
لي قلب واحد … وأحارب ألف وجع
ليلة وداع أمي
عماد الخالدي
برغم كل الألم الذي كان يعتصر جسدها منذ سنين عديدة إلا أن خبر وفاتها وقع على مسمي كما لو أنه زلزال هز كياني وبعثر روحي.
إحساس ستائره سوداء انتابني فجأة حينما أخبرني أخي أن والدتي لم تعد قادرة على التقاط أنفاسها، برغم أنها بالكاد وصلت إلى بيتها الذي شهد في كل زاوية منه على أبيض قلبها ونقاء روحها، بعد أسبوع قضته في المستشفى ما بين العناية المشددة وغرفة الاستشفاء فيما بعد مرحلة الحرج.
بدت شاحبة الوجه وعلامات الحزن قد سرقت نضارة خدودها حينما أرسل أخي صورتها لي، إلا أنني كنت أرفض فكرة رحيلها في هذا الوقت، لا أريدها ان ترحل قبل أن أعانقها وتضمني إلى صدرها…أقبل يديها … قبل أن أكحل عيناي برؤيتها بعد كل موج الشوق الذي اجتاحني على امتداد سنوات ستة مضت ولم تكن الحياة كريمة معي لألتقيها ولو لمرة واحدة.
انقبض قلبي في تلك اللحظة في حين كان قلبي يحدثني أن الموت يسرق الحياة من قلبها.
حاولت طيلة فترة المساء تجاهل كل تلك الأحاديث التي دارت في خلدي بأنني على وشك فقدان أمي.
عدت إلى البيت متأخراً بعد أن ظننت أنني لملمت بعثرتي وتشتتي، وما أن جلست حتى بادرتني زوجتي بالسؤال،
لما وجهك مثقل بالحزن … باهت اللون؟
حاولت جاهداً أن أخفي هواجسي عنها لكن باءت بالفشل كل محاولاتي، واستسلمت بعد إلحاح منها وأخبرتها أني أشعر بانقباض في قلبي منذ أخبرني أخي أن أنفاس والدتي ليست على ما يرام.
أعصابي تحترق ببطء … وتنهش عقلي الأفكار من كل صوب …عجزٌ رهيب … وانتظار لأي خبرٍ جديد من أخي.
أنظر إلى هاتفي الجوال كل لحظةٍ … أنتظر رسالةً ما تأتي وتسقط معها كل مخاوفي وتوقف شلال الذعر الذي أنهال على روحي.
ويكتب أخي
أمي تتنفس بصعوبة …
قريبا ستصل سيارة الإسعاف …
وصلت الآن …
نحنا في طريقنا إلى دمشق …
هي على جهاز التنفس …
كان الوقت يمر كما لو انه يطحن عظامي بهدوء
وعاد أخي ليكتب
نحن الآن في منتصف الطريق …
صرنا على أبواب دمشق …
دقائق معدودة ونصل إلى المستشفى …
ثم كانت الرسالة الأخيرة
أخوتي الأحبة … أمنا توفيت … صبرا جميل والله المستعان …
وتوقفت الرسائل …. وتوقف قلبي هناك
لم أتمالك نفسي … أصابني انهيار تام ونوبة بكاء مريرة لم تتوقف.
حاولت زوجتي تهدئتي بكل ما أوتيت من صبر ورحمة
فقدت الإحساس بالمكان والزمان … انقطع في ذاكرتي حبل التواصل مع الحياة لساعة من الزمن.
صحوت كما لو أني في حلم استهلك كل طاقتي
وكانت زوجتي لا زالت إلى جانبي تخفف من مصابي وتحاول مواساتي.
كنت بحاجة في تلك اللحظة لأكون وحيداً … شعرت بذلك … وقبل أن تغادر المكان همست … إن احتجت لشيء فقط أخبرني
أمسكت الهاتف لأتأكد من الرسائل ثانية، وأقول في سريرتي لربما أنني في حلم.
إلا أن كل شيء كان حقيقياً … أمي قد انتقلت إلى الرفيق الأعلى.
أرسل لي أخي صورة لها وجسدها مسجى في أحد غرف البيت.
يا حسرتي … أحاول لمس وجهها من وراء شاشة خرساء عسى يدي ترد الروح إليها.
روحي ترتعش لفقدانها …
لم أكن معها وقت مرضها … والأن رحلت وأنا بعيد … ستدفن ولن أشارك في حمل جثمانها … ولن أستطيع أن أضعها في قبرها لترقد بسلام.
يا له من ألم تئن له الروح ويتشقق القلب منه.
يمر الوقت ثقيلاً وقد ضاقت بي الدنيا برغم وسعها.
أجهش بالبكاء وأنيناً يحشرج في الصدر من شدة الابتلاء.
هي الجروح حين يزداد عمقها في قلوبنا، وكأن ملحاً رُش فوق دماء وجعنا.
حرمتني الدنيا من لحظة وداعك أماه … لكني سأقضي الليلة معك ولن اتركك حتى موعد الدفن.
سأحدثك عن حبي لك … عن مدى الشوق الذي ما غادرني منذ آخر مرة كنا سوياَ … سأحدثك عن الأمل الذي كنت أعيش عليه لألقاك مجدداً.
قاربت الساعة الثالثة والنصف صباحاً، هاتفي الجوال يرن … كان اخي المتصل، لم أستطع تمالك نفسي وأجهشت بالبكاء من جديد واغرورقت عيناه أيضا بالدموع.
هو بجاني أمي الآن …. وأحسده على النعمة التي هو فيها.
قال لي تحدث مع أمنا … ولتراها عينيك للمرة الأخيرة قبل مغادرة جسدها.
ها أنا اتحدث معها … أخبرتها أن رحيلها موجع ومؤلم جدا … أخبرتها بانكسار قلبي لشوقي لها … أخبرتها عن ظلم الحياة بحرماني من لقائها
… قلت لها بأنك تسمعيني ورجوتها تبتسم … ها هي تبتسم … لقد سمعتني أقسم أنها ابتسمت ولم يكن مجرد خيال، وسارعت لآخذ صورة للشاشة وهي تهديني … الابتسامة الأخيرة.
تأملتها للحظات ومن بعد أقفلت الاتصال.
تعجز الكلمات عن البوح:
توفي والدي قبل أشهر
اليوم أمي تنتقل للرفيق الأعلى …
ابني الوحيد … لم أراه حتى اليوم
ولم تمنحني الحياة تأشيرة السماح لرؤيتهم رغماَ عني وعلى امتداد ست سنوات قد مضت برغم كل محاولاتي، ولا أعلم إن كان القدر سيمنحني تذكرة اللقاء من جديد.
من سوف يعيد ما سرقته الحرب والسياسة؟
من سوف يعيد نبض الحياة إلى قلوب تبعثرت وأرواح تشردت؟ من سيلملم وجع نفوس تاهت وضاقت بها الأرض بما رحبت؟
كنت أدرك تماماً أن هذا اليوم سيأتي منذ أن أصابها المرض لم أستطع يوما أن أتأقلم مع الفكرة لا أستطيع أن اتأقلم مع رحيل الأم
اليوم … يموت بعضٌ مني
وأعلم ان الحياة سوف تستمر …. لكن ابتداءً من اليوم ستكون مختلفة.
ستصبح بعض التفاصيل … مثل السرير الذي كانت تنام فيه أمي لسنوات طويلة ولكنه اليوم فارغاَ.
يحدث أحياناَ أننا نتنفس ونحتاج فقط لشهادة وفاة لنكون في عداد الموتى برغم أننا على قيد الحياة لا زلنا.
نامي يا عين أمي بسلام
لروحك الرحمة …




