ثقافة وفن

الشعر بوصفه حوارًا وانشطارًا في ديوان “رابعة الأثافي”

بشرى طالبي

يقدّم ديوان “رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين” للشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب والشاعرة السورية روضة الدخيل، تجربة شعرية مزدوجة تقوم على التفاعل بين صوتين شعريين في بنية نصية حوارية. وهو ما يفرض تفكيك ثنائية الصوت، واستجلاء علاقة النص بـ“العطفة” بوصفها امتدادًا أو انزياحًا دلاليًا، مع الوقوف عند اشتغال اللغة والصورة في إنتاج المعنى داخل هذا الفضاء الشعري المركّب.

يعلن الديوان منذ عتبته الأولى عن مشروعه الجمالي: “قصيدة بصوتين“، هذا الإعلان هو موقف شعري يضع النص داخل أفق الحوار، بدل الصوت الأحادي الذي ميّز تقاليد الشعر العربي. نحن أمام تجربة تُفكّك مركزية الشاعر، وتوزّع القول بين ذاتين:

  • عبد الرحمن بوطيب (النص)
  • روضة الدخيل (العطفة)

وبذلك، يتحول الديوان إلى فضاء تفاعلي، حيث لا يُقرأ النص منفصلًا عن صدىً يليه، أو يعارضه، أو يعيد تأويله.

بنية “العطفة“: من التوازي إلى الانزياح

يُبنى الديوان على نسق ثابت: نص → عطفة، كما يظهر بوضوح في الفهرس، حيث يقابل كل نص شعري “عطفة” تحمل عنوانًا مختلفًا. هذه البنية تقوم على التوتر الدلالي بين مستويين: مستوى أول: يطرح الفكرة أو الصورة ومستوى ثانٍ: يعيد تفكيكها أو تعميقها أو الانزياح عنها ففي “تمزيق” مثلًا، لا تأتي “تمزيق أشلاء” كتتمة، بل كتكثيف للعنف الرمزي. وفي “بركان”، تتحول “بركان ثان” إلى مضاعفة للانفجار، لا تكرارًا له. وهنا تتجلى وظيفة “العطفة” بوصفها: إعادة كتابة موازية.

لا يمكن قراءة هذا الديوان دون التوقف عند ثنائية الصوت التي تشكّل عموده الفقري.
فالصوتان لا يتقاسمان النص بشكل سلمي دائم، بل يتحركان بين:

  • التكامل (حين تُكمل العطفة المعنى)
  • التنازع (حين تُعارضه أو تُربكه)
  • التوازي (حين يسيران في خطين متجاورين دون التقاء مباشر)

هذه البنية تخلق ما يمكن تسميته ب“الكتابة الثنائية المفتوحة“، حيث لا يمتلك أي صوت سلطة نهائية ولا يُغلق المعنى داخل تأويل واحد، وبذلك، يتحول القارئ إلى طرف ثالث في هذا الحوار، يُطلب منه أن يختار، أو يجمع، أو يعيد تركيب المعنى.

تتميز لغة الديوان بكثافة واضحة تميل إلى الانزياح والتوتر بين الحسي والمجرد وتظهر هذه الكثافة في العناوين نفسها: “نبيذ… إدمان سكرة“، “سماء من حجر“، “نزف في جمجمتي“… وهي عناوين تقوم على مفارقات دلالية: الجمع بين الحياة والجماد، بين الامتلاء والفراغ، بين اللذة والألم. أما الصورة الشعرية، فهي أداة تفكير، تُستخدم لتفكيك التجربة الإنسانية، خاصة في بعدها الوجودي والوجداني.

الثيمات المركزية: الوطن، الحب، الجرح

يتوزع ديوان “رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين” على مجموعة من الثيمات الكبرى، أبرزها: الوطن بوصفه جرحًا مفتوحًا

يظهر في نصوص مثل “هذا قصيدي يا وطني” و“لك اعتذاري يا وطني” حيث يُقدَّم الوطن كعلاقة مأزومة، يتداخل فيها الحب بالخذلان. ثم الحب بوصفه توترًا من خلال عناوين مثل “جب الحب: ترنيمة وجع“، “في الانتظار” حيث يبرز الحب كتجربة قاسية تتأرجح بين الرغبة والانكسار. والجسد والذاكرة كفضاء للنزيف كما يتجلى في “نزيف” و“نزف في جمجمتي ” حيث يتحول الجسد إلى نص موازٍ، يحمل آثار التجربة ويترجمها إلى لغة.

أفق القراءة: نحو شعرية تعددية

ما يميز هذا الديوان، هو أنه لا يقدّم نصًا مغلقًا، بل يقترح نموذجًا شعريًا يقوم على تعدد الأصوات وانفتاح المعنى وإشراك القارئ في إنتاج الدلالة وهو بذلك يندرج ضمن تحولات الشعر العربي المعاصر، الذي لم يعد يبحث عن “القصيدة الكاملة”، بل عن القصيدة الممكنة التي تُكتب في مساحة بين ذاتين وبين أكثر من احتمال.

يشكّل ديوان “رابعة الأثافي” تجربة شعرية لافتة، من حيث موضوعاته ومن حيث بنيته الجمالية التي تقوم على الحوار والتعدد. إنه نص يُعيد التفكير في مفهوم القصيدة ذاتها، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للشعر أن يكون مساحة مشتركة بدل أن يكون صوتًا فرديًا؟ هذا السؤال، في حد ذاته، هو ما يمنح الديوان قيمته، ويجعله مفتوحًا على قراءات متعددة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق