الزمن، يصبح استمرار المألوف أقوى من الاعتراض عليه، وتغدو اللامبالاة وسيلة احتماء تستبقي العطب الذي تحتمي منه.

غير أن إظهار هذا الفتور في صورة ساخرة قد يعيد تنشيط الإحساس به. فالكتابة تستخرج التثاؤب من عفويته وتضعه أمامنا، فننتبه إلى ما كنّا نمارسه دون انتباه. وتكون المفارقة أن صورة الملل نفسها تستعيد قدرتنا على الدهشة، وأن تسمية الاعتياد تفتح مسافة صغيرة بيننا وبينه.

الكوكب وحدود الزمن الإنساني

تمنح كلمة «كوكب» العنوان اتساعًا آخر. فهي تضع التاريخ البشري داخل زمن أقدم وأطول، وتخفّف من بداهة اعتبار صراعاتنا وألقابنا ومؤسساتنا أفق الوجود كلّه. فما يبدو حاسمًا في عمر الفرد أو الدولة قد يغدو عابرًا إذا تغيّر مقياس النظر.

لكن اتساع المنظور لا ينبغي أن يمحو ألم الأفراد. فالمعاناة لا تصبح أقلّ واقعية لأن الكون أوسع منها. والتحدّي الذي تفتحه الصورة هو الجمع بين وعي محدودية الإنسان وصون قيمة تجربته: أن تتراجع أوهام سيادته، دون أن تتراجع مسؤوليته؛ وأن يدرك ضآلة موقعه، دون أن يجعلها ذريعةً للانسحاب.

وفي أفق بيئي محتمل، يمكن لتعب الكوكب أن يذكّر بحدود التعامل معه بوصفه خلفية صامتة للنشاط البشري. غير أن هذا يظلّ احتمالًا تتيحه الاستعارة، يحتاج تأكيد حضوره في الكتاب إلى قراءة المتن. فالعنوان يفتح مسالك التأويل، ولا ينهض وحده دليلًا على أن العمل قد سلكها جميعًا.

تتأتّى كثافة «تاريخ مختصر للعبث: كوكب يتثاءب» من أنه يجمع بين اندفاع الإنسان إلى إنتاج المعنى، وإمكان أن تبدو حصيلة هذا الاندفاع، من زاوية أخرى، عرضًا متكرّرًا. وهو لا يحسم هذا التوتّر، بل يجعله مادة للقراءة: نحتاج إلى التاريخ كي نفهم، ونشكّ في الحبكات التي نرتّب بها الفهم؛ نضحك من العبث، ثم نكتشف أن الضحك لا يضمن خروجنا منه.

وعلى هذا الأساس، يقترح العنوان عقدًا قرائيًّا قائمًا على الارتياب في المألوف. يدعو إلى فحص ما يعمل بانتظام، وما يُقال بثقة، وما يتكرّر حتى يكتسب هيئة الضرورة. ويجعل السخرية أداةً لاختبار المسافة بين أسماء الأشياء وطرائق اشتغالها، وبين الصورة التي يصنعها الإنسان عن نفسه والأثر الذي يتركه في العالم.

يبقى الكوكب، في نهاية الصورة، متثائبًا؛ وتبقى دلالة حركته معلّقة بين التعب والملل والفتور. أما القارئ، فقد لا يستطيع العودة بالسهولة نفسها إلى موقع المتفرّج. إذ يكفي أن يسأل عمّا يراه الكوكب حتى يلمح نفسه بين عناصر المشهد: يكرّر جملةً سمعها، ويمتثل لإجراء لا يفهمه، ويضحك من تناقض يساهم في دوامه. هناك يبدأ الأثر الأعمق للعنوان، حين يتحوّل من وصف ساخر للعالم إلى اضطراب صغير في طمأنينة من يقرؤه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق